- زاد إيران - المحرر
- 576 Views
نشر موقع نور نيوز الإيراني، الخميس 18 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفاد فيه بأن النظام الصحي في إيران يواجه أزمة متفاقمة نتيجة سياسات قصيرة الأمد وغير مدروسة، أدت إلى تضخم أعداد الأطباء العامين في مقابل عجز حاد في التخصصات الطبية الحيوية مثل التخدير والطوارئ وطب الأطفال والأمراض المعدية.
الطب في إيران
ذكر الموقع أن الأزمة الحالية في نظام الصحة بإيران هي حصيلة تراكم من القرارات قصيرة الأمد، غير المخططة وأحيانا الشعبوية، مشيرا إلى أن استمرار هذا المسار يعني القبول بمستقبل تُفقد فيه ليس فقط عدالة الصحة، بل تتعرض أيضا سلامة أرواح المرضى للخطر، مؤكدا أن الوقت قد حان كي يلتفت صناع السياسات إلى احتياجات الناس الفعلية بدلا من التلاعب بأرقام القبول.
وتابع أن رئيس منظمة النظام الطبي، قبل أيام قليلة، كشف بلهجة تحذيرية عن حقيقة ظل خبراء الصحة العامة يحذرون منها منذ سنوات، موضحا أنه من بين أكثر من 104 آلاف طبيب عام مسجل في البلاد، لا يمارس ما لا يقل عن 30 ألفا منهم مهنة الطب أساسا، لافتا إلى أن هذا الرقم وحده يعكس هدرا للطاقات التعليمية والمالية والبشرية في بلد يواجه باستمرار أزمة نقص الأطباء المتخصصين وتوزيعا غير عادل لخدمات الصحة.
نقص حاد في التخصصات الطبية
ذكر الموقع أن هناك تناقضا كبيرا بين زيادة الطاقة الاستيعابية في الطب العام وبين النقص الحاد في التخصصات الطبية.
وأضافت أنه في اختبار التخصص الأخير، بقيت مقاعد عديدة في تخصصات حيوية شاغرة، إذ لم يُستكمل سوى 10% من طاقة طب الطوارئ، رغم أن هذا التخصص يمثل خط الدفاع الأول في حوادث الطرق والكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ في المستشفيات.
وتابعت أن تخصص التخدير، على الرغم من دوره المحوري في كل عملية جراحية، لم يملأ سوى 32% من مقاعده.
أما طب الأطفال، الذي يُعنى بصحة الأجيال القادمة، فقد اكتفى بنسبة 22%، فيما لم يتجاوز طب الأمراض المعدية، الذي يعد ركيزة مواجهة الأوبئة، نسبة 15%. واعتبر الموقع أن هذه الأرقام لا يمكن تجاوزها بسهولة، بل تمثل جرس إنذار خطير.
وتساءل: كيف يمكن في بلد يعاني من هذا النقص في التخصصات الطبية الأساسية، أن يستمر الإصرار على توسيع الطاقة الاستيعابية للطب العام؟
وأشار إلى أنه خلال العقدين الماضيين، كان الرد المتكرر من وزارة الصحة والبرلمان على الانتقادات بشأن نقص الأطباء هو زيادة مقاعد الطب العام، لكن المعطيات تظهر أن هذه السياسة لم تُنتج سوى تضخم في أعداد أطباء بلا جدوى عملية.
ولفت الموقع إلى أن أكثر من 30 ألف طبيب عام اليوم إمّا اتجهوا لأعمال غير طبية بسبب الظروف المعيشية والمهنية، أو يعملون في عيادات لا تمت للطب بصلة، أو تركوا مهنة الطب نهائيا.
وأوضحت أن تكلفة إعداد كل طبيب عام بالنسبة للحكومة تعادل على الأقل عشرات آلاف الدولارات، وهو هدر كان يمكن لو وُجّه لتأهيل الأطباء المتخصصين أن يسهم في سد النقص الحالي بشكل ملموس.
التوزيع غير العادل للأطباء
ذكر الموقع أن أحد أوجه الأزمة يتمثل في التوزيع غير العادل للأطباء المتخصصين، حيث تُظهر الإحصاءات الرسمية أن 42% من إجمالي أطباء التخصص في البلاد يتركزون فقط في خمس مدن كبرى، بينما تصل النسبة في بعض الاختصاصات إلى 60% في طهران وحدها.
وتابع أن المعنى المباشر لهذه الأرقام هو أن المريض في زاهدان أو إيلام أو خوي، للعثور على طبيب تخدير أو أمراض معدية، عليه أن يقطع مئات الكيلومترات ويتحمل نفقات باهظة للنقل والإقامة والعلاج، في وقت فقد فيه مبدأ العدالة في الصحة، الذي يُفترض أن يكون الهدف الأساسي لنظام الرعاية الصحية، بريقه أكثر من أي وقت مضى.
وأضاف أن هذا التفاوت الجغرافي لا يُعدّ نتيجة ضعف السياسات التعليمية فحسب، بل يعكس أيضا الإهمال المباشر للسياسات التحفيزية والداعمة، فعندما يتمكن الطبيب المتخصص في طهران أو أصفهان من العمل في ظروف أفضل وبمردود أعلى، فما الدافع لوجوده في مستشفيات المناطق الفقيرة؟ وأكد أن غياب حزم تشجيعية حقيقية لاستقطاب الأطباء والحفاظ عليهم في المناطق الأقل حظا أدى إلى تفاقم الأزمة.

ولفت الموقع إلى أن مسألة هجرة الأطباء فاقمت بدورها المخاوف، إذ تفيد تقارير غير رسمية بأن السنوات الأخيرة شهدت هجرة أعداد ملحوظة من الأطباء العامين والمتخصصين إلى بلدان أوروبية وأمريكا الشمالية.
وأوضح أن أسباب هذه الهجرة واضحة: مشكلات معيشية، ضغط عمل ثقيل، غياب الأمن الوظيفي، وانعدام الثقة بالمستقبل المهني.
وتابع بالقول إن هذا المسار، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص في الأطباء المتخصصين، يشكل ضربة مزدوجة لنظام الصحة، حيث إن الطبيب الذي استغرق إعداده سنوات طويلة وكلف مليارات التومانات، يغادر بسهولة عبر الحدود ليخدم أنظمة صحية لدول أخرى.

أزمة النظام الصحي
ذكر الموقع أن هذه الفوضى ليست مسألة مهنية تخص الأطباء وحدهم، بل إن انعكاساتها تظهر بوضوح في الحياة اليومية للناس، فأي مريض يضطر للسفر إلى العاصمة بحثا عن طبيب متخصص يتحمل، إلى جانب معاناة المرض، عبئا ماليا ثقيلا.
وتابع أن التكاليف الجانبية للعلاج، من النقل إلى الإقامة، تُعد مرهقة لكثير من الأسر، بحيث يصبح الحصول على الخدمات التخصصية مسألة طبقية: فالأثرياء يستطيعون تحمّل نفقات السفر والعلاج، فيما تُجبر الفئات محدودة الدخل على التخلي عن العلاج أو الوصول المتأخر والخطير إلى الخدمات.
وأضاف أن جذور هذه الأزمة تكمن في عدة محاور:
- السياسات القصيرة الأمد وغير العلمية: إذ جاءت القرارات غالبا استجابة لضغوط سياسية واجتماعية، لا استنادا إلى تقييم دقيق أو استشراف للمستقبل.
- غياب نظام وطني لتخطيط القوى البشرية الصحية: حيث تفتقر البلاد إلى نموذج علمي يربط بين حاجات السكان، وأنماط الأمراض، والطاقة التعليمية المتاحة.
- ضعف البنى التحتية التعليمية والسريرية: فزيادة أعداد الطلاب دون تعزيز المستشفيات التعليمية والإمكانات السريرية أدت إلى تراجع حاد في جودة التدريب.
- إهمال الحوافز المالية والمهنية: إذ تفتقر التخصصات الحيوية إلى الجاذبية بالنسبة للأطباء الشباب بسبب ضغط العمل الكبير وقلة الدخل.
وأوضح الموقع أن السؤال المطروح الآن هو: ماذا يجب أن نفعل؟ الخطوة الأولى هي الإقرار بالواقع، فالمشكلة لا تكمن في نقص الأطباء العامين، بل في النقص بالأطباء المتخصصين والتوزيع غير العادل للخدمات، أما التوسع غير المدروس في مقاعد الطب العام فليس علاجا للأزمة بل جزء منها.
وتابع أن الخطوة الثانية هي إعادة النظر في سياسات القبول، مع التركيز على التخصصات المطلوبة.
ويجب وضع حزم تشجيعية مالية ومهنية لهذه التخصصات الحيوية، مثل التخدير والطوارئ وطب الأطفال والأمراض المعدية، وتشمل منحا دراسية مع التزام بالخدمة، رواتب ومزايا خاصة للعمل في المناطق الفقيرة، إضافة إلى فرص للتطور الأكاديمي بهدف استقطاب الأطباء الشباب.
وأضاف أن الخطوة الثالثة تتمثل في وضع خريطة وطنية للقوى العاملة في القطاع الصحي، قائمة على البيانات والاستشراف، بحيث تُبنى على أساس الاتجاهات السكانية، وأعباء الأمراض، واحتياجات المناطق، ثم تُضبط السعة التعليمية للجامعات تبعا لذلك.
وأشار إلى أن صناع القرار ملزمون أيضا بالشفافية، إذ إن نشر تقرير سنوي شامل عن وضع القوى البشرية الصحية — من عدد الأطباء العاملين إلى التوزيع الجغرافي والمقاعد الشاغرة والممتلئة — يمكن أن يضع الرأي العام وأصحاب القرار أمام الواقع ويحول دون تكرار السياسات الخاطئة.
وختم الموقع بتأكيد أن أزمة النظام الصحي الإيراني اليوم هي حصيلة تراكم من القرارات القصيرة الأمد والعشوائية وأحيانا الشعبوية، وأن استمرار هذا النهج يعني القبول بمستقبل تُفقد فيه العدالة الصحية ويتهدد فيه أمن أرواح المرضى.
واعتبر أن الوقت قد حان لكي يلتفت صناع القرار إلى حاجات الناس الحقيقية بدل الاكتفاء بلعبة الأرقام في القبول الجامعي، فمستقبل الصحة لا يمكن أن يُبنى على التجربة والخطأ، إنها رسالة تحذير، وإن لم تُسمع اليوم فلن يكون هناك غد للتعويض.

