انفجار ميناء الشهيد رجائي يورّط 21 مؤسسة و4 وزارات ويهز الاقتصاد الإيراني

في ليلة من ليالي أبريل/نيسان الهادئة، تحول ميناء الشهيد رجائي في بندر عباس، جنوب إيران، إلى جهنم مشتعلة. كان اليوم 26 أبريل/نيسان 2025، حين اندلعت شرارة صغيرة من رافعة شوكية، لتتحول إلى انفجار هائل يهز الأرض ويبعثر الحاويات كأنها أوراق خريف، مواد كيميائية خطرة، مثل بيركلورات الصوديوم المستخدمة في وقود الصواريخ كانت مخزنة بطريقة عشوائية، فانفجرت كقنبلة موقوتة، مخلفة وراءها سحابة سامة تغطي السماء وتخنق الأنفاس، هذه ليست مجرد حادثة؛ إنها قصة إهمال متراكم، حيث تجاهلت الجهات المسؤولة التحذيرات السابقة، مفضلة السرعة الاقتصادية على سلامة الأرواح. 

اليوم، بعد أشهر من التحقيقات، تكشف التقارير عن شبكة معقدة من الأخطاء، مع إدانة 21 جهة في 92 مؤشرا للتقصير، وسط خسائر مالية تقدر بين 3 إلى 5 مليارات دولار، تهدد بتعطيل سلاسل التوريد العالمية وتعميق الأزمة الاقتصادية في إيران.

صرح رئيس السلطة القضائية، محسني إجئي، بأن تقارير الخبراء أثبتت تورط عدد من المنظمات والكيانات، سواء أفراد أو مؤسسات قانونية، في حادثة ميناء الشهيد رجائي، مؤكدا ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذا الحادث بكل حزم، وأشار إجئي إلى أن الأشهر الأربعة الماضية شهدت تقدما ملحوظا في التحقيقات المتعلقة بالانفجار، داعيا المركز الإعلامي إلى مواصلة جهوده لضمان نشر معلومات دقيقة وشفافة حول الإجراءات المتخذة.

وأضاف أن الحكومة والسلطات المعنية بذلت جهودا جديرة بالتقدير لدعم الضحايا والمصابين جراء الحادث الأليم، حيث تم تسديد جزء كبير من التعويضات المستحقة، فيما يجري العمل على استكمال الباقي، وأكد رئيس المحكمة العليا: “لقد اتخذت الحكومة والمسؤولون إجراءاتٍ فعّالة للضحايا والمصابين في هذا الحادث. وقد سُدّد جزءٌ كبيرٌ من التعويضات، أو يُدفع حاليا”.

هذا الانفجار لم يكن مجرد حدث عابر؛ بل كشف عن ثغرات في نظام السلامة الإيراني، حيث أدى إلى مقتل 58 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 1500 آخرين بجروح وحروق متفاوتة الشدة، وضمن ذلك حالات حرجة استدعت نقل المصابين إلى مستشفيات في طهران، الغازات السامة المنبعثة أجبرت السكان المجاورين على الإجلاء، مخلفة أثرا بيئيا طويل الأمد، مع تلوث مياه الخليج الفارسي وتهديد للحياة البحرية، وسط الدخان الكثيف، اندفع رجال الإطفاء والإغاثة، محاولين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الدمار كان شاملا: تدمير آلاف الحاويات، وتعطيل عمليات التصدير والاستيراد في أكبر ميناء إيراني يتعامل مع 80 مليون طن من البضائع سنويا.

الاستجابة السريعة

فور وقوع الكارثة، سارعت السلطات الإيرانية إلى التحرك. أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي، رسالة تعزية مؤثرة لأسر الضحايا، مصحوبة بأوامر صارمة للمسؤولين الأمنيين والقضائيين بفتح تحقيق فوري لكشف أي إهمال أو قصد جنائي، “هذا الحادث المرير يجب ألا يتكرر، وسيتم محاسبة كل من أهمل في واجبه”، قال خامنئي في بيانه، الذي أثار موجة من الدعم الشعبي والغضب في آن واحد، وصلت فرق الإغاثة من الهلال الأحمر والجيش، مدعومة بمساعدات دولية محدودة، بما في ذلك عرض روسي للمساعدة في إزالة الآثار، كما أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأضاف رئيس السلطة القضائية محسني إيجئي: “بموجب تقرير الخبراء فإن المؤسسات والأفراد أدينوا في هذا الصدد، وبطبيعة الحال فإن هذه القضية يجب أن تأخذ مجراها، ولكن إذا تم الانتهاء من القضية فإن خطأ المذنبين سيتم بالتأكيد التحقيق فيه، وسيتم التحقيق مع أولئك الذين كانوا مهملين أيضا في حدود قدراتهم”.

في تصريح يعكس عمق الاهتمام بالإجراءات القانونية والقضائية المتعلقة بحادث انفجار ميناء الشهيد رجائي، أكد رئيس السلطة القضائية أن الحادث كان “مؤلما ومفجعا بكل المقاييس”، وأوضح أنه خلال الأشهر الأربعة الماضية، شهدت القضية تقدما ملحوظا عبر سلسلة من الإجراءات الفعّالة، شملت إدارة الأزمات الميدانية بكفاءة، وإعادة تفعيل عمليات الميناء إلى جانب تشكيل ملفات قضائية ومتابعتها بدقة، كما تم تقديم خدمات شاملة لأسر الضحايا والمفقودين، وتعويض المتضررين جسديا وماديا، وضمن ذلك تعويضات الأضرار التي لحقت بالمركبات المؤمنة وغير المؤمنة، فضلا عن دعم رجال الأعمال والناشطين الاقتصاديين المتضررين، في خطوات تهدف إلى تخفيف وطأة هذا الحادث الأليم واستعادة الحياة الطبيعية.

