عاصفة من الانتقادات تطال عراقجي بعد لقائه مع “فوكس نيوز”

تشهد الساحة الإيرانية هذه الأيام حالة من التوتر والتجاذب السياسي المتصاعد، تعكس حجم التباينات داخل المؤسسة الحاكمة بشأن قضايا حساسة تتعلق بالسياسة الخارجية والتفاوض مع الغرب. وبينما تتشابك الملفات الإقليمية والدولية على وقع الحرب والتصعيد، تعود الانقسامات الداخلية لتطفو على السطح، كاشفة عن تصدعات في الخطاب الرسمي واختلاف في أولويات التعامل مع المرحلة.

كذلك تبدو بعض المؤسسات الإعلامية كأنها تلعب دورا يتجاوز التغطية، لتتحول إلى أدوات تصفية حسابات سياسية، تستهدف شخصيات حكومية بارزة وتثير جدلا واسعا في الرأي العام، هذه السجالات ليست جديدة، لكنها هذه المرة جاءت في سياق بالغ الحساسية، تتشابك فيه نتائج الحرب، وخيارات التفاوض، وضغوط الداخل، وصورة إيران في الخارج، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول مآلات المرحلة المقبلة، وطبيعة الخطاب الذي سيتبناه النظام الإيراني في ظل هذا الانقسام المتسارع.

هجوم شرس على عراقجي

فقد هاجم مهدي خان على، المحلل في التلفزيون الإيراني، تصريحات عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، التي أدلى بها خلال لقاءه مع قناة فوكس نيوز الأمريكية مساء الإثنين 21 يوليو/تموز 2025، حيث قال: “في خضم الحرب بين إيران وإسرائيل، نشرت مجلة وال ستريت جورنال مقالا قالت فيه إن اليوم الأول للحرب بين البلدين لم يكن يوم الجمعة 13 من يونيو/حزيران، بل بدأ فعليا يوم السبت الذي انطلقت فيه المفاوضات في مسقط، أي أن الخطة كانت هكذا منذ البداية؛ حين كان الدكتور عراقجي ورفاقه يتوجهون إلى التفاوض، كانوا في الواقع يتحركون ضمن خطة حربية كان الطرف الآخر ينفذها”.

ويتابع: “الآن، ما الذي يتفاخر به السيد عراقجي؟ كنتم على وشك التوصل إلى اتفاق تاريخي بين إيران وأميركا، وكانت إسرائيل جزءا من هذا التفاهم، لكن أنتم لم تصدقوا بعد أن أميركا خططت للحرب بالتنسيق مع إسرائيل، من الممكن أن يخدع الإنسان مرة واحدة بسبب ضعف في التحليل أو لأي سبب آخر، لكن أن يخدع للمرة الثانية في نفس الطريق، فهذا لا يعد خداعا، بل هو اختيار واع لهذا المسار”.

ويكمل خان علي: “وفي نهاية المطاف، أثناء المفاوضات، ذهبوا إلى أماكن مختلفة مثل عمان وإيطاليا وغيرها، وكان كلما ذهب عراقجي إلى مكان يكشف هناك عن كتابه حول المفاوضات، مترجما إلى العربية والإنجليزية والإيطالية، كان ينبغي أن نقرأ هذا الكتاب، فلا يحتوي على شيء غريب أو سري، بل هو تعريف كلاسيكي للتفاوض، أي أن وزير خارجيتنا، وسط خطة عسكرية حربية كان العدو ينفذها، كان منشغلا بالتدوين والترويج لكتابه في مجال العلاقات الدولية”.

ويبرر الخبير محلل التلفزيون الإيراني نبرته الحادة بقوله: “قد تعتبر هذه العبارات حادة، لكن أوروبا فعليا أظهرت عداء واضحا لإيران في هذه الحرب، لقد شاركت في الحرب ضد إيران دبلوماسيا وعسكريا ومن كل النواحي، يجب علينا أن نعلن الحرب على أوروبا، وعندما نقول ذلك، يبادر البعض إلى تحريف المعنى، قائلين أتريدون أن تطلقوا الصواريخ على أوروبا؟، لا، بل يجب أن نتخذ خطوات فعلية، يمكننا أن نقوم بإجراءات ضد المصالح الأوروبية في المنطقة، أقولها بكل وضوح، إن المفاوضات في الظروف الراهنة نتيجتها ستكون قصف طهران مجددا”.

هذا ولم يتوقف هجوم التلفاز الإيراني والمنتسبين إليه عند هذا، فقد نشرت آمنه ‌سادات ذبيح‌ بور، المحققة الصحفية في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، على صفحتها عبر منصة إكس الثلاثاء 22 يوليو/ تموز 2025، جزء من تصريحات روح الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية، في سبتمبر/أيلول 1982، موجهة الخطاب إلى عراقجي، حيث اقتبست من كلام الخميني” يجب أن تمحى إسرائيل من على وجه الأرض”.

A black background with white text

AI-generated content may be incorrect.

