هل يمكن للحصار البحري وإغلاق مضيق هرمز أن يقطعا شريان النفط الإيراني بالكامل؟

كتب: الترجمان

في الأشهر الأخيرة، حظي تصاعد التوترات في منطقة الخليج العربي وفرض الحصار البحري باهتمام واسع من الأوساط الاقتصادية والسياسية العالمية. وقد تسبب إغلاق مضيق هرمز والقيود المفروضة على الملاحة البحرية في انخفاض حاد في إنتاج النفط لدول الخليج خلال شهر أبريل/نيسان 2026، بنحو 10.5 مليون برميل (ما يعادل 42%). 

وفي خضم ذلك، برزت تهديدات وادعاءات من مسؤولين غربيين، لا سيما دونالد ترامب، تزعم أن الحصار البحري كفيل بخفض إنتاج النفط الإيراني إلى الصفر، بل ويؤدي إلى تدمير سريع لآبار النفط في البلاد. ومع ذلك، فإن البيانات الرسمية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) وتحليلات الخبراء الدوليين ترسم صورة مغايرة تماما، تظهر أن الهيكلية الجيوسياسية، والفنية، والداخلية لصناعة النفط الإيرانية تشكل عائقاً كبيراً أمام تحقق هذه الادعاءات.

إحصائيات متناقضة؛ عدم تطابق الادعاءات مع البيانات الدولية

يظهر فحص البيانات المنشورة من قبل إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أنه خلافا للمزايدات السياسية، فإن حجم انخفاض إنتاج النفط الإيراني في ذروة الأزمة والحصار كان محدودا للغاية.  فقد انخفض إنتاج النفط الإيراني في شهر مارس/آذار بنحو 130 ألف برميل، وفي شهر أبريل/نيسان بنحو 230 ألف برميل يوميا، وهو ما يمثل أقل من 10% من إجمالي القدرة الإنتاجية للنفط الإيراني. 

هذا النجاح النسبي في الحفاظ على تدفق الإنتاج دحض الادعاءات القائلة بأن الحصار البحري يمكنه شل صناعة النفط الإيرانية على المدى القصير. ويرى الخبراء أن الجغرافيا الخاصة لإيران وديناميكيات السوق تحول دون فرض حصار تجاري كامل، كما أن طهران اكتسبت سابقا خبرة واسعة في إدارة الإنتاج تحت وطأة أشد العقوبات.

ويرى العديد من المحللين الدوليين البارزين أن استراتيجية واشنطن لتدمير بنية الطاقة التحتية في إيران عبر الحصار البحري محكوم عليها بالفشل مسبقا. ويؤكد غريغوري برو, كبير محللي الطاقة في مجموعة أوراسيا، أن الحصار البحري لن يلحق ضررا هيكليا جسيما بهذا القطاع، مشيرا إلى أن إيران، نظرا لسنوات مواجهتها للضغوط والعقوبات، قد طورت آليات مرونة عالية تمكنها من إدارة مستويات إنتاجها بسهولة. 

ومن ناحية أخرى، فإن الطبوغرافيا الواسعة والحدود البرية الممتدة لإيران تجعل من المستحيل عزلها بالكامل، وتتوفر دائماً مسارات موازية لتدفق الطاقة.

Image

طبيعة الآبار الهرمة والتغيرات الديناميكية لضغط المكامن

تعتمد صناعة النفط الإيرانية في معظم طاقتها الإنتاجية على حقول كبرى مضى على استغلالها عقود طويلة. وتؤمن حقول معروفة مثل الأهواز، ومارون، وكجساران، وآغا جاري، ومسجد سليمان – والتي يعود تاريخ تشغيل بعضها إلى منتصف القرن الماضي – أكثر من 70% من إجمالي النفط الإيراني. 

ولم تعد هذه المكامن في مرحلة الشباب والضغط العالي، بل إن دخولها النصف الثاني من عمرها الافتراضي يعني مواجهتها لانخفاض الضغط الطبيعي، وزيادة إنتاج المياه، وتهالك المعدات. وفي حال التوقف المفاجئ للإنتاج بسبب الحصار، فإن إعادة هذه الآبار القديمة إلى الخدمة ستكون عملية معقدة للغاية، ومكلفة، وتتطلب معرفة فنية عالية، على الرغم من أن القدرات الفنية اللازمة لهذه الصيانة قد جرى توطينها داخل البلاد.

