خريف المدافع وصيف السياسة: هل دخلت المواجهة الإيرانية الأمريكية “نفقا مجهولا”؟

كتب: الترجمان

في لحظة تاريخية حبست أنفاس العالم من بكين إلى واشنطن، وبينما كانت عقارب الساعة الزجاجية تقترب من نقطة الصفر لانقضاء مهلة الأسبوعين التي حددها وقف إطلاق النار السابق، أطلّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشال” ليعلن تمديدا “مفتوحا” وناميا لإطلاق النار مع إيران. 

هذا القرار، الذي جاء بصبغة “أحادية” وتوقيت سياسي حساس، لم ينهِ الصراع الوجودي بين الطرفين، بل نقله من مواجهة النيران المباشرة واصطدام الحديد بالحديد، إلى حرب إرادات استراتيجية معقدة تجري خلف كواليس الدبلوماسية الباكستانية، وفي الممرات الضيقة للمضائق البحرية المحاصرة. 

إننا أمام مشهد دراماتيكي يطرح تساؤلا جوهريا يتجاوز لحظة الإعلان: هل نحن أمام تهدئة حقيقية تؤسس لسلام دائم، أم أنها مجرد “استراحة محارب” تكتيكية لإعادة تموضع القوى العظمى قبل الانفجار الكبير؟

مناورة ترامب “المفتوحة”: هروب من الاستنزاف أم فخ للتفاوض الصلب؟

جاء إعلان ترامب بتمديد وقف إطلاق النار دون سقف زمني محدد ليقلب الطاولة على كافة التوقعات الاستخباراتية التي كانت ترجح استئناف القصف فور انتهاء المهلة السابقة في أبريل 2026. ورغم لغته التصعيدية المعتادة وادعاءاته بشأن “تزلزل” البنية السياسية في طهران نتيجة الضغوط، إلا أن القراءات المتأنية في مراكز الأبحاث الغربية رأت في هذا التمديد تراجعا اضطراريا مغلفا برداء القوة. 

ترامب، الذي هدد قبل ساعات قليلة من الإعلان بشن هجمات مدمرة، وجد نفسه أمام واقع ميداني صلب وتداعيات اقتصادية مرعبة؛ حيث قفزت أسعار نفط برنت إلى عتبة الـ 100 دولار للبرميل بمجرد التلويح بالعودة للقتال، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة الوعود الانتخابية التي قطعها بحماية استقرار الأسواق العالمية.

هذا التمديد لا يمثل تنازلا أمريكيا بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو محاولة واعية للخروج من مأزق “حرب الاستنزاف” التي لا يملك البيت الأبيض ضمانات بحسمها سريعا. ترامب يراهن الآن على استراتيجية الحصار البحري الخانق كبديل للحملات الجوية المكلفة والمحفوفة بالمخاطر، آملا أن يؤدي عزل الموانئ الإيرانية عن شريان التجارة العالمي إلى إرغام صانع القرار في طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لتقديم “مقترح موحد” بشروط واشنطن. 

لكن هذا الرهان الأمريكي يصطدم بحقيقة أن طهران ترفض الاعتراف بشرعية هذا التمديد أو مخرجاته ما لم يرتبط برفع الحصار البحري فورا، حيث تعتبر المؤسسة العسكرية الإيرانية أن بقاء الأساطيل الأمريكية في محيط موانئها الجنوبية هو فعل حربي مستمر وقائم، حتى وإن سكتت مدافع الطائرات والصواريخ بشكل مؤقت.

Image

الدبلوماسية الباكستانية: خيوط الوساطة في مهب التجاذبات الإقليمية

في قلب هذا المشهد المتفجر، برزت إسلام آباد كلاعب محوري وقناة اتصال وحيدة متبقية في “غرفة العمليات الدبلوماسية”. التمديد الأمريكي لم يكن ليحدث لولا الطلبات المباشرة والمكثفة التي تقدم بها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف، اللذان يدركان أن أي انفجار شامل في الجوار الإيراني سيؤدي إلى زلزال أمني واقتصادي لا تستطيع باكستان تحمله. 

ومع ذلك، فإن هذه الوساطة تواجه تحديات بنيوية؛ فبينما كانت إسلام آباد تستعد لاستضافة جولة ثانية حاسمة، جاء قرار البيت الأبيض بتعليق زيارة “جي دي فانس”، نائب الرئيس الأمريكي، ليوجه ضربة معنوية لجهود الوساطة، مشيرا إلى فجوة عميقة في الثقة بين واشنطن وطهران تمنع الجلوس المباشر في الوقت الراهن.

الموقف الإيراني الرسمي، الذي صاغه المتحدث باسم الخارجية “إسماعيل بقائي”، وضع النقاط على الحروف بوضوح استراتيجي؛ فطهران لا ترفض الدبلوماسية كمبدأ، بل تعتبرها “أداة لتأمين المصالح الوطنية”، لكنها تربط أي انخراط فعلي بتحقيق نتائج ملموسة تنهي ما تصفه بـ “الحرب المفروضة”. 

السكوت الذي خيّم على الدوائر السياسية في طهران عقب إعلان ترامب لم يكن ضعفا، بل كان انعكاسا لريبة عميقة في النوايا الأمريكية. هناك قناعة متزايدة في أروقة القرار الإيراني بأن هذا التمديد قد يكون “توطئة لغدر” أو محاولة لشراء الوقت الكافي لاستكمال الحشود العسكرية الأمريكية في القواعد المجاورة، خاصة مع رصد تحركات مكثفة لطائرات التزويد بالوقود العملاقة، وهو ما يدفع طهران لإبقاء خيار “المبادرة العسكرية” مطروحاً بقوة على الطاولة.

