- زاد إيران - المحرر
- 648 Views
بينما تترقب الأوساط الإيرانية انفراجا في السياسات الداخلية عموما والرقمية خصوصا، مع مطالبات بخطوات فعلية نحو رفع القيود عن الإنترنت، باغتت الحكومة الجميع بإرسال لائحة جديدة إلى البرلمان تحمل طابعا تقييديا تحت مسمى مكافحة المحتوى الكاذب، في مشهد يحمل علامات استفهام كثيرة، لكونه ضد السياسات التي ينادي بها بزشكيان وحكومته، ومع تزايد الانتقادات وخيبة الأمل، تبدو طهران أمام اختبار حقيقي بين المضي في نهج التضييق أو مراجعة المسار بما يراعي حقوق المستخدمين وحرية التعبير في العصر الرقمي.
تفاصيل مشروع القانون الجديد
جاء نص مشروع القانون الذي صادقت عليه الحكومة الإيرانية الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025 تحت عنوان مكافحة نشر المحتوى الإخباري غير الواقعي في الفضاء الإلكتروني في 22 مادة تهدف إلى تنظيم المحتوى الرقمي ومواجهة الأخبار الكاذبة، فيما أُعد المشروع بناء على اقتراح وزارة العدل وتم إرساله إلى البرلمان بصورة عاجلة.
ينص مشروع القانون على أن نشر المحتوى غير الحقيقي، والذي يعرف على حسب نص القانون بأنه ما ليس له أصل في الواقع أو يقدم بصورة مشوهة أو ناقصة، يمكن أن يؤدي إلى السجن، الغرامة المالية، والمنع من العمل في مجالات النشر، خصوصا إذا تسبب هذا المحتوى في الإخلال بالنظام العام، أو مس الأمن الوطني، أو أضر بعلاقات إيران الدولية.
كذلك، يتضمن القانون تعاريف دقيقة لمفاهيم مثل المحتوى، ونشر المحتوى، والمنصة، بوابة النشر، والمستخدم، ويشمل تطبيقه كافة المنصات والبوابات الرقمية، سواء كانت محلية أو أجنبية، وكذلك المستخدمين الإيرانيين والأجانب.
كما يلزم القانون مدراء المنصات وبوابات النشر باتخاذ إجراءات فورية لمراقبة المحتوى، مثل التحقق من صحته، وضع تنبيهات على المحتويات المشبوهة، نشر تكذيبات أو تصحيحات، والتجاوب مع قرارات الجهات القضائية، كما يلزمهم بإنشاء نظام تواصل مع الجهات المعنية، وتطبيق سياسات مهنية صارمة لمواجهة المحتوى الكاذب، ويلزم وزارة الثقافة والإرشاد بتنفيذ برامج توعية وتدريب لمواجهة الأخبار الزائفة، ودعم مؤسسات مستقلة للتحقق من صحة المحتوى، والتعاون دوليا في هذا المجال.
وتحدد المواد العقوبات حسب درجة الخطورة، إذ تتراوح بين الغرامات المالية، السجن، والمنع من العمل، مع تشديد العقوبة في حالات النشر أثناء الأزمات، أو إذا تم عبر حسابات وهمية أو من قبل مسؤولين حكوميين، ويجيز القانون للمتضررين تقديم بلاغات والمطالبة بإزالة المحتوى.
وفي الأخير، يلزم المشروع بوضع نظام إلكتروني مركزي لتلقي الشكاوى، إصدار البلاغات، وتنسيق الجهود بين الوزارات والهيئات المختلفة، مع إلغاء أي قوانين سابقة تتعارض مع أحكامه.
هذا وقد كانت المادتان 14 و15 مثار الجدل الأكبر، حيث تنص المادة 14 من المشروع على أن نشر المحتوى غير الواقعي في الظروف الحرجة، أو الطوارئ، أو حالات الحرب يؤدي إلى تشديد العقوبة بدرجة، إلا إذا اعتبر الفعل مندرجا تحت ما يعرف في القانون الإيراني بالإفساد في الأرض، وتشير هذه المادة بوضوح إلى دور وسائل الإعلام ومواقع التواصل في الأوقات الحساسة، مما يثير مخاوف من تطبيقات انتقائية للقانون وقت الأزمات.
