- زاد إيران - المحرر
- 35 Views
تشهد الساحة السياسية الإيرانية في المرحلة الراهنة حالة متصاعدة من التوتر والانقسام داخل البرلمان الثاني عشر، في ظل تحولات داخلية وإقليمية حساسة فرضتها تداعيات الحرب الأخيرة، والأزمات الاقتصادية المتفاقمة، والتجاذبات المتصلة بموقع المؤسسات السيادية في بنية النظام الإيراني.
وبينما تحاول القيادة الإيرانية الدفع نحو خطاب يقوم على الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية، تبدو بعض التيارات البرلمانية، ولا سيما الأجنحة المتشددة، أكثر ميلا إلى تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات علنية مع مؤسسات عليا في الدولة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للأمن القومي. فيما كشفت الأسابيع الأخيرة عن حجم التباينات داخل البرلمان الإيراني، ليس فقط في القضايا السياسية اليومية، وإنما أيضا في الملفات التي كانت تصنف تقليديا ضمن دوائر الإجماع الوطني والأمن القومي.
رسائل القيادة الإيرانية.. أولوية الوحدة في مرحلة ما بعد الحرب
جاءت رسالة المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، الجمعة 29 مايو/ آيار 2026، بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس البرلمان، لتؤسس لرؤية سياسية تسعى إلى احتواء الانقسامات الداخلية وضبط الإيقاع السياسي داخل مؤسسات الدولة، فقد ركزت الرسالة بصورة لافتة على مفهوم الوحدة الوطنية، وعلى ضرورة تجنب تحويل الخلافات، حتى تلك التي يمكن وصفها بالمشروعة أو المبررة، إلى حالة من التنازع والانقسام.

الرسالة، حسب قراءات صحفية إيرانية، لم تكن بروتوكولية أو احتفالية بقدر ما بدت تعبيرا عن قلق واضح تجاه طبيعة المناخ السياسي الذي يحيط بالمؤسسة التشريعية، إذ شدد قائد الثورة على أن النواب يمثلون “خلاصة الأمة”، وأن البرلمان يفترض أن يكون مؤسسة قادرة على تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، لا ساحة لتغذية الاستقطابات الحادة أو تعميق الانقسامات داخل الدولة والمجتمع.
هذا فيما حملت الرسالة أبعادا تتجاوز مضمونها المباشر، خصوصا في توقيتها الذي جاء بعد أشهر من الحرب الأخيرة وما خلفته من تداعيات أمنية واقتصادية ونفسية داخل المجتمع الإيراني، فالدول الخارجة من أزمات كبرى عادة ما تكون أكثر هشاشة أمام الاستقطابات الداخلية، وهو ما انعكس بوضوح في تحذير القيادة الإيرانية من إبراز الفوارق الاجتماعية ومن الخلافات السياسية العقيمة التي قد تتحول إلى أدوات لإضعاف التماسك الوطني.
كما تضمنت الرسالة دعوة صريحة إلى أن تكون قرارات البرلمان مرتبطة مباشرة بقضايا المواطنين، وفي مقدمتها الاقتصاد والمعيشة والتضخم والبطالة، بدل الانشغال بصراعات سياسية وإعلامية تستنزف طاقة النظام والمجتمع معا. وفي هذا السياق، أعادت القيادة الإيرانية التأكيد على أهمية اقتصاد المقاومة، وهو مصطلح يظهر في فترات اشتداد العقوبات، باعتباره الإطار الذي ينبغي أن تتحرك ضمنه مؤسسات الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، مع التشديد على التنسيق بين السلطات المختلفة وعدم تحويل الخلافات المؤسسية إلى صدامات علنية.

غير أن أهمية الرسالة لا تكمن فقط في مضامينها الاقتصادية أو السياسية، بل في كونها تعكس، حسب خبراء، إدراكا متزايدا داخل هرم السلطة الإيرانية بأن حالة الانقسام المتصاعدة داخل البرلمان بدأت تتجاوز حدود التنافس السياسي التقليدي، لتلامس طبيعة العلاقة بين المؤسسات السيادية والتيارات السياسية المختلفة، وهو ما يفسر النبرة التحذيرية الواضحة في الدعوة إلى الحفاظ على الانسجام الوطني وعدم الانجرار وراء الاستقطابات.
صدامات البرلمان مع المجلس الأعلى للأمن القومي
في موازاة دعوات القيادة الإيرانية إلى التهدئة والوحدة، برزت خلال الفترة الماضية مؤشرات متزايدة على تصاعد التوتر بين بعض نواب البرلمان، خصوصا التيار الأصولي وجناحه البرلماني تيار الصمود، وبين المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يعد من أبرز المؤسسات السيادية في هيكل الجمهورية الإسلامية.
هذا التوتر لم يعد محصورا في النقاشات المغلقة أو الكواليس السياسية، بل انتقل بصورة مباشرة إلى الإعلام ومنصات التواصل والخطابات البرلمانية، في تحول يعكس تغيرا ملحوظا في قواعد إدارة الخلاف داخل النظام الإيراني. فالمجلس الأعلى للأمن القومي، الذي تصادق القيادة الإيرانية على قراراته، كان تاريخيا يحظى بهامش واسع من التوافق السياسي، حتى في الفترات التي شهدت خلافات حادة بين الحكومة والبرلمان. لكن المشهد الحالي يبدو مختلفا بصورة واضحة.

واحدة من أبرز محطات هذا التوتر ظهرت في الجدل المتعلق بقرار تعطيل الجلسات العلنية للبرلمان خلال فترة التصعيد العسكري الأخير.، حيث كشفت تقارير سياسية وإعلامية أن المجلس الأعلى للأمن القومي أوصى بعدم عقد الجلسات البرلمانية بسبب المخاطر الأمنية المرتبطة بإمكانية استهداف شخصيات بارزة داخل الدولة، إلا أن عددا من النواب المتشددين شككوا علنا في وجود القرار، واعتبروا تعطيل البرلمان خطوة “غامضة” وغير مبررة.
وقد تصاعد الجدل عندما هاجم النائب حميد رسائي قرار التعطيل، متسائلا عن الأسباب التي تحول دون انعقاد البرلمان رغم استمرار عمله خلال الحرب العراقية الإيرانية في العام 1980 وخلال حرب يونيو/ حزيران 2025، والمعروفة في السردية الصحفية الإيرانية بحرب الإثنى عشرة يوما، كما اتهم بعض النواب هيئة رئاسة البرلمان بعدم الشفافية، وهو ما دفع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى الرد بسخرية على هذه الانتقادات، في مشهد عكس حجم التوتر داخل المؤسسة التشريعية نفسها.

ولم يكن هذا الملف الوحيد الذي كشف طبيعة الصدام بين الأصوليين والمجلس الأعلى للأمن القومي، فخلال أزمة قانون العفاف والحجاب، برز خلاف حاد بعدما أوقف تنفيذ القانون بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، وأمينه وقتها على لاريجاني، الأمر الذي أثار غضب التيارات المتشددة التي رأت في القرار تراجعا أمام الضغوط السياسية والاجتماعية. وقد أدى ذلك إلى خروج احتجاجات واعتصامات أمام البرلمان، ورفع شعارات حادة ضد الحكومة والرئيس مسعود بزشكيان، قبل أن تنتهي هذه التحركات بتدخل القوى الأمنية.

كذلك تكررت المواجهات في الملف النووي، خصوصا بعد توقيع اتفاق القاهرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عقب الحرب الأخيرة. فقد اعتبر عدد من النواب الأصوليين أن الاتفاق يمثل تنازلا سياسيا، وذهب بعضهم إلى التلويح باستجواب وزير الخارجية عباس عراقجي، بينما تعرض لاريجاني، الذي تولى إدارة الملف النووي، لهجمات سياسية وإعلامية واسعة من قبل شخصيات محسوبة على التيار المتشدد.

هذه الوقائع مجتمعة تعكس تحولا مهما في طبيعة الخلافات داخل النظام الإيراني، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط بتباينات في الرأي حول السياسات العامة، بل أصبحت تمس حدود الصلاحيات وموقع المؤسسات السيادية في عملية صنع القرار، وهو ما يمنح هذه الخلافات بعدا أعمق وأكثر حساسية.
البرلمان بين الشعبوية السياسية وإعادة رسم موازين القوة
تكشف حالة الانقسام داخل البرلمان الإيراني عن صراع أوسع يتعلق بمستقبل التوازنات السياسية داخل الجمهورية الإسلامية، وبطبيعة الدور الذي تريد بعض التيارات البرلمانية أن تؤديه في مرحلة ما بعد الحرب والتحولات الإقليمية المتسارعة.
فالتيار الأصولي، حسب قراءات داخلية، داخل البرلمان لا يبدو مكتفيا بدور المعارضة التقليدية داخل المؤسسة التشريعية، بل يسعى إلى فرض نفسه بوصفه شريكا مباشرا في صناعة القرار السيادي، حتى في الملفات المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية. ومن هنا يمكن فهم الإصرار المتكرر على مهاجمة قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي أو التشكيك في توجهات الحكومة والملف النووي، باعتبار أن هذه الملفات تشكل ساحات مناسبة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والشعبي.

كما أن الطابع العلني والإعلامي لهذه المواجهات يشير إلى أن بعض النواب باتوا ينظرون إلى التصعيد السياسي بوصفه وسيلة لتعزيز حضورهم الجماهيري والإعلامي، خصوصا في ظل بيئة سياسية تشهد تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية، وارتفاع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، فإن جزءا من الخطاب المتشدد داخل البرلمان يعتمد على استثمار القضايا الحساسة، مثل الحجاب أو التفاوض النووي أو العلاقة مع الغرب، بهدف تعبئة القواعد المحافظة وتقديم الذات باعتبارها المدافع الأكثر صلابة عن مبادئ الثورة والنظام.
غير أن هذا المسار يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة على بنية النظام السياسي الإيراني. فاستمرار الصدام العلني بين البرلمان والمؤسسات السيادية قد يؤدي إلى إضعاف صورة الانسجام الداخلي التي تحرص القيادة الإيرانية على إظهارها، خصوصا في ظل الضغوط الخارجية والعقوبات والتوترات الإقليمية. كما أن تحويل الخلافات إلى معارك إعلامية مفتوحة قد يفاقم حالة الاستقطاب داخل المجتمع الإيراني، ويؤدي إلى مزيد من التآكل في الثقة بالمؤسسات.
من هنا يمكن فهم الإلحاح المتكرر في خطاب القيادة الإيرانية على مفاهيم الوحدة الوطنية والانسجام ورفض الخلافات العقيمة، التي وصفها البيان او التي أعيد قراءتها فيه، باعتبار أن المؤسسة الحاكمة تدرك حساسية المرحلة الحالية، وخطورة انتقال الانقسامات السياسية إلى مستوى يهدد تماسك النظام نفسه.
وعلى ما يبدو، فإن البرلمان الإيراني يقف اليوم عند مفترق طرق سياسي معقد؛ فمن جهة، هناك محاولة رسمية للحفاظ على التوازن الداخلي ومنع الانقسامات من التوسع، ومن جهة أخرى، هناك تيارات تسعى إلى توسيع نفوذها وإعادة تعريف علاقتها بالمؤسسات العليا للدولة. وبين هذين الاتجاهين، تبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء هذه الخلافات ضمن أطر النظام التقليدية، أو تحولها إلى عامل دائم في إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني خلال السنوات المقبلة.

