- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 4 Views
كتب: الترجمان
استيقظت الأوساط الملاحية والبيئية في منطقة الخليج العربي على وقع صور أقمار صناعية صادمة، أظهرت بقعا زيتية داكنة تمتد كالأشباح في المحيط الحيوي لجزيرة “خارك”، الشريان التاجي لتصدير النفط الإيراني. لم تكن هذه الصور مجرد لقطات عابرة، بل تحولت في غضون ساعات إلى وقود لسجال إعلامي دولي، حيث قُدرت مساحة التلوث بنحو 45 كيلومترا مربعا، وسط ادعاءات وصلت إلى حد اتهام طهران بتعمد تفريغ النفط في عرض البحر نتيجة تشبع مخازنها الاستراتيجية. هذا التقرير يسبر أغوار الحكاية، مفككا الروايات المتضاربة ومستعرضا التصريحات الرسمية التي حاولت كشف حقيقة ما جرى تحت مياه الخليج.
جبهة النفي: البنية التحتية في قفص الاتهام
بدأت شرارة الأزمة عندما تداولت وسائل إعلام تقارير تشير إلى تسرب ضخم يقدر بـ 80 ألف برميل من النفط الخام. وفي مواجهة هذا الصخب، خرج عباس أسد روز، المدير العام لشركة محطات النفط الإيرانية، بتصريحات حازمة وحاسمة لوضع النقاط على الحروف. وصف أسد روز تلك التقارير بأنها “مزيفة وعارية عن الصحة”، مؤكدا أن جميع البنى التحتية للطاقة في المنطقة، بدءا من مخازن الاستخراج وأنظمة القياس وصولاً إلى الأرصفة وخطوط الأنابيب تحت البحر، سليمة تماماً ولا تشوبها شائبة.
وشدد أسد روز في حديثه على أن العمليات التشغيلية في جزيرة خارك تدار وفق أعلى المعايير العالمية، مشيرا إلى أن مركز “ميمك” الدولي، وهو جهة محايدة تابعة للمنظمة البحرية الدولية، لم يسجل أي بلاغ عن تلوث نفطي في المنطقة. وأضاف موضحا أن الصور التي اعتمد عليها المروجون لهذه الادعاءات تفتقر إلى الإحداثيات الجغرافية الدقيقة والبيانات الزمنية الموثقة، مما يجعلها أداة للاستغلال الإعلامي أكثر من كونها دليلا فنيا.
وأكد أن فرق المتخصصين في السلامة والصحة والبيئة (HSE) والمختبرات الكيميائية قامت بمسح شامل وفوري للمنطقة عقب انتشار الأخبار، ولم تعثر حتى على أثر لقطرة نفط واحدة ناتجة عن تسرب داخلي.

التفسير البرلماني: أصابع الاتهام تشير نحو “الغريب”
لم يتوقف الرد عند الجانب الفني فقط، بل امتد للجانب السياسي والرقابي عبر البرلمان الإيراني. جعفر بور كبكاني، النائب في البرلمان الإيراني، قدم قراءة مغايرة تماما للمشهد. وعبر منصات التواصل الاجتماعي، قام بور كبكاني بشرح ما تم تداوله من الصور المتاحة، معتبرا أن ما تم تصويره ليس نفطا خاما إيرانيا، بل هو مزيج من الزيوت ومخلفات “مياه التوازن” التي أفرغتها ناقلة نفط أوروبية بشكل غير قانوني في المياه الإقليمية.
ووصف بور كبكاني الرواية التي تقول إن إيران أفرغت نفطها بسبب امتلاء المخازن بأنها “محض كذب وجزء من العمليات النفسية التي يشنها الأعداء“. واعتبر أن المتسبب الحقيقي هو سفينة أجنبية تسببت بضرر بيئي جسيم للمنطقة دون مراعاة للقوانين البحرية، محذرا من أن محاولة إلصاق هذه التهمة بإيران تهدف إلى ضرب سمعة محطة خارك النفطية، التي تُعد من أكثر المحطات موثوقية في العالم، حيث يستلم العملاء الدوليون شحناتهم منها دون الحاجة لطرف ثالث للتدقيق، وهو ما يعد صك براءة لجودة واحترافية العمليات هناك.