أما المادة 15، فتشدد العقوبة في حال كان الشخص الذي ينشر الخبر الزائف من أصحاب الشهرة أو النفوذ الاجتماعي أو الخبرة المهنية، وهو ما يضع الصحفيين، والناشطين، والمؤثرين، والخبراء تحت طائلة مسؤوليات جنائية أكبر.
انتقادات كثيرة في مواجهة القانون
واجه مشروع القانون هجوما واسعا من النشطاء والسياسيين وخبراء القانون في إيران، الذين وصفوه بأنه إعادة تدوير لمشروع تنظيم خدمات الفضاء الإلكتروني السابق، والمعروف بقانون الصيانة والذي أثار جدلا واسعا في العام 2022، لكن بثوب جديد.
الحقوقي كامبیز نوروزي كتب في مقال بعنوان مشروع صيانة بلباس مموه أن معدي هذا المشروع حاولوا إخفاء نواياهم من خلال التلاعب بالألفاظ، مؤكدا أن القانون لا يضيف شيئا جديدا، حيث إن المادة 698 من قانون العقوبات الإيراني تغطي بالفعل تهمة نشر الأكاذيب والتقارير الكاذبة، ووصف المشروع بأنه مجرد نسخة منقحة وجميلة من مشروع صيانة الحريات السابق.
أما المحامي محسن برهاني، فقد وصف المشروع بالمسمار الأخير في نعش حرية التعبير، محذرا من أنه “إذا أُقر فعلينا جميعا أن نصمت، وإلا سنتعرض للعقاب”، وطالب الحكومة بسحب المشروع فورا كي لا تتحمّل مسؤوليته، مضيفا أنه إذا كانت السلطة القضائية مصرة عليه، فلتتقدم به مباشرة إلى البرلمان بعد انتهاء المهلة القانونية.
من جهتها، خاطبت آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات، الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان قائلة إن هذه اللائحة تتعارض مع مبادئه المعلنة، وتنتهك الفصل الثالث من الدستور الذي يضمن حقوق الشعب وتداول المعلومات.
فيما قال الناشط السياسي إبراهيم أصغر زادة قال إن الحكومة وقعت في فخ سياسي غير رشيد عبر إرسال مشروع يقيد الإنترنت بدلا من العمل على رفع الحجب، مضيفا: “إذا لم يسحب المشروع، فسيكون مثل حكومة بواسحاق، التي أضاءت قليلا لكنها لم تعمر طويلا”.
أكبر أعلمي، النائب السابق في البرلمان، وجه نقدا لاذعا قائلا: “من كان يتصور أن أول مشروع ذي صفة عاجلة تقدمه حكومة بزشكيان لن يكون لتحسين معيشة الناس أو حل أزمة المياه، بل لإسكات أفواههم؟”. ورأى أن المشروع يتفوق في خطورته حتى على مشروع صيانة الإنترنت، بسبب غموض مصطلحاته وصرامة عقوباته.
كذلك، فقد أوضح المحامي والحقوقي على مجتهد زادة في تصريح لموقع ديده بان إيران أن مشروع القانون الجديد، بسبب تعريفه الغامض للمحتوى غير الواقعي، والعقوبات القاسية التي يتضمّنها، وفرضه على المنصات واجب الإشراف المسبق على المحتوى، لا يتعارض فقط مع المادة 175 من الدستور، بل يتناقض مع جميع المعايير القانونية ومبادئ حرية التعبير، حتى وإن جرى تبرير هذه القيود تحت مسمى مراعاة الضوابط الإسلامية والمصلحة الوطنية كما تنص المادتان 24 و175.
وأضاف مجتهد زادة: “حتى في ظل القوانين الحالية، وهي أقل قسوة من هذا المشروع، لا تزال حرية التعبير بعيدة جدا عن الوضع المطلوب في مجتمعنا، وتحول هذا المشروع إلى قانون سيزيد الأمور سوءا”، معتبرا أن مشروع القانون، بسبب قيوده الكثيرة، قد يسهم في تعميق الفساد، موضحا أنه يلزم من ينشر معلومات معينة بحذفها إذا صدرت تكذيب رسمي، كما حصل في قضية صديقي، التي ظهرت لاحقا مستندات تؤكد ما تم إنكاره رسميا.
