- زاد إيران - المحرر
- 385 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، السبت 19 يوليو/تموز 2025، حوارا مع المحلل في الشؤون السياسية والدولية، رحمان قهرمان بور، حول أهم المتغيرات المؤثرة في البيئة الدبلوماسية والأمنية لإيران في ظل التصعيد الإقليمي والضغوط الغربية المتزايدة، من تفعيل آلية الزناد وصولا إلى مستقبل المفاوضات المحتملة مع الولايات المتحدة، وفي ما يلي نص الحوار:
هل تملك الترويكا الأوروبية القدرة على تفعيل آلية الزناد فعلا، وهل يهدف تهديدها إلى الضغط الأقصى أم تمهيد للمفاوضات؟
تتبع أوروبا هذا النهج لثلاثة أسباب رئيسية:
أولا، يُعدّ هذا التحرك ردّ فعل على مواقف إيران في حرب أوكرانيا، والتي أثارت غضب الأوروبيين.
ثانيا، هناك بُعد قانوني؛ إذ إن عدم تفعيل آلية الزناد وعدم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة سيؤدي إلى انتهاء ما يُعرف ببنود الغروب في الاتفاق النووي، ما يعني رفع القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني تلقائيا من الناحية القانونية.

ثالثا، تسعى أوروبا إلى لعب دور محوري إلى جانب الولايات المتحدة في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني، وهو النهج نفسه الذي اتبعته سابقا في مواجهة الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونجحت حينها في أن تكون طرفا فاعلا وتمنع اتفاقا مباشرا بينهما.
وبناء عليه، فإن أهداف هذه التحركات وتحديد المهلة الزمنية هو، الضغط على طهران للقبول باتفاق جديد، والتنسيق مع واشنطن للضغط على إيران من أجل القبول بالشروط الأمريكية والأوروبية.
ما تأثير التوترات الحالية على فرص التفاوض؟ وهل ستُطرح قضيتا الصواريخ والسلوك الإقليمي الإيراني بجانب التخصيب؟ وكيف سترد طهران؟
كما أشرتُ سابقا، فإن النهج الأوروبي الأساسي يهدف إلى الضغط على إيران للتخلي عن تخصيب اليورانيوم، وفي الوقت نفسه، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض شروط على إيران تتعلق بالبرنامج النووي والمسائل الصاروخية والإقليمية، هذا الأمر قد يجعل الوصول إلى اتفاق أكثر صعوبة من السابق، فالحرب التي استمرت 12 يوما والهجوم الإسرائيلي على إيران غيّرا الأجواء العامة المحيطة بالمشاورات.
وبرأيي، إن انعدم التوازن الذي كان موجودا حتى قبل 12 يونيو/حزيران 2025 قد تفاقم، ما جعل احتمال التوصل إلى اتفاق أقل من أي وقت مضى، فمن جهة، ازدادت مطالب الولايات المتحدة وأوروبا، ومن جهة أخرى، تراجع استعداد إيران للاستثمار الاستراتيجي أو ما يُعرف بالثقة في المسار الدبلوماسي.
وخاصة أن هناك داخل إيران من يعتقدون بجدية أن المفاوضات لو كانت قادرة على حل الخلافات ومنع الحرب، لما وقعت تلك الأحداث، لذلك، أرى أن فشل الدبلوماسية في منع الحرب أدى إلى تصاعد التشاؤم بين القوى التي لم تكن متفائلة أصلا بالمفاوضات، بخلاف ما كان عليه الحال قبل 12 يونيو/حزيران 2025.
هل تسعى روسيا والصين فعلا للتهدئة، أم تعيدان صياغة استراتيجياتهما في غرب آسيا بما يخدم مصالحهما وعلاقاتهما مع واشنطن؟
إن وضع روسيا والصين يختلف جذريا، فروسيا تُعد قوة في طور التراجع، خاصة بعد غزوها لأوكرانيا، إذ أظهر ذلك الحدث بداية انحدار واضح في نفوذها الدولي، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عجزها عن تحقيق نصر سريع في أوكرانيا، والتطورات في منطقة القوقاز، وفشل بوتين في الحفاظ على الرئيس السوري السابق بشار الأسد في السلطة، فضلا عن موقفها السلبي في دعم إيران ضد هجوم إسرائيل. 