ولم يقتصر الهجوم على التلفزيون الإيراني فحسب، فقد هاجمت وكالة انباء فارس، المقربة للحرس الثوري، تصريحات عراقجي خلال اللقاء نفسه، معتبرة أنها رغم احتوائها على رسائل إيجابية، تضمنت خطأين استراتيجيين أضعفا الموقف الإيراني، الأول تمثل في حديث عراقجي عن الأضرار التي لحقت بمنشأة فوردو وتوقف التخصيب، ما اعتبر إقرارا مبالغا فيه بالهزيمة، ويُفهم أميركيا كتنازل مبكر يشجع على زيادة الضغط، وهو ما انعكس في تهديد ترامب المتجدد بقصف جديد.

حمله رسانه انقلابی به عراقچی

أما الخطأ الثاني، فكان تنصله من موقف إيران الرسمي تجاه ترامب ونتنياهو، حين نسب وصفهما بالمحاربين إلى جماعات متطرفة، رغم سجل الاعتداءات المباشرة من الطرفين ضد إيران، هذا الموقف، برأي وكالة الأنباء، يُضعف الردع ويظهر انقساما داخليا.

وختمت فارس بتأكيد ضرورة تمسك الدبلوماسية الإيرانية بمبدأ القوة والوضوح، محذرة من أن أي مظهر للضعف قد يؤدي إلى تصعيد في العقوبات والتهديدات، بينما يقود خطاب الردع إلى تحسين شروط التفاوض المحتملة مستقبلا.

مستشار عراقجي يدافع

على الجانب الآخر، دافع محمد حسين رنجبران، مستشار وزير الخارجية، عن عراقجي، خلال منشور نشره على حسابه الشخصي بمنصة إكس، حيث قال: “أشار قائد الثورة في خطابه الأخير إلى إمكانية اعتراض أحد المواطنين على مسؤول، وقال إننا لا نقول ألا يعبر الناس عن اعتراضهم، لكن يجب أن يكون ذلك بلغة مقبولة وبعد تحقيق واطلاع كاف  ومع ذلك، يقوم أحد المذيعين المعروفين، الذي يقدم في هيئة الإذاعة والتلفزيون بلقب أستاذ وخبير، بإهانة وزير الخارجية صراحة، وهو الذي كان حاضرا في ميدان الدبلوماسية منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، وذلك بعد أيام فقط من خطاب القائد الحكيم في دعم الجهاز الدبلوماسي وتأكيده على ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، الإهانة جاءت بلغة لا تليق إلا بأدب الأطفال في المرحلة الابتدائية”.

رنجبران» رییس گنجینه ملی آب ایران شد - ایرنا

وأضاف: “إن إهاناته واتهاماته لا تستحق الرد، تماما كما هو حال ذلك الشخص الذي اتهم الرئيس بمحاولة انقلاب خلال برنامج مباشر، أو الآخر الذي وصف إيران بأنها زريبة، أضف إلى ذلك الأخبار الملفقة المنسوبة إلى مصادر مطلعة، والتي تذكرنا بأساليب سابقة هدفت إلى تقويض المفاوضات والمفاوضين، أي جنود ميدان الدبلوماسية، نتوقع من المسؤولين عن الأمن القومي أن يضعوا حدا لهذا المسار، الذي يتعارض بوضوح مع السياسات العليا للنظام في هذه المرحلة الحساسة”.

حلقة في سلسلة الهجوم

لم تكن تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها أحد أفراد الحكومة لحديثه عن المفاوضات أو وصف الشخصيات الأمريكية، فقد هوجم الرئيس الإيراني نفسه، مسعود بزشكيان، عقب لقائه مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون في 7 يوليو/تموز 2025، والذي وصف دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، بأنه قادر على تحقيق السلام، وأن إيران لم تغلق باب المفاوضات.

مصاحبه تاکر کارلسون با مسعود پزشکیان با زیرنویس فارسی

تلك التصريحات التي وصفها التيار الأصولي بأنها إشارة ضعف من قبل إيران المنتصرة في حربها الأخيرة ضد إسرائيل، والمخالفة لتوجيهات المرشد، والتي تمجد في شخصية كترامب، والذي يعتبر مجرم يجوب عليه القصاص لأمره بقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في عام 2020، جعلت شخصيات أصولية معروفة، كالنائب البرلماني حميد رسائي، يصف بزشكيان بأنه لا يصلح إلا لحضور حفلات الشاي، بل ذهبت بالبعض الأخر للطلب من إسرائيل أن تغتال بزشكيان كما فعلت مع إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني السابق، كما جاء على لسان على رضا عاشري، عضو مجلس مدينة رشت.

A person with a beard and turban

AI-generated content may be incorrect.
رضا عاشری کیست؟ - میهن تجارت

وبين هذا وما يصفه التيار الإصلاحي بالسيطرة الواضحة على التلفزيون عن طريق تقديم شخصيات أصولية بأفكار متشددة، يبقى الرأي العام الإيراني الفاعل في حالة من التخبط، فبين ازدواجية التفاوض واستمرار الحرب والمقاومة التي تفرض نفسها على الساحة الإيرانية منذ العام 2015، وبين استهداف سرة ترامب والجلوس على طاولة المفاوضات، يبدو ان المشهد الداخلي سيظل على هذا الوضع من التناقض والتجاذب.