- زاد إيران - المحرر
- 435 Views
في خضم التوترات المتصاعدة إقليميا ودوليا، يعود النقاش داخل إيران حول جوهر استراتيجيتها الدفاعية ليحتل صدارة المشهد، خاصة ما يتعلق بالملف النووي الذي يمثل أحد أكثر القضايا حساسية وتشابكا، فبين التمسك بالفتوى الدينية التي تحرم السلاح النووي، وبين ضغوط الداخل وتهديدات الخارج التي تدفع نحو مراجعة العقيدة، تجد طهران نفسها أمام معادلة معقدة. هذا الجدل يعكس صراعا أوسع بين الثوابت العقائدية ومتطلبات الردع في بيئة إقليمية لا تعرف الاستقرار، وهو ما يجعل مستقبل العقيدة النووية الإيرانية موضع تساؤل دائم واحتمالات مفتوحة.
النواب: يجب إعادة النظر في العقيدة النووية
تقدم أكثر من 70 نائبا في البرلمان الإيراني، الإثنين 22 سبتمبر/أيلول 2025، برسالة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي ورؤساء السلطات الثلاث أكدوا فيها على ضرورة إعادة النظر في العقيدة الدفاعية لإيران، مشيرين إلى أن استخدام السلاح النووي هو ما يندرج ضمن حرمة فتوى قائد الثورة، على خامنئي، الصادرة عام 2010 بينما مسألة تصنيعه وتخزينه كوسيلة ردع هو موضوع آخر، كما أكدوا أن الفتوى قد جاءت في وقت كانت فيه المؤسسات الدولية والدول الغربية قادرة على ممارسة قدر من السيطرة على الكيان الصهيوني، أما اليوم وقد بلغ هذا الكيان حد الجنون في اعتداءاته، فإن صناعة السلاح النووي وامتلاكه للردع أمر مختلف.

وقد ورد بالرسالة: “كما هو معلوم، فإن تغير الموضوع والظروف في فقه الإمامية يؤدي إلى تغير الحكم، كما أن مصلحة حفظ الإسلام العزيز، المرتبطة اليوم بحفظ نظام الجمهورية، تعد من الواجبات الكبرى التي يمكن أن تجعل من حكم الحرمة الأولي حكما ثانويا بالجواز، وبناء على ذلك، فإننا نحن نواب الشعب في البرلمان نطالب، بضرورة مراجعة العقيدة الدفاعية للجمهورية الإسلامية من أجل تحقيق الردع في عالم لا يلتزم فيه معسكر الاستكبار بأي قانون أو تعهد، إن استخدام السلاح النووي يظل مصداقا للحرمة في فتوى القائد، غير أن تصنيع هذا السلاح وحيازته كوسيلة ردع أمر مختلف، وعليه، نرجو من المجلس الموقر أن يطرح هذا الموضوع على وجه السرعة، وأن ترفع نتائجه الفنية إلى البرلمان بعد مصادقة قائد الثورة”.
جدير بالذكر أن المرشد الإيراني، على خامنئي، كان قد تناول مسألة التخصيب في رسالته التي وجهها للشعب الثلاثاء 23 سبتمبر/أيلول 2025، حيث صرح: “لقد حرمنا طويلا من تكنولوجيا التخصيب، لكن بجهود علماءنا ومديرينا الأكفاء منذ أكثر من ثلاثين عاما، بلغنا اليوم مستوى عال، نحن واحدة من عشر دول فقط في العالم قادرة على تخصيب اليورانيوم، الفرق أن الدول التسع الأخرى تملك سلاحا نوويا، أما نحن فلا ولن نمتلك، لأننا لا نحتاج إليه، بل نخصب حتى نسبة ستين بالمئة لأغراض سلمية”.

وذكر أنه “رغم قصف العدو لبعض منشآتنا، فإن العلم لا يمحى بالقنابل، اليوم في إيران عشرات العلماء البارزين، ومئات الباحثين، وآلاف المتدربين يعملون في المجالات النووية المختلفة، ومنها الطب والصناعة والزراعة، لكن أمريكا تريد حرماننا تماما من التخصيب، أي محو كل هذه الجهود والإنجازات والتضحيات، وهذا أمر لا يمكن لشعب كالشعب الإيراني أن يقبله”.
هل تتجه إيران إلى تغيير عقيدتها النووية؟
لم تكن تلك المرة الأولى التي يثار فيها الحديث عن تغيير العقيدة النووية الإيرانية، ولكن، وبالنظر إلى الأوضاع الحالية التي يشهدها الشرق الأوسط، وتصريحات المرشد الأعلى، قد تكتسب أهمية أكبر، ولكن ما هي العقيدة الدفاعية والنووية الإيرانية في الأساس؟
تقوم العقيدة النووية الإيرانية الحالية على مبدأ أساسي، وهو رفض إنتاج أو استخدام السلاح النووي باعتباره مخالفا للفتوى الدينية التي أصدرها المرشد الأعلى علي خامنئي، والتي تحرم حيازة أو تصنيع أو استخدام هذا النوع من الأسلحة، هذه الفتوى تمثل حجر الزاوية في الخطاب الرسمي الإيراني، حيث تحاول طهران من خلالها أن تثبت للمجتمع الدولي أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط، مثل إنتاج الطاقة وتطوير مجالات الطب والصناعة.