وخلافا للتصور العام الذي يرى أن توقف إنتاج النفط هو مجرد عملية بسيطة تشبه إغلاق صمام المياه، فإن هندسة مكامن النفط تعد علماً معقدا يعتمد على التوازن الدقيق للسوائل في أعماق الأرض. يتدفق النفط عبر المسام المجهرية لصخور المكمن، ويحافظ التدفق المستمر على هذا التوازن. 

ومع التوقف طويل الأمد للإنتاج، يعاد توزيع الضغط داخل الطبقات الجوفية، مما يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه أسفل المكمن أو اندفاع الغازات العلوية نحو البئر. ونتيجة لذلك، عندما يعاد تشغيل البئر بعد فترة توقف، قد تزداد نسبة المياه المصاحبة للنفط بشكل حاد، وفي حالات نادرة، قد يتحول بئر نفطي عالي الجودة عمليا إلى بئر مياه، مما يتطلب إدارة معقدة للمكمن لمعالجة الوضع.

Image

المخاطر الفنية للتوقف الطويل: الترسبات والتآكل الكيميائي

تعتبر مشكلة ترسب المركبات النفطية الثقيلة إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه الآبار الإيرانية في حال انخفاض سرعة التدفق أو التوقف الكامل. فالنفط الخام في العديد من هذه الحقول يحتوي على نسب عالية من الأسفلتين والبارافين، وهي مواد تتحرك في الظروف العادية مع تدفق النفط، لكنها تميل مع ركود السائل إلى الانفصال والترسب على جدران أنابيب الإنتاج والمعدات السطحية ومسام صخور المكمن. 

ومع مرور الوقت، تزداد سماكة هذه الطبقات لتضيق مسار السائل، مما يعيق صعود النفط بكفاءة عند إعادة فتح البئر. ويتطلب تطهير هذه الرواسب عمليات فنية معقدة مثل المعالجة بالأحماض (الأسيد)، والغسيل بمذيبات خاصة، وعمليات الإصلاح داخل البئر (Workover)، وتتراوح تكلفة هذه العمليات بين 500 ألف إلى 5 ملايين دولار للبئر الواحد بحسب عمقه وحالته.

يتسبب توقف تدفق السوائل أيضا في تعرض الآبار وأنابيب النقل لخطر كبير آخر وهو التآكل الكيميائي. فعادة ما يحتوي السائل داخل الآبار الإيرانية على مزيج من المياه المالحة، وثاني أكسيد الكربون، وغاز كبريتيد الهيدروجين الحمضي السام. وأثناء الإنتاج، تكون هذه المواد متحركة وتسبب ضررا أقل، لكن تجمعها الثابت في البئر لفترات طويلة يسرع بشكل كبير من عمليات الصدأ والتآكل الموضعي للمعادن.

ويمكن أن تؤدي هذه الظاهرة إلى إحداث ثقوب دقيقة في جدران الأنابيب وتسرب النفط إلى الطبقات المحيطة، مما يجبر المهندسين في الحالات الحرجة على استبدال الأنابيب بالكامل أو حتى حفر فرع جانبي جديد للبئر للوصول إلى جزء سليم من المكمن.

ويواجه تراجع استخراج النفط من الحقول القديمة في الجنوب الغربي تحديات جديدة تتعلق بعملية صيانة المكامن. ففي صناعة النفط الإيرانية، يتم استخدام طريقة حقن الغاز الطبيعي أو الغازات المصاحبة للتعويض عن انخفاض الضغط الطبيعي ودفع النفط نحو الآبار، حيث يعمل هذا الغاز المحقون كمضخة طبيعية في أعماق الأرض.

وفي ظروف الحصار، تصبح الإدارة الدقيقة لموارد الغاز والموازنة بين الاستهلاك المنزلي، والصناعات، والحقن في الحقول النفطية، أداة استراتيجية للحفاظ على الهيكل الحيوي للمكامن النفطية في البلاد، مما يمنع حدوث أضرار دائمة للقدرة الإنتاجية.