المنطق الجغرافي: الرياح لا تكذب
في سياق تفنيد الرواية الخارجية، استندت الجهات الإيرانية إلى علم الأرصاد الجوية كدليل مادي لا يقبل التأويل. أوضح المدير العام لشركة المحطات النفطية، عباس أسد روز، أن الادعاءات تقول إن البقعة تتجه نحو عمق البحر والجنوب الغربي، لكن البيانات المناخية في وقت رصد البقعة تشير إلى أن الرياح كانت “شمالية غربية” بسرعة تصل إلى 20 عقدة بحرية.
وفقا لهذا التحليل، فإن الرياح الشمالية الغربية كانت ستدفع أي بقعة نفطية – لو وجدت فعلا- باتجاه السواحل الإيرانية والشرق، وليس باتجاه المياه الدولية في الجنوب الغربي كما زعم المروجون للخبر. هذا التناقض الصارخ بين اتجاه الرياح وحركة البقعة المزعومة في التقارير الخارجية كان بالنسبة للمسؤولين الإيرانيين “الدليل القاطع” على أن القصة مختلقة أو أن الصور تم التلاعب بسياقها الزماني والمكاني لإحداث إرباك في الرأي العام.

كابوس “مياه التوازن”: العدو الخفي للبيئة البحرية
في محاولة لتقديم إجابة علمية شافية حول ماهية تلك اللقع، أوضح المسؤولون في منظمة حماية البيئة، ومنهم غلام رضا فقيه، نائب هيئة البيئة في بوشهر، أن الأزمة ناتجة عما يعرف بـ “مياه التوازن” (Ballast Water). ولشرح هذه الظاهرة تقنيا، فإن السفن العملاقة عندما تفرغ حمولتها من النفط، تصبح خفيفة جدا وغير مستقرة في عرض البحر، مما يضطرها لضخ كميات ضخمة من مياه البحر في خزانات خاصة للحفاظ على توازنها وقدرتها على المناورة.
المشكلة تكمن في أن هذه المياه غالبا ما تختلط ببقايا الزيوت والشحوم داخل الخزانات، وعند وصول السفينة إلى وجهتها التالية لتحميل النفط، تقوم بتفريغ هذه المياه “الملوثة” في البحر.
وأشار المسؤولون إلى أن الناقلة المتسببة في هذه الحادثة كانت قد تعرضت لأضرار سابقة بالقرب من مضيق هرمز، مما جعل مياه التوازن التي أفرغتها في محيط “خارك” مشبعة بالمواد النفطية بشكل غير معتاد، وهو ما خلق تلك البقع الضخمة التي رصدتها الأقمار الصناعية. وتعد هذه العملية جريمة بيئية لأنها لا تكتفي بنقل الزيوت فحسب، بل تنقل كائنات حية دقيقة وميكروبات من موانئ بعيدة، مما يسبب خللا في النظام البيئي المحلي.

تحرك الميدان: من 45 كيلومترا إلى الحصار
بمجرد ثبوت وجود التلوث (بغض النظر عن مصدره)، لم تكتفِ السلطات الإيرانية بالنفي الإعلامي، بل تحركت الفرق الميدانية لمحاصرة الكارثة. وبحسب تصريحات غلام رضا فقيه، نائب هيئة البيئة في بوشهر، فقد تم التنسيق مع إدارة الموانئ والملاحة البحرية في محافظة بوشهر لبدء عمليات التطهير فورا. وأكد فقيه أن الجهود المكثفة أسفرت عن تقليص مساحة التلوث بشكل كبير، حيث تراجعت من 45 كيلومترا في بدايتها يوم الخميس 8 مايو/أيار 2026، إلى نحو 11 كيلومترا فقط في غضون أيام قليلة.
هذا التحرك السريع يعكس الأهمية الاستراتيجية والبيئية لجزيرة خارك، حيث لا يمكن للدولة أن تسمح باستمرار تلوث بهذا الحجم في منطقة حساسة تضم شعابا مرجانية وثروة سمكية هائلة، بالإضافة إلى كونها منطقة عمليات نفطية حيوية.
وأكدت هيئة البيئة الإيرانية أنها تراقب الوضع عبر الأقمار الصناعية والزيارات الميدانية المستمرة لضمان عدم عودة التلوث والتحقق من التزام كافة السفن والشركات العاملة بالمعايير البيئية الصارمة.

الدروس المستفادة من بقعة “خارك”
تظل واقعة انتشار بقع الزيت في جزيرة خارك نموذجا حيا لكيفية تقاطع البيئة مع السياسة في منطقة ملتهبة ومليئة بالاضطرابات مثل الخليج العربي. فبينما حاولت عدة روايات تصوير الحادث كإهمال تشغيلي أو تفريغ عمدي للنفط الإيراني، أثبتت المعطيات الفنية وتصريحات المسؤولين في إيران أن الخلل يكمن في تجاوزات السفن العابرة واستهتارها بالقوانين البيئية الدولية فيما يخص مياه التوازن.
إن هذه الحادثة، رغم السيطرة عليها، تدق ناقوس الخطر حول ضرورة تشديد الرقابة الإقليمية والدولية على ناقلات النفط، لضمان ألا يتحول الخليج إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية على حساب الطبيعة والإنسان. فالحقيقة، كما الرياح الشمالية الغربية، لا يمكن إخفاؤها خلف أدخنة الإشاعات.