وإذا كان هذا التقدير دقيقا، فمن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل، مما يعني أن روسيا لن تكون قادرة على لعب دور مهم، أما بالنسبة للصين، فالوضع مختلف؛ فهي قوة صاعدة، ويختلف سلوكها عن سلوك روسيا، ومع ذلك، يبدو أن صعود الصين لا يزال هادئا، وبكين لا تميل إلى توسيع نفوذها من خلال الصراعات والتوترات.
وبالتالي، فإن مسألة روسيا تتعلق أكثر بعجز موسكو، أي أنها حتى وإن أرادت، فلن تكون قادرة على دعم إيران بالشكل المتوقع.
أما بالنسبة للصين، فيبدو أن المسألة تتعلق بعدم رغبة القادة السياسيين في بكين، إذ لم تتوصل الصين بعد إلى قناعة نهائية بضرورة دعم إيران على مستوى حساس واستراتيجي، لذا، يبقى أن نرى ما إذا كانت الدبلوماسية الإيرانية في الأسابيع المقبلة ستنجح في إقناع بكين، وما إذا كانت إيران تمثّل لها قيمة استراتيجية فعلا.
كما ينبغي التذكير بأن الصين لا تسعى إلى تحالف استراتيجي شامل مع أي دولة، وقد أعلنت صراحة أن أقصى ما تطمح إليه هو شراكة استراتيجية، والتي تعني التعاون في مجالات المصالح المشتركة دون التزام بالدعم العسكري في حال اندلاع حرب.
من هنا، يجب التمييز بين نهج الصين وروسيا، فالعامل الذي قد يدفع بكين إلى مراجعة موقفها هو إدراكها أن موقفها المتخاذل في هذه الحرب قد يضر بمكانتها، ويقلل من مصداقيتها في الشرق الأوسط، مما يؤدي إلى تراجع ثقة دول مثل السعودية، والإمارات، وإيران، وتركيا، ومصر بها.
ولا يزال من غير الواضح ما هو تقييم الصين لهذا الوضع، ولا نعرف ما إذا كانت تشارك وجهة نظر إيران أو باقي عواصم الشرق الأوسط، أم أنها ترى أن لا شيء استثنائي قد حدث.
إلى أي حد يمكن الوثوق بفرضية سعي الصين لتكرار دورها عام 2023 كصانع سلام بين إيران والسعودية في مشاورات جديدة محتملة في بكين؟
كما أشرتُ في إجابة السؤال الثالث، لا يصحّ مقارنة وضع إيران مع السعودية بوضعها مع الولايات المتحدة، لأن إيران والسعودية قوتان إقليميتان، وقد قامت الصين كقوة عالمية، بالوساطة بينهما حيث كانت هناك ثقة متبادلة بالصين، كما أن الموضوع لم يكن استراتيجيا عميق الخلاف، فإيران كانت تميل لتطبيع العلاقات، والسعودية غيّرت سياستها.
أما في الملف النووي والوساطة بين إيران والولايات المتحدة، فالوضع مختلف، لأن العلاقات يهيمن عليها انعدام ثقة شديد، وقد لا تقبل طهران بأي وساطة صينية تتجاوز خطوطها الحمراء، لذلك، يبقى على الصين أولا أن تتيقن بأن التدخل في هذا التوتر يستحق المخاطرة وجدير بالاستثمار، وأنها ستخرج منه بنتيجة ناجحة؛ فبكين لا تغامر بسمعتها لأي طرف، حتى لروسيا، وبالتالي، إن رأت الصين أن الوساطة لن تُثمر، فلن تدخل على خطها.
كيف تؤثر تحركات إسرائيل ضد إيران على الخطاب الإقليمي والدولي؟ وما تقييمكم لاستراتيجية طهران في مواجهة تل أبيب، خاصة مع التحذيرات من تحول إسرائيل إلى تهديد محتمل لدول الخليج؟
تُعَدّ مخاوف السعودية والإمارات من هيمنة إسرائيل في المنطقة واقعية، إذ إن هذا الفريق من الدول الخليجية يشعر بالقلق تجاه تحركات تل أبيب، إلا أن ذلك لا يعني أنهم، نتيجة لهذا القلق، سيدخلون في علاقات استراتيجية مع إيران، فهذه الدول، وكما أعلنت مرارا وبصراحة، تتبنى وجهة نظر، مفادها أن إضعاف كل من إيران وإسرائيل في الوقت ذاته يصب في مصلحتها، لأنه يمنحها مساحة أكبر للحركة في المنطقة.