Image

دور الاستهلاك الداخلي والمصنعي كحائط صد لحماية الآبار

يعد حجم الاستهلاك الداخلي المرتفع أحد الأسباب الرئيسية التي تمنع التوقف الكامل لإنتاج النفط الإيراني تحت وطأة الحصار البحري الكامل. وتستهلك المصافي المحلية ما بين 1.7 إلى 2 مليون برميل يوميا من النفط الخام لتأمين الوقود والمشتقات النفطية للمجتمع. 

هذا الطلب الداخلي المستقر يعني أنه حتى في حالة تصفير الصادرات البحرية بالكامل، يجب أن يظل أكثر من نصف القدرة الإنتاجية للبلاد نشطاً. ويساعد الحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج المهندسين في الحفاظ على توازن ضغط المكامن، ويمنع الأضرار الجسيمة الناتجة عن الترسبات الشديدة والتآكل الواسع في الآبار الرئيسية.

ممرات الشمال والبدائل اللوجستية البرية عبر روسيا

مع اشتداد الحصار في الجنوب ومضيق هرمز, تتجه الأنظار أكثر من أي وقت مضى نحو الحدود الشمالية وتطوير العلاقات مع مسكوك. ويُطرح ممر النقل الدولي شمال-جنوب (INSTC) عبر موانئ بحر قزوين مثل أنزلي والربط بموانئ روسيا مثل أستراخان ومحج قلعة كمسار بديل. 

وتظهر الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين طهران وموسكو ونمو التجارة الثنائية بنسبة 16% في السنوات الأخيرة (لتصل إلى 4.8 مليار دولار في عام 2024) عزم الطرفين على الالتفاف على النظام المالي الغربي. ومع ذلك، يرى محللون مثل مهدي قدسي أنه بسبب تشابه الهيكل الاقتصادي للبلدين وإنتاجهما لسلع متماثلة، فإن هذا المسار لا يمكنه على المدى الطويل التعويض بالكامل عن الحجم الضخم للتجارة البحرية الجنوبية.

وتظهر الحقائق الاقتصادية أن استبدال الطرق التقليدية في الخليج بالمسارات السككية والبرية الشمالية يعد عملية مستهلكة للوقت ومكلفة للغاية. ويشير المؤرخ الاقتصادي آدم غريمشاو إلى أن التجارة البحرية تظل دائما الوسيلة الأكثر كفاءة واقتصادية لنقل البضائع بكميات ضخمة. 

وبما أن حوالي 90% من التجارة الدولية لإيران تعتمد على الطرق البحرية الجنوبية، فإن أي تغيير للمسار نحو البر سيرفع التكلفة النهائية للسلع على المستهلك، ويواجه تباطؤاً بسبب غياب بعض الوصلات السككية الرئيسية مثل خط رشت-أستارا. بالإضافة إلى ذلك، يعاني الاقتصاد الروسي نفسه من ضغوط ثقيلة ناتجة عن حرب أوكرانيا، ولا يملك القدرة على القيام باستثمارات ضخمة وفورية في البنية التحتية لإيران.

Image

استمرار الإنتاج في ظل المرونة والأسعار العالمية

على الرغم من أن استمرار الحصار البحري يزيد من التحديات اللوجستية وتكاليف صيانة الآبار، إلا أنه لن يكون قادرا على إيقاف إنتاج النفط الإيراني بالكامل. إن وجود سوق استهلاك داخلي يصل إلى مليوني برميل، والقدرة الفنية المحلية في إدارة المكامن القديمة، وحلول الدفاع غير العسكري في قطاع النفط، كلها عوامل تضمن بقاء هذا القطاع.

ومن جهة أخرى، وكما يشير بعض الخبراء الدوليين، فإن غياب النفط الإيراني أو عدم الاستقرار في الخليج سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية؛ وهي ظاهرة تصب في النهاية في مصلحة العائدات الإيرانية عبر منافذ البيع غير المحصورة، فضلاً عن تعزيز مبيعات روسيا، مما يخلق حوافز اقتصادية قوية دولياً لكسر أو الالتفاف على أي حصار بحري.