Image

الجدل الداخلي في إيران: بين “الفرصة العقلانية” ومخاوف “الخداع الاستراتيجي”

خلف الجبهة العسكرية، يموج الداخل الإيراني بنقاشات حادة حول كيفية التعاطي مع مبادرة ترامب الأحادية. شخصيات مثل الصحفي والمحلل السياسي أحمد زيد آبادي تدعو إلى النظر للتمديد كـ “فرصة تاريخية” يجب استغلالها بوعي وشجاعة وطنية لإدارة الأزمة بعيدا عن منطق الانفعال، مؤكدا أن حماية الوطن تتطلب شرح صدر وحوارا وطنيا شاملا. 

وفي ذات السياق، يشير السياسي البارز علي مطهري إلى أن وقف إطلاق النار وفر لإيران مساحة لالتقاط الأنفاس ومنع وقوع صدام قد لا تخدم توقيتاته المصالح العليا للدولة في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الإقليم.

على المفهوم المقابل، تتبنى النخب القريبة من المؤسسة الدفاعية والبرلمان خطابا يحذر من الوقوع في “فخ الخداع”. صحيفة “تسنيم” وناشطون مثل مهدي محمدي يرون أن ترامب لم يلجأ للتمديد حبا في السلام، بل لأنه “فشل ميدانيا” واصطدم بحائط الصد الإيراني. 

هناك تخوف حقيقي من أن واشنطن تريد إخراج نفسها من دائرة الاستهداف المباشر، مع ترك “إسرائيل” لتمارس دورها في توجيه ضربات أمنية واغتيالات تحت غطاء “خرق التفاهمات”، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلا، مؤكدة أن أي عدوان إسرائيلي سيعامل كعدوان أمريكي مباشر، وأن زمن “الحروب بالوكالة” التي لا تدفع فيها واشنطن الثمن قد ولى إلى غير رجعة.

Image

تحليل التوازنات الإقليمية: إسرائيل كخاسر “أكبر” من التهدئة الهشة

لا يمكن قراءة مشهد التمديد دون النظر إلى تل أبيب، التي تبدو “الخاسر الأكبر” من أي هدوء، حتى وإن كان مؤقتا. الحكومة الإسرائيلية، التي تراهن على جر الولايات المتحدة إلى صراع مباشر وشامل يفكك القدرات الاستراتيجية الإيرانية، ترى في تمديد ترامب “طعنة في الظهر” لمخططاتها التوسعية. 

هناك مخاوف حقيقية في طهران من أن تقوم إسرائيل بعمل “استفزازي” يكسر صمت المدافع، بهدف إحراج الإدارة الأمريكية وإجبارها على العودة إلى مربع القصف الجوي. هذا القلق الإيراني مبرر تماما بالنظر إلى تاريخ العمليات النوعية والاغتيالات التي طالت رموز الدولة، وهو ما دفع القيادات العسكرية الإيرانية للتأكيد على أن أي تحرك إسرائيلي سيواجه برد “ساحق” يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية للصراع.

في الوقت نفسه، تنظر دول المنطقة بعيون يملأها القلق والرجاء؛ فاستمرار وقف إطلاق النار يعني استعادة الأنفاس للاقتصادات الإقليمية التي تضررت بشدة من اضطراب أسعار النفط وتوقف سلاسل الإمداد. 

لكن الجميع يدرك أن هذا الهدوء هو هدوء “فوق بركان”؛ فالمطالب الإيرانية برفع الحصار والمطالب الأمريكية بتغيير السلوك الإيراني هي خطوط متوازية لا تلتقي، مما يجعل من تمديد ترامب مجرد “ضمادة” مؤقتة على جرح عميق يحتاج إلى جراحة سياسية كبرى لا يبدو أن أي من الطرفين مستعد لإجرائها الآن.

Image

سيناريوهات المستقبل: هل ننتظر الانفجار المؤجل أم التسوية الكبرى؟

بالنظر إلى الحشود اللوجستية التي لا تزال تتدفق إلى المنطقة، بما فيها طائرات التزويد بالوقود والقطع البحرية الهجومية، يظل سيناريو “العملية البرية” أو الضربات الجوية الجراحية قائما في الأدراج الأمريكية كخيار أخير إذا فشل الحصار في تحقيق أهدافه. 

واشنطن قد تستخدم فترة التمديد لاستكمال تفوقها النوعي، بينما تستخدمها طهران لتعزيز دفاعاتها الساحلية وتطوير تكتيكات “حرب العصابات البحرية” التي تتقنها في مياه الخليج.

إننا نقف الآن أمام مسارين لا ثالث لهما: الأول هو نجاح الضغط الباكستاني والدولي في تحويل هذا الوقف الهش لإطلاق النار إلى “صفقة صامتة” تتضمن تخفيفا متبادلا للحصار (فتح الموانئ الإيرانية مقابل ضمان تدفق النفط عبر هرمز) والبدء في مفاوضات تقنية معمقة. 

أما المسار الثاني، فهو وقوع “شرارة” غير محسوبة في الميدان تؤدي إلى انهيار منظومة التهدئة ودخول المنطقة في  نفق مجهول من الصراع الشامل الذي سيغير خارطة الشرق الأوسط السياسية والجغرافية للأبد. الأكيد في كل هذا، أن زمن “الغموض الاستراتيجي” قد بدأ ينفد، وأن العالم ينتظر الآن ليرى من سيقوم بالخطوة الأولى نحو السلام أو نحو حافة الهاوية.