ولهذا السبب، تحرص على عدم الانخراط قدر الإمكان في الصراع بين إيران وإسرائيل، وكما كانت دول الخليج في السابق تعارض تصاعد قوة إيران، وشاركت بدرجة ما في مشروع التخويف من إيران، فإنها اليوم أيضا تعارض تنامي قوة وهيمنة إسرائيل في المنطقة، وتسعى إلى خلق نوع من التوازن، وجزء من هذا النهج يصبّ في مصلحة إيران، لكن بطبيعة الحال، قد لا يكون الجزء الآخر في صالحها.
أما فيما يتعلق بتحركات إسرائيل وتأثيرها على الخطاب الإقليمي والدولي، فيجب الإشارة إلى أن لدى إسرائيل رافعتين أساسيتين للضغط على إيران، الأولى هي الاعتماد على الولايات المتحدة، بمعنى أن إسرائيل تمارس ضغطا على منظومة صنع القرار الأمريكية من خلال اللوبيات اليهودية هناك.
ومن هذا المنطلق، وكما نجحت إسرائيل خلال حرب الأيام الـ12 في كسب دعم الولايات المتحدة، فإن من المحتمل أن تتمكن مرة أخرى من الحصول على تأييد وموافقة واشنطن، أما الخيار الثاني فيتعلق بالمخاطرة الكبيرة التي أقدمت عليها إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين لجأت إلى الخيار العسكري.
فاليوم لم تعد إسرائيل تخشى كثيرا من استخدام الأدوات العسكرية، وعليه، فإن لدى إسرائيل رافعتين رئيسيتين، الأولى تتمثل في استثمار نفوذ لوبياتها داخل أمريكا للتأثير على قراراتها، والثانية هي الاستعداد لتحمل المخاطر المرتبطة باللجوء إلى العمل العسكري.
ما خيارات إيران القانونية للدفاع عن مصالحها إذا فُعِّلت آلية الزناد، خاصة مع تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتولي المجلس الأعلى للأمن القومي ملف التواصل معها؟
من الناحية القانونية، قد يكون من الممكن العثور على بعض المسارات، لكن هذه الخيارات على الأرجح لن تؤدي إلى النتيجة المرجوّة، لأن هناك نقاشات تفسيرية حول كيفية تنفيذ المعاهدات الدولية وظروف الانسحاب منها، ومع ذلك، يبدو أنه إذا قررت الدول الأوروبية إعادة طرح ملف آلية الزناد، فلن يكون هناك – للأسف – حل عملي لمنع ذلك، مما سيؤدي إلى تصعيد التوتر.
وقد حاولت إيران حتى الآن أن تمنع تفعيل الآلية من خلال توجيه التحذيرات إلى أوروبا، لكن في الوقت الراهن لا تُلاحظ أي مؤشرات على تراجع الأوروبيين عن موقفهم.
ما تحليلكم للسيناريوهات المحتملة بشأن ردّ فعل طهران إذا تزامنت الإجراءات العقابية الغربية مع تحركات عسكرية أو استخباراتية من قِبل النظام الإسرائيلي؟
في ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، هناك سيناريو الاتفاق، وسيناريو آخر يتمثل في استمرار التوتر والمواجهة، وأيّ من هذين السيناريوهين سيتحقق، ويعتمد بطبيعة الحال على أفعال وردود أفعال الأطراف المعنية، فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى لنجاح دبلوماسية الإكراه تجاه إيران، فستكون مضطرة إلى تقديم تنازلات لطهران.
ومن الواضح أن إيران ستقاوم أي طرح يشبه ما كان يطرحه ترامب دون شروط، وفي هذه الحالة ستفشل دبلوماسية الإكراه.
من جهة أخرى، يجب أن نرى ما إذا كانت دول المنطقة، والقوى العالمية، خصوصا الصين، لديها الرغبة في التدخل الجاد في هذا الملف أم لا، برأيي، قد تمتلك الصين القدرة على منع تفاقم الأزمة، لكن، كما أشرت سابقا، هذا يعتمد على مدى رغبتها، أو كما يقول بعض المحللين، على مدى قدرتها، فرغم تصاعد القوة العسكرية للصين، فإنها لا تزال تفتقر إلى القدرة التشغيلية العسكرية الحقيقية.
بمعنى آخر، الدولة التي ترغب في فرض إرادتها على المستوى العالمي، لا بد أن تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية، وعليه، فإن تحقق أي من هذه السيناريوهات مرتبط بعدة عوامل، ويجب انتظار ما ستؤول إليه الأمور في النهاية.

