- زاد إيران - المحرر
- 431 Views
وسط تصاعد التوتر السياسي وعودة التصريحات الغربية المتشددة، تجد إيران نفسها مجددا في مواجهة سيناريو مألوف، لا يقل خطورة عن مراحل سابقة، في قلب هذا المشهد تعود آلية الزناد كأداة سياسية وقانونية تحوّلت من بند تفاوضي إلى سلاح ضغط جاهز للاستخدام، وبين التحذيرات الأوروبية والتحركات القانونية المتسارعة، يعود ملف الاتفاق النووي إلى الواجهة، محملا بإرث من التعقيدات والخلافات الداخلية والخارجية، فيما يراقب الداخل الإيراني التطورات بقلق متزايد إزاء التداعيات المحتملة على الاقتصاد والمشهد السياسي برمته.
فرنسا تلوح بتفعيل العقوبات مرة أخرى
صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، على هامش حضوره العرض العسكري السنوي بمناسبة يوم الباستيل في شارع الشانزليزيه بباريس، قائلا: “دون التزام حازم وملموس وقابل للتحقق من جانب إيران، سنقوم بتفعيل آلية الزناد بحلول نهاية شهر أغسطس/آب 2025”.

وتابع بارو أن بلاده ليست وحدها في هذا الموقف، بل ستنضم إليها كل من بريطانيا وألمانيا في حال عدم تحقق تقدم في المحادثات النووية مع طهران، موضحا أن الدول الأوروبية الثلاث تحتفظ بحق إعادة فرض العقوبات الدولية على الأسلحة والمصارف والمعدات النووية الإيرانية، وهي العقوبات التي كانت قد رفعت قبل نحو عشر سنوات، مضيفا أن فرنسا وبريطانيا عضوان دائمان في مجلس الأمن، فيما تعد ألمانيا عضوا غير دائم، ما يمنح هذه الدول الثلاث نفوذا في تفعيل المسارات القانونية لإعادة فرض العقوبات الدولية على طهران.
جدير بالذكر أن آلية الزناد، المعروفة باسم Snapbackهي بند خاص في الاتفاق النووي الإيراني المبرم في 2015، تم تضمينه ضمن القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، والذي بموجبه يمكن لأي طرف مشارك في الاتفاق أن يدعي عدم امتثال جوهري من قبل إيران لأحد شروط لاتفاق، ثم يرفع شكواه إلى لجنة مشتركة، وإذا لم تُحل الأزمة خلال 30 يوما، يمكن للطرف المعني إحالة الملف إلى مجلس الأمن، ليبدأ عد تنازلي جديد من 30 يوما وإذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد في المجلس خلال هذه المدة، تُعاد جميع العقوبات الأممية التي كانت مفروضة على إيران قبل الاتفاق، بشكل تلقائي ومن دون الحاجة إلى تصويت أو موافقة.

عقوبات أوروبية جديدة ضد شخصيات إيرانية
في الوقت نفسه، أعلن الاتحاد الأوروبي، مساء الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، في بيان على موقعه الرسمي عن فرض عقوبات جديدة على إيران، على خلفية اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، وتشمل هذه العقوبات حظر السفر، وتجميد الأصول، وقيودا في مجال التكنولوجيا.

وقد جاء في البيان أن العقوبات المفروضة تتضمن حظر سفر على أشخاص معينين، وتجميد أصول أشخاص وكيانات، ومنع تقديم الأموال أو الموارد الاقتصادية إلى الأفراد المدرجين في القائمة، فضلا عن حظر بيع، أو تزويد أو نقل أو تصدير بعض المعدات والتقنيات إلى إيران، وتابع البيان: “تم إدراج عدد من الأشخاص والكيانات، من بينهم ثمانية أفراد ومؤسسة واحدة إيرانية ضمن نظام الاتحاد الأوروبي العالمي للعقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان”، كما أشار البيان إلى أن “الاتحاد الأوروبي، وفي إطار ردّه على انتهاكات حقوق الإنسان، والأنشطة المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية، والدعم العسكري الإيراني للحرب الروسية ضد أوكرانيا، فرض عقوبات متعددة ضد إيران”.
كما أفاد المجلس الأوروبي في موقعه الرسمي بأن العقوبات المفروضة على إيران، والتي بدأت منذ عام 2011 بسبب ما وصفه الانتهاك المستمر لحقوق الإنسان والتي يتم تجديدها سنويا، قد تقرر تمديدها حتى 13 أبريل/نيسان 2026.
تباعات تفعيل الآلية على الاقتصاد الإيراني
حول عودة تفعيل آلية العقوبات ضد إيران، صرح حميد قنبري، المدير العام للشؤون الدولية في البنك المركزي السابق، خلال حديث مع موقع فرارو الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، بأن هناك عدة أخطار ستترتب على إعادة فرض أوروبا العقوبات على إيران، أولها من وجهة نظره يتمثل في الضغط النفسي والبيئة الاستثمارية، إذ إن الأسواق المالية لا تتعامل مع القوانين فقط، بل تتأثر بالتوقعات والمناخ السياسي العام، وحتى لو لم تفرض قرارات مجلس الأمن حظرا صريحا على الصادرات النفطية أو المعاملات البنكية، فإن مجرد عودة هذه القرارات كفيل بدفع الشركات الأجنبية والمصارف الدولية إلى الابتعاد عن إيران خوفا من التداعيات المستقبلية، أو خشية تعرضها لعقوبات ثانوية من قبل الولايات المتحدة، كما حدث في مراحل سابقة.

من جهة أخرى، فقد صرح قنبري بأن نظام التحويلات المالية الإيراني، الذي يعاني أصلا من العزلة والتقييد، قد يواجه مزيدا من الانغلاق، لا سيما أن بعض قرارات مجلس الأمن، مثل القرار 1929، وإن لم تحظر بشكل مباشر التعامل مع البنوك الإيرانية، فإنها دعت إلى مراقبة الأنشطة المالية وتوخي الحذر، ما يفتح الباب أمام قرارات وطنية أو جماعية جديدة في أوروبا لتعليق التبادلات المصرفية مع طهران. هذه الحالة من الشك وعدم اليقين المالي قد تعرقل عمليات الاستيراد والتصدير الأساسية، وتزيد من تكلفة الوصول إلى الأسواق العالمية.
إضافة إلى ذلك، أشار قنبري إلى أن النفط الإيراني، وهو المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في البلاد، قد يتأثر بشكل غير مباشر، فالتأمين على السفن، وعقود الشراء طويلة الأجل، وخدمات التكرير والنقل كلها قد تتعرض لضغوط من المؤسسات الغربية التي قد تفضّل الانسحاب من التعامل مع النفط الإيراني تحسبا لتوسع نطاق العقوبات. هذا قد لا يؤدي إلى توقف تام في الصادرات، لكنه سيجعلها أكثر كلفة وأقل استقرارا.
ومن وجهة نظره، فإن رد الفعل الداخلي لعودة العقوبات لا يقل خطورة من الخارجية، فعودة آلية سناب باك ستفسّر داخليا على أنها فشل سياسي ودبلوماسي، ما قد يؤدي إلى تآكل ثقة المواطن بالعملة الوطنية، ويعيد موجات المضاربة على الدولار والذهب، مع ما يصاحب ذلك من تضخم متسارع وتراجع في القدرة الشرائية. وفي ظل غياب أفق واضح للتسوية مع الغرب، فإن هذه البيئة ستخلق حالة من الجمود الاقتصادي، تُصعب من مهمة الحكومة في ضبط السوق وتوفير المواد الأساسية.
جذور آلية الزناد.. من قدَّمها إلى السياسة الإيرانية؟
تعود جذور آلية الزناد إلى اللحظة التي تم فيها التفاوض على الاتفاق النووي في عهد الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، فقد وافق فريق التفاوض الإيراني آنذاك على تضمين هذه الآلية في الاتفاق، بناء على إصرار أمريكي، بهدف طمأنة المجتمع الدولي بأنه يمكن إعادة فرض العقوبات تلقائيا إذا ما خالفت إيران التزاماتها، حينها دافع ظريف حينها عن هذا البند باعتباره آلية ردع لا أكثر، مشيرا إلى أنه لن يتم تفعيله طالما التزمت إيران بتعهداتها.
لكن في المقابل، ألقى منتقدو الاتفاق، وعلى رأسهم سعيد جليلي، رئيس الوفد النووي الإيراني السابق في عهد الرئيس أحمدي نجاد والشخصية الأصولية الأشهر، باللوم على حكومة روحاني، واعتبروا أن إدخال مثل هذه الآلية تنازل استراتيجي كبير يضع سيادة البلاد بيد الآخرين، وأكد جليلي خلال جلسات اللجنة البرلمانية الخاصة التي أُنشئت لمراجعة الاتفاق في العام 2015 أن آلية الزناد تفقد إيران قدرتها على المناورة وتجعل أي ادعاء كفيلا بإعادة كل العقوبات السابقة.

على أن آلية الزناد لم تكن حينها مجرد بند قانوني مختلف على أثره، بل تحولت إلى رمز لصراع داخلي بين تيارين متعارضين داخل إيران، التيار الاصلاحي بقيادة ظريف، الذي راهن على الدبلوماسية والانخراط في النظام الدولي، مقابل التيار الأصولي بقيادة جليلي، الذي اعتبر أي تسوية بمثابة تنازل عن الحقوق النووية والسيادية لإيران.
إن عودة آلية العقوبات، وإن لم تكن ذات عواقب اقتصادية وخيمة على اقتصاد كالاقتصاد الإيراني الذي طالما اعتمد على اقتصاد الظل ليسير أموره، فسيكون لها أثر كبير على صورة إيران في الخارج، فضلا عن حالة الإحباط التي سيشعر بها الشعب الإيراني نتيجة العودة إلى المربع صفر، الأمر الذي سيعقد المشهد الداخلي، خصوصا مع حالة الاضطراب التي يعانيها بعد الحرب مع إسرائيل.