هذا فيما اعتبر الباحث والكاتب في مجال حقوق الإنسان، عماد الدين باقي، أن مشروع القانون إعلان صريح للخنق الإعلامي، موضحا أن النص يوحي كما لو أن نشر الأخبار المضللة كان مباحا حتى الآن، وأن المشروع هو ما سيضع حدا لذلك.
ولفت إلى أن عشرات القضايا حُكم فيها بناء على قوانين قائمة، مما يثير تساؤلا جوهريا مفاده: إذا كانت القوانين موجودة، فلماذا هذا المشروع؟ وإذا لم تكن موجودة، فهل كانت كل تلك الأحكام القضائية السابقة خاطئة؟، وأضاف أن المشروع لن يمنع تسريب المعلومات، بل سيدفعها إلى السراديب، ويجعل نشرها يتم تحت أسماء مستعارة أو عبر وسائل إعلام أجنبية، ما قد يفاقم الأثر السلبي للمعلومات المتداولة ويفلتها من أي ضوابط محلية أو مساءلة.
الحكومة ترد على الانتقادات
بعد الجدل حول مشروع القانون، خرجت إدارة الشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية الإيرانية في بيان لها الجمعة 25 يوليو/تموز 2025 بتوضيحات مفصّلة بشأن خلفيات إعداد المشروع، والتعديلات التي طرأت عليه، والهدف الأساسي من صياغته، حيث أكدت أن المشروع لم يكن وليد اللحظة أو استجابة لانفعالات ما بعد الحرب، بل جاء تنفيذا لمتطلبات مقررة سلفا من المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، بموجب قرار صدر في العام 2020 وجرى إعداده من قِبل السلطة القضائية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 باعتباره مشروع قانون قضائي، ثم أُحيل إلى الحكومة للنقاش والمراجعة اعتبارا من يناير/كانون الثاني 2025.
وأوضحت الإدارة أن النسخة الأولية التي قُدمت إلى الحكومة كانت تعاني من ثغرات قانونية وفنية عديدة، حيث استندت إلى رؤية تعتبر القانون الحالي ذا طابع عقابي لاحق وليس رقابي سابق، ما دفعها إلى اقتراح آليات رقابية استباقية، من بينها إنشاء هيئة للتحقق من صحة المعلومات قبل نشرها، وفرض التزام على المستخدمين والمنصات بفحص الأخبار قبل مشاركتها، كما تضمنت اللائحة تدابير رقابية تمس جوهر الحقوق الأساسية للمواطنين، خصوصا حرية التعبير وتداول المعلومات.
وبالنظر إلى هذه الإشكاليات، شددت الحكومة، بحسب بيانها، على أن مشروع القانون في صيغته الأولى لم يكن ضروريا في ظل وجود قوانين عقابية سارية، وإذا وجدت ثغرات، فكان من الممكن تعديلها عبر مادة قانونية واحدة لا أكثر، كما اعتبرت أن النموذج المقترح لا يتماشى مع التجارب الدولية في التصدي للأخبار الكاذبة، ويفرض أعباء مادية ومعنوية كبيرة على الدولة دون ضمان لتنفيذه فعليا.
ونتيجة لذلك، تم تشكيل لجنة حكومية متخصصة بالتعاون مع ممثلين عن السلطة القضائية، عملت على مراجعة شاملة للمشروع، وأسفرت المداولات عن إدخال تعديلات جذرية، أبرز هذه التعديلات تمثلت في تقليص مواد القانون من 40 مادة إلى حوالي 20 مادة فقط، كما تم استبدال منظومة التراخيص المسبقة بنظام التسجيل، وحذف التزامات المستخدمين والمنصات بالتحقق القبلي من المحتوى، وإلغاء إنشاء منصة حكومية للفحص والتدقيق، وتحويل نهج الرقابة من استباقية إلى لاحقة.