وأعرب رئيس السلطة القضائية عن بالغ تعازيه لأسر ضحايا انفجار ميناء الشهيد رجائي، مؤكدا أن “لا تعويض يمكن أن يخفف من وطأة هذا المصاب الجلل على قلوب ذوي الضحايا”، وشدد على ضرورة بذل الجهات المعنية قصارى جهدها لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المؤلمة، في سياق متصل، أكملت الجهات المختصة صرف الدية لأسر الضحايا الـ58 الذين فقدوا حياتهم في الحادث، وقد تم إيداع الدية لـ55 من المتوفين في حسابات ذويهم، بينما يجري حاليا استكمال إجراءات دفع الدية لثلاثة آخرين بانتظار استلام الوثائق المطلوبة، وإلى جانب الدية، تم تقديم دعم إضافي لعائلات الضحايا لمواساتهم في هذا الظرف العصيب.

في غضون أيام، شكلت السلطة القضائية في محافظة هرمزغان فرقا متخصصة، تضم خبراء في الكيمياء، الهندسة، والسلامة البيئية، عقد اجتماع حاسم في 8 سبتمبر/أيلول 2025، حيث أعلن رئيس السلطة القضائية عن تقدم التحقيقات: “رغم الألم الذي أصابنا، تمكنا خلال الأشهر الأربعة الماضية من إدارة الأزمة ميدانيا، وإعادة تنشيط الميناء جزئيا، مع تقديم تعويضات للأسر والمصابين”.

قال إيجئي إن التعويضات شملت الأضرار الجسدية، المالية، وحتى الخسائر الاقتصادية للتجار ومع ذلك، أقر بأن “الطريق لا يزال طويلا”.

وأشار إلى مقاضاة العديد من الأشخاص والجهات، مع التركيز على الإهمال كسبب رئيسي، لا التخريب الخارجي كما ترددت شائعات أولية حول تورط إسرائيلي، والتي نفاها المسؤولون الإيرانيون بشدة.

تقرير الخبراء يكشف 92 مؤشرا للإدانة

بعد أكثر من أربعة أشهر من الجهود الشاقة، أصدرت لجنة الخبراء تقريرا مفصلا يتكون من 8 أقسام و45 صفحة، بناء على إخطار صادر في 10 يونيو/حزيران 2025، عيّنت اللجنة 5 خبراء رسميين في مجالات ذات صلة، قاموا بزيارات ميدانية لمدة 6 أيام (240 ساعة عمل)، إضافة إلى مقابلات مع المعنيين وعقد 28 اجتماعا (1260 ساعة إجمالية)، تم مراجعة 4500 صفحة من الوثائق، تسجيلات كاميرات المراقبة، ولقطات جوية، ليخلص التقرير إلى إدانة 21 جهة مسؤولة في 92 مؤشرا للتقصير.

Image

من أبرز العوامل المساهمة: التخزين غير السليم للمواد الخطرة لفترات طويلة، ضعف التنسيق بين الجهات، وتفضيل الاعتبارات الاقتصادية على السلامة، كما أبرز التقرير عدم الامتثال لمعايير القرب بين المواد الكيميائية، غياب الإشراف الفعال، تجاهل التحذيرات السابقة، وعدم تنفيذ نظام تتبع إلكتروني للبضائع، أدى ذلك كله إلى تخزين كميات هائلة في ظروف غير آمنة، مع تأخير في التخليص الجمركي بعد المواعيد القانونية، وانتهاك المعايير الدولية للتخزين، وفقا لرئيس الهلال الأحمر الإيراني، كانت الشرارة الأولى من رافعة شوكية، لكن الإهمال هو الجاني الحقيقي.

خطوات نحو العدالة

في قلب التقرير، تحديد الجناة على مستويات متعددة: من المسؤولين الميدانيين إلى الجهات التنظيمية، تمت إدانة 21 كيانا، وضمن ذلك إدارات الموانئ، الجمارك، وشركات الشحن، في 92 مؤشرا تشمل ضعف الرقابة البيئية، عدم فحص البضائع، وتجاهل تقارير السلامة “هذه ليست مجرد أخطاء؛ إنها جرائم ضد الشعب”.

يقول مراقبون، وسط دعوات لمحاسبة صارمة، وفقا لقانون الإجراءات الجنائية الإيراني، بعد تقديم الرأي الخبيري، يُبلغ الجناة، ويمكن إحالة الاعتراضات إلى لجنة من سبعة أعضاء أو أكثر، إذا رفضت الاعتراضات، يصدر قرار موضوعي، مع ضمان محاكمة عادلة حتى الآن، تم مقاضاة العديد، ويُتوقع إعلان أحكام قريبا.

التوصيات:

يختتم التقرير بتوصيات حاسمة: مراجعة الأنظمة الدولية للتخزين، تعزيز الرقابة المستقلة، وإنشاء ثقافة سلامة استباقية، يدعو إلى تفعيل أنظمة تتبع إلكترونية، تدريبات دورية، وجدول زمني لتخليص المواد الحساسة. 

Image

كما يؤكد ضرورة التعاون الدولي لمنع تكرار مثل هذه الكوارث، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

في النهاية، كارثة ميناء الشهيد رجائي ليست نهاية، بل بداية لإصلاح جذري، وسط الدمار، تبرز قصص بطولة من عمال الإنقاذ والحماية المدنية الذين حفروا بأيديهم لإنقاذ الأرواح، تذكرنا بأن الإنسانية تتجاوز الأخطاء، لكن السؤال يبقى: هل ستتعلم إيران الدرس، أم ستتكرر المأساة؟