- زاد إيران - المحرر
- 512 Views
كتب: الترجمان
في هجوم غير معتاد على أداء رئيس الجمهورية وحكومته، وجّهت صحيفة “خراسان” انتقادات حادة لما وصفته بـ«غياب الفكرة المتماسكة لإدارة البلاد»، معتبرة أن إيران تواجه اليوم أزمة مركّبة لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو المؤشرات المالية، بل امتدت إلى عمق الثقة العامة والشعور الجمعي للمجتمع. ولفتت الصحيفة إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الأزمات، بل في عجز الحكومة عن تقديم تصور واضح ومقنع لعبور هذه المرحلة شديدة الحساسية.
وترى «خراسان» أن فهم ما يجري في المجتمع الإيراني لا يبدأ من الأرقام الرسمية ولا من استطلاعات الرأي، بل من ذلك الصوت الخفي الكامن تحت جلد الرأي العام؛ صوت يظهر في سلوك الناس الاقتصادي، وفي محادثاتهم اليومية، وفي ردود أفعالهم تجاه الأخبار السياسية والمعيشية. هذا الصوت، بحسب الصحيفة، يعكس شعورا متزايدا بالقلق وعدم اليقين، وشكا في قدرة الحكومة على إدارة الأزمات المتراكمة.
وتؤكد الصحيفة أن هذا التصور لا يعني بالضرورة غياب القرار أو الفعل التنفيذي، لكنها ترى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب «الفكرة» الواضحة، أو عجز الحكومة عن تحويل ما تملكه من سياسات إلى صورة ذهنية مطمئنة لدى المجتمع. فالفجوة بين خطاب السلطة وواقع الناس اليومي اتسعت، ما جعل الحكومة تبدو في نظر قطاعات واسعة عاجزة عن احتواء التحديات.
أزمة ثقة تتجاوز الاقتصاد
تضع «خراسان» تقلبات السوق في قلب نقدها، لكنها ترفض التعامل معها كظاهرة اقتصادية معزولة. فارتفاع أسعار الدولار والذهب، حتى بعد خطاب رئيس الجمهورية، يُعدّ – وفق تحليل الصحيفة – مؤشرا سياسيا قبل أن يكون اقتصاديا. فالسوق، كما تقول، لا يتفاعل مع الأرقام المجردة، بل مع تصوّره عن المستقبل، ومع درجة وضوح هذا المستقبل أو غموضه.
وتضيف الصحيفة أن هروب الأموال نحو الملاذات الآمنة لا ينبع من دافع المضاربة، بل من انعدام الثقة في إمكانية التنبؤ بالمسار القادم. فعندما يشعر المجتمع بأن البلاد تمر بمرحلة توتر حاد، دون أن يرى لدى الحكومة تصورا متماسكا لعبور هذه المرحلة، يصبح هذا السلوك أمرا طبيعيا. ومن هنا، ترى «خراسان» أن تقلبات العملة وارتفاع تكاليف المعيشة ليست سوى انعكاس مباشر لقلق سياسي واجتماعي أعمق.

حكومة بلا رواية في زمن الأزمات
يتصاعد نقد الصحيفة حين تنتقل من الاقتصاد إلى البعد النفسي والإعلامي، متحدثة عمّا تصفه بـ«إرهاب نفسي مستمر» يتعرض له المجتمع، سواء بوعي أو دون وعي. فالتصوير الدائم للأزمات والانسداد وعدم اليقين، عبر الإعلام الداخلي والخارجي، خلق مناخًا أصبح فيه «الوضع السيئ» هو الحالة الطبيعية في وعي الناس.
وفي هذا السياق، ترى «خراسان» أن الحكومة أخفقت في بناء رواية بديلة قادرة على إعادة الشعور بالسيطرة والأمل والمعنى إلى المجتمع. وتنتقد النظرة الوظيفية الضيقة للإعلام، معتبرة أن التعامل معه كأداة إخبارية فقط في زمن الأزمات خطأ استراتيجي. فالإعلام، بحسب الصحيفة، يتحول في الظروف العادية إلى ناقل للمعلومات، لكنه في أوقات الأزمات يصبح أداة أساسية لضبط النفسية العامة وشرح المسار وإقناع الرأي العام.
وتحذر الصحيفة من أن الصمت، أو التأخير، أو الرسائل المتناقضة، يفتح المجال أمام روايات منافسة لملء الفراغ، مؤكدة أن كلفة هذا النهج قد تكون أعلى بكثير من اتخاذ قرار خاطئ لكن واضح. وفي ظل ما تصفه بـ«الحرب غير الكلاسيكية»، يصبح فقدان السيطرة على السردية العامة خسارة حقيقية للميدان.
مخاطر الوصول إلى نقطة اللاعودة
في أخطر فقرات هجومها، تحذر الصحيفة من أن استمرار هذا النهج قد يدفع البلاد نحو «نقاط غير قابلة للعودة». فالثقة العامة، كما تؤكد، رأس مال يُبنى ببطء شديد، لكنه ينهار بسرعة هائلة. والمجتمع الذي يشعر بأن حكومته لا تملك حتى إدراكا دقيقا لآلامه واضطراباته، مرشح للدخول في حالة من اللامبالاة أو الغضب الصامت، وكلاهما يشكّل تهديدا مباشرا لفاعلية الحكم.
وتربط الصحيفة هذا الخطر بسوء تقدير طبيعة الصراع القائم، منتقدة اختزال مفهوم «الحرب» في الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما انتقل الميدان الحقيقي – منذ فترة – إلى ساحات الاقتصاد، والإعلام، والرأي العام، والمعنى. وتؤكد أن الدولة التي تستخف بقوتها الناعمة، من الإعلام إلى رأس المال الاجتماعي، تكون قد عطّلت عمليا جزءا أساسيا من قدرتها الدفاعية.

وفي خاتمة تقريرها، تدعو «خراسان» إلى مراجعة جادة في أسلوب إدارة البلاد، وسماع صوت الناصحين لا بدافع المصلحة السياسية، بل بدافع الضرورة الوجودية. فإيران، بحسب الصحيفة، لا تحتاج اليوم إلى قرارات متفرقة أو معالجات جزئية، بل إلى فكرة جامعة ترى السياسة والاقتصاد والمجتمع في إطار واحد متماسك، وتستطيع أن تخاطب الناس بوضوح: «نعرف أين نحن، ونعرف التحديات، ونعرف طريق العبور». وبدون هذه الفكرة، تحذر الصحيفة، سيضيع حتى القرار الصحيح في ضجيج عدم الثقة.
تخلص الصحيفة في تحليلها إلى أن الأزمة الحقيقية التي تواجهها الحكومة الإيرانية اليوم ليست مجرد أرقام اقتصادية أو ضغوط معيشية، بل هي أزمة “معنى وثقة” ناتجة عن غياب رؤية سياسية وإعلامية موحدة؛ فبينما يغرق المجتمع في بحر من القلق وعدم اليقين، يبدو الصمت الحكومي أو الخطاب المشتت بمثابة وقود لتعميق الفجوة بين السلطة والشارع.