إلى جانب البعد الديني، تستند هذه العقيدة إلى اعتبارات سياسية وأمنية، فلطالما اعتبرت إيران أن امتلاك السلاح النووي قد يدفع المنطقة إلى سباق تسلح خطير، ما يعرضها هي نفسها لضغوط وعقوبات دولية أوسع. لهذا السبب، تركز طهران على تقديم نفسها كقوة إقليمية ملتزمة بالمعاهدات الدولية، مثل معاهدة حظر الانتشار النووي، التي وقعت عليها منذ سنوات طويلة.
مع ذلك، فإن العقيدة النووية الإيرانية لا تعني التخلي عن القدرات الردعية، إذ تعتمد طهران على مبدأ الغموض الاستراتيجي في بعض الأحيان، وتبقي قدراتها التكنولوجية في مستوى متقدم يسمح لها بالوصول إلى العتبة النووية دون أن تتجاوزها رسميا، وهذا يمنحها ورقة ضغط في المفاوضات السياسية والملفات الإقليمية، من دون أن تقع في المحظور القانوني أو الديني المعلن.
كذلك يجب التمييز بين مصطلحين، وهما الردع النووي واستخدام السلاح النووي، فوفقا لتصريحات كبار المسؤولين في النظام الإيراني، فالهدف الرئيس من امتلاك القدرة النووية هو تعزيز الردع وحماية الأمن القومي، وليس استخدام السلاح نفسه، لكن، في المقابل، يدعو بعض النواب الأصوليين إلى مراجعة هذه العقيدة لمواجهة التهديدات المحتملة في المنطقة.
هذه الدعوات تزايدت خصوصا بعد التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية والدعم الغربي المتواصل لها، وهو ما يعكس تغيرا في المزاج الداخلي، فيرى التيار الأصولي ونوابه بالبرلمان أن الاعتماد على القدرات النووية، رغم توقف التخصيب بفعل الهجمات على المنشآت، يمكن أن يوفر عامل ردع يحمي البلاد من المخاطر المستقبلية، لذلك يطالبون بأن يعاد النظر في العقيدة النووية لإيران بما يعزز القدرة على مواجهة تهديدات الأعداء، ولا سيما التهديد الإسرائيلي.

كذلك، فمن النقاط الجوهرية التي تطرح هنا مسألة تبدل الظروف الدولية والإقليمية، فتفيد التقارير أن الجانب الإيراني يخشى عدم التزام الغرب والكيان الصهيوني بالمواثيق الدولية واستمرار تهديدهما لإيران، الأمر الذي يدفع المحللين والمسؤولين إلى التفكير بمراجعة العقيدة النووية. ويؤكد النواب الأصوليون على أن مصلحة حفظ الإسلام تستوجب إعادة النظر في بعض القيود السابقة. لكن في الوقت نفسه، فإن لمثل هذا القرار تبعات قد تتجاوز الخطاب السياسي الذي يرفعه هؤلاء النواب.
تكمن القضية الأساسية في إمكانية تطبيق مثل هذه التغييرات، فالعقيدة النووية، بوصفها استراتيجية عسكرية، تستلزم النظر في عوامل تقنية وجيوسياسية ودولية معقدة، وأي تعديل غير مدروس قد يخلّف عواقب غير مرغوبة، من أبرز التحديات تقييم التهديدات بدقة وبعد نظر، وضمان سرية البرامج النووية في حال السعي لصناعة قنبلة، إذ أظهرت التجارب العالمية أن الدول التي عجزت عن حماية برامجها النووية تعرضت لهجمات وقائية وعقوبات مضاعفة.
كذلك، فهناك مخاطر إقليمية، فإطلاق مثل هذه الطروحات قد يؤدي إلى سباق تسلحي جديد في الشرق الأوسط، فدول الجوار العربية، فضلا عن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، قد تتخذ مواقف متشددة ضد أي تعديل في العقيدة النووية الإيرانية. وهناك احتمال أن تدفع هذه التطورات بعض دول المنطقة إلى السعي لتطوير قدرات نووية خاصة بها، وهو ما يغيّر موازين الأمن الإقليمي.
أيضا، فالغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، سيعارض بشدة أي تغيير من هذا النوع، ما قد يفتح الباب أمام تشديد العقوبات وزيادة الضغوط وربما حتى التلويح بخيار عسكري. وبهذا، فإن الكلفة الاقتصادية والسياسية المحتملة قد تكون باهظة، إلى جانب خطر عزل إيران أكثر على الساحة الدولية.
بين التهديد والفعل.. ماذا ستفعل إيران؟
تبقى مسألة تغيير العقيدة النووية رهينة العامل الأهم، وهو الإرادة السياسية، فإيران تمتلك بالفعل المعرفة العلمية والتقنية والصناعية الكافية لصناعة سلاح نووي، كما أقرت تقارير الاستخبارات الأميركية منذ 2007 وحتى اليوم، لكن مجرد وجود هذه القدرات لا يكفي، إذ إن اتخاذ قرار التصنيع يرتبط بموازين داخلية وخارجية معقدة. فإذا رأت طهران أن وجود النظام مهدد بشكل مباشر، فقد تضطر إلى تجاوز الفتوى والانخراط في مشروع ردع نووي.

من هنا يمكن القول إن إيران اليوم محاصرة بين ضغط خارجي متصاعد يدفعها نحو التفكير في السلاح النووي كخيار ردع، وضغوط داخلية واقتصادية وسياسية تجعلها تتردد في الإقدام على خطوة بهذا الحجم، النتيجة المرجحة، كما يقترحها خبراء ومحللين، أن طهران ستواصل تمسكها العلني بفتوى التحريم، مع إبقاء الباب مواربا أمام تطوير قدرات نووية متقدمة تكفي لإقناع خصومها بأنها قادرة على التحول إلى دولة نووية إذا ما جرى تهديد وجودها بشكل مباشر. وهذا النهج، القائم على التمسك بالشكل وتوسيع المضمون، هو ما يمنح إيران هامش المناورة بين عقيدتها الدفاعية التقليدية ومتطلبات الردع في عالم متغير.

