- زاد إيران - المحرر
- 933 Views
أجرت صحيفة “اقتصاد نيوز” الإيرانية، الأربعاء 16 يوليو/تموز 2025، حوارا موسعا مع أمير علي أبو الفتح، المحلل البارز في شؤون العلاقات الدولية، تناول فيه الجدل المتجدد داخل إيران حول العلاقة بين الدبلوماسية والعمل الميداني، في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين.

وفي ما يلي نص الحوار:
كيف تردون على من يشككون في صلاحية الحكومة لتمديد وقف إطلاق النار ويعيدون طرح ثنائية الدبلوماسية والميدان بعد تصريحات الرئيس والجهاز الدبلوماسي؟
في رأيي، لا ينبغي تحويل هذا الموضوع إلى ثنائية متقابلة، هذان المساران متزامنان ويكمل أحدهما الآخر، في مثل هذه القضايا، لا أتبنى منطق “إما هذا أو ذاك”، بل أؤمن بمنطق “هذا وذاك” في آن معا؛ أي “الدبلوماسية والميدان”، “المفاوضات والمقاومة”.
ينبغي أن يسير هذان المساران في الوقت ذاته، كلاهما يشكلان جناحين يدفعان حركة الدولة إلى الأمام، وكما ينبغي أن تتمتع الدولة بالقوة، فعليها أيضا أن تستثمر في القطاعات الدفاعية والعسكرية حتى تتمكن من الرد الحاسم في حال وقوع عدوان عسكري؛ وفي الوقت نفسه، يجب أن تسعى إلى التوصل إلى اتفاق جيد.
ليس كل اتفاق جيدا؛ انظر الآن إلى وضع حماس وإسرائيل، فهما يتفاوضان، وقد عقدا خمس أو ست جولات من المفاوضات، في بعض هذه الجولات توصلا إلى اتفاقات، مثل وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى والرهائن. وبعضها الآخر لم يسفر عن نتيجة، هذا لا يعني أن حماس قدّمت تنازلات أو تراجعت، حماس تتفاوض حين تقتضي مصلحتها ذلك، وتمتنع حين لا تقتضي، والأمر نفسه ينطبق على إسرائيل، لذا، فالمفاوضات بحد ذاتها ليست أمرا مرفوضا؛ ما هو مرفوض هو “الاتفاق السيئ”.
وظيفة الجهاز الدبلوماسي هي بالضبط هذا الأمر، هم يتقاضون الرواتب من أجل ذلك، ووزارة الخارجية أُسّست لهذا الغرض أساسا؛ تماما كما أُسست وزارة الدفاع للشؤون العسكرية، وكما وُجدت القوات المسلحة من أجل الدفاع عن البلاد.
أداة العسكريين هي السلاح والصواريخ والحرب؛ أما أداة الدبلوماسية فهي التفاوض والحوار والتشاور، لا يمكن أن نتوقع من وزارة الخارجية أن تخوض الحرب، تماما كما لا يمكن أن نتوقع من القوات المسلحة أن تتولى التفاوض، هذه