- زاد إيران - المحرر
- 539 Views
كتب: الترجمان
أثارت التصريحات الأخيرة لـ أحمد علم الهدى، خطيب جمعة مدينة مشهد، بشأن ضرورة تقييد حرية إنتاج المحتوى في الفضاء الافتراضي، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الإعلامية والثقافية والسياسية الإيرانية. فقد اعتبر علم الهدى أنّ «حرية الفضاء الافتراضي أسوأ من حرية اللصوص والقتلة»، مطالبا بفرض رقابة صارمة على المحتوى الذي يُنتَج عبر منصّات التواصل.
هذه التصريحات، التي تبدو في ظاهرها دعوة إلى ضبطٍ ثقافي، تُخفي —وفق محللين— صراعا متناميا بين منطق الحوكمة التقليدية في إيران وبين الواقع الشبكي المتحوّل الذي أصبح يطبع الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد.
فجوة بين منطق الدولة ومنطق الشبكات
يشير مراقبون إلى أنّ التصريحات الأخيرة تُعيد إلى الواجهة شرخا مفاهيميا يتسع منذ سنوات بين نموذج حكم قائم على المركزية والتحكّم، ونموذج اجتماعي جديد تُشكّله شبكات التواصل.
ويرى خبراء الإعلام والعلوم السياسية أنّ فهم هذه الفجوة يقتضي اعتماد منهج «التحليل الريزومي» المستوحى من فلسفة جيل دولوز وفليكس غاتاري، والذي يفترض أن المعرفة والسلطة تتحركان بشكل أفقي وغير هرمي، عبر مسارات لا مركزية ومتعددة.
في هذا المنظور، لا يمكن لسلطة واحدة أن تحتكر إنتاج الحقيقة أو التحكم في مسارات تدفّق المعلومات، لأن الشبكات الاجتماعية اليوم لا تعمل وفق نموذج «الشجرة» الهرمي، بل وفق نموذج «الريزوم» الذي ينمو باستمرار ويتفرّع حتى تحت الضغط والمنع.

ملايين المنتجين للمعنى وصعوبة السيطرة
وترى قراءات تحليلية أنّ دعوة علمالهدى إلى منع حرية إنتاج المحتوى تمثل تمسّكا بمنطق «الرواية المركزية» التي تنتجها مؤسسات الدولة وتنقلها إلى المجتمع. غير أنّ هذه الرؤية ـ بحسب المختصين ـ لم تعد قابلة للتطبيق في سياق أصبحت فيه ملايين الحسابات الفردية منصّات قائمة بذاتها.
فالفضاء الرقمي الإيراني اليوم ينتج روايات متعدّدة، ويتحرّك عبر آلاف المسارات غير الخاضعة للتسلسل الهرمي، ما يجعل السيطرة الشاملة شبه مستحيلة، بل ويحوّل أي محاولة للضغط إلى محرّك لنشوء قنوات أكثر خفاءً ومرونة.
تراجع حكومي يكشف تغيّر الواقع
يُعدّ تراجع حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن «مشروع قانون مواجهة المحتوى المضلّل» مثالا بارزا على إدراك بعض مؤسسات الدولة لصعوبة فرض مرجعية رسمية واحدة على الحقيقة.
فقد أثارت مسودة القانون موجة اعتراضات من خبراء الإعلام والمجتمع المدني، معتبرين أنّ الدولة لم تعد قادرة على فرض تعريف محدد لـ«الواقع» في فضاء ريزومي متعدّد المراكز.
هذا التراجع عُدّ بمثابة اعتراف بأن إدارة المجتمع في العصر الرقمي لا يمكن أن تتمّ إلا عبر الشفافية والمشاركة وتداول الحقيقة، وليس عبر فرض النسخة الرسمية منها.

تقييد الفضاء الافتراضي ليس مواجهة للجريمة
يشير محللون إلى أنّ تشبيه حرية المحتوى بحرية «اللص والقاتل» يعكس قراءة لا تزال تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره تهديدا أمنيا، في حين أنه أصبح المجال الأوسع للتعليم وبناء الهوية والعمل وتشكيل السرديات السياسية والاجتماعية.
وتظهر تجارب السنوات الماضية، بحسب تقارير متخصصة، أنّ كل موجة من محاولة الحدّ من الوصول أو تقييد المنصّات لا تؤدي إلا إلى زيادة الاعتماد على أدوات التحايل الرقمية، وصعود إعلام موازٍ، وتراجع الثقة العامة في المؤسسات الرسمية.
يخلص خبراء الإعلام والاجتماع السياسي إلى أنّ الأزمة الحقيقية لا تكمن في «الإفراط في الحرية» داخل الفضاء الافتراضي، بل في عدم قدرة بنيات الحوكمة التقليدية على التكيّف مع منطق المجتمع الريزومي الذي تحرّكه الشبكات، لا المراكز.
ففي العالم الرقمي، تنتقل القوة من السيطرة إلى الارتباط، ومن المراقبة إلى المشاركة، ومن المركز إلى الشبكة. وما لم تُدرك الحوكمة الإيرانية طبيعة هذا التحوّل، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع ستظل آخذة في الاتساع.

