- زاد إيران - المحرر
- 712 Views
كتبت: كريمة هاني
أثارت أنباء احتمال رفع أسعار البنزين في إيران جدلا واسعا بين مختلف الأطراف الرسمية والشعبية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية جسيمة. ويؤجج هذا الجدل تحذيرات البرلمان من العواقب الوخيمة لأي قرار مفاجئ برفع أسعار البنزين، أعقبتها تصريحات رسمية من الحكومة نفت فيها نفيا قاطعا وجود أي خطط لزيادة الأسعار. وتُعد هذه القضية من أكثر القضايا حساسيةً في المشهد الإيراني، نظرا لتأثيرها المباشر على معيشة المواطنين وعلى الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
انتقادات البرلمان وطرح الحلول البديلة
تحرك البرلمان الإيراني بسرعة عقب شائعات رفع أسعار البنزين، حيث وجّه عدد من النواب رسالة رسمية إلى الرئيس يحذرون فيها من أن أي زيادة ستزيد تكاليف المعيشة وتفاقم الأعباء على المواطنين. وقد قرأ النائب أحمد نادري، عضو هيئة رئاسة البرلمان، نص الرسالة خلال جلسة عامة، موضحا أن الفجوة بين إنتاج البنزين واستهلاكه تتسع سنويا، مما يُثقل كاهل الدولة ماليًا ويزيد ضغط احتياطيات النقد الأجنبي.
وأوضحت الرسالة أن إنتاج البنزين المحلي لا يتجاوز 107 مليون لتر يوميا، بينما يبلغ الاستهلاك أكثر من 127 مليون لتر، ما يفرض استيراد نحو 20 مليون لتر يوميا بتكلفة تقدّر بحوالي 4 مليارات دولار، وهو ما يُفاقم عجز الموازنة ويؤدي إلى موجات تضخمية تثقل كاهل المواطنين.
وأشار النواب إلى أن البرلمان كان قد ألزم الحكومة منذ العام الماضي بخمس إجراءات لتقليل استهلاك البنزين، تشمل: نقل الحصص إلى البطاقات المصرفية، إدخال الغاز المسال (LPG)بالسعر المدعوم( 0.36 دولار)، تخصيص 3% من عائدات مكافحة التهريب لمشروعات الترشيد، تسهيل استيراد المركبات الكهربائية والهجينة، والسماح للقطاع الخاص باستيراد البنزين الممتاز.
وانتقد النواب الحكومة لعدم تنفيذ أي من هذه الإجراءات رغم رفع أسعار بطاقات المحطات، ودعوا الرئيس للتدخل ومحاسبة الأجهزة التنفيذية المقصرة، مشددين على ضرورة نقل الحصص إلى البطاقات المصرفية لضمان الشفافية، خاصة أن نحو 40% من استهلاك البنزين (حوالي 50 مليون لتر يوميا) يتم عبر بطاقات مجهولة الهوية.

تدخل رئيس البرلمان وتحذيراته من تكرار الأخطاء
لم تتوقف ردود الفعل عند هذا الحد، بل تدخل محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، ليعطي التحذير بعدا أوسع. ففي ختام جلسات تقييم أداء الحكومة، شدد قاليباف على أن الحكومة والبرلمان يجب أن يسيرا في اتجاه يمنع تكرار الأخطاء السابقة، قائلا: “في أسلوب وإجراءات إصلاحات الطاقة يجب ألا نخطئ مرةً ثانية”. كما كشف عن تقرير برلماني يوضح أن 12 بندا من أصل 13 بندا أساسيا في الجدول الاقتصادي غير قابلة للتنفيذ، مما شكل انتقادا واضحا لأداء الحكومة وأضفى مزيدا من المصداقية على المخاوف من توجه الحكومة نحو حلول سريعة مثل رفع الأسعار.

الضوابط البرلمانية لأي تعديل في أسعار البنزين
وبالتوازي مع الجدل الدائر، شدد النائب رمضان علي سنكدويني، عضو لجنة الطاقة بالبرلمان، على أن أي رفع محتمل لأسعار البنزين يجب أن يسبقه إصلاح شامل يشمل البنية التحتية، نشر الوعي العام، وتوفير دعم فعال للفئات الهشة. وحذر من أن التغييرات المفاجئة قد تؤدي إلى فقدان الثقة واضطرابات اقتصادية ونفسية، مستندا إلى دروس التجارب السابقة. كما حدد أولويات واضحة: حماية الشرائح محدودة الدخل، ترشيد الاستهلاك عبر تحديث الأجهزة المنزلية وتحسين عزل المباني، مؤكدا عدم إدراج أي زيادة في موازنة العام الجاري، مع مطالبة الحكومة بتهيئة البنية التحتية وتنفيذ برامج الدعم تمهيدا لأي إصلاح مستقبلي.

الرد الحكومي: نفي قاطع مع تأكيد استمرار الدراسات
في ذروة التصعيد الإعلامي والبرلماني، أصدر المتحدثون باسم الحكومة ردا حازما على جميع هذه الشائعات. نفى مهدي طباطبائي، مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الاتصالات والإعلام، أي شائعات حول رفع أسعار البنزين، مؤكدا أن ما يُتداول لا أساس له من الصحة. وشدد مهدي علي أنه : “لم يكن هناك أي برنامج لرفع سعر البنزين بنسبة كبيرة على أجندة الحكومة، بل إن المقترحات المقدمة شددت على الحفاظ على أسعار البنزين الحالية وحصص الدعم الحالية”.
كما أكد وزير النفط محسن باك نجاد أنه “لا توجد حاليا أي خطط لتغيير حصص البنزين أو أسعار الوقود المخصصة عبر البطاقات التموينية الشخصية”، موضحا أن “مسألة تعديل الأسعار أو الحصص لا تندرج ضمن صلاحيات وزارة النفط فقط، بل تُتخذ على المستوى الحكومي بمشاركة مؤسسات أخرى في النظام “.
وأضاف أن جميع القضايا المتعلقة بحوامل الطاقة، بما في ذلك البنزين، لا تزال قيد المراجعة الفنية من قبل فرق من الخبراء والمتخصصين بالتنسيق البرلمان مؤكدا أن أي قرار نهائي سيُعلن عنه للرأي العام فور اعتماده رسميا.
وصرّح علي أحمد نيا، رئيس دائرة الإعلام بحكومة بزشكيان، مجددا على حسابه في منصة إكس، موضحا أن المواطنين يحصلون على حصتين شهريتين من البنزين: 60 لترا بسعر 0.36 دولار و100 لتر بسعر 0.71 دولار، وكلاهما لا يزالان ساريين. وأكد أن أي ادعاء برفع الأسعار من قبل الحكومة “كذب”، محذرا من نشر معلومات لا أساس لها تثير قلق الناس.

وفي الختام، تعيد أزمة البنزين رسم المشهد الإيراني بكل تعقيداته؛ حكومة تبحث عن حلول اقتصادية تخفف من أعباء مليارات الدولارات، وبرلمان يسعى لحماية المواطنين من صدمات قد تهدد استقرارهم. وفي الوسط، يقف المواطن حائرا بين أنباء متضاربة ووعود متكررة، فيما يبدو الحل أقرب إلى معادلة صعبة إما الاستمرار في استنزاف الموازنة، أو المجازفة بارتفاع الأسعار الذي تدفع ثمنه الفئات الأكثر هشاشة. هذا المشهد يؤكد أن قضية البنزين ليست مجرد سلعة استهلاكية، بل ملف شديد الحساسية يختبر قدرة النظام على الموازنة بين الضرورات الاقتصادية ومتطلبات المجتمع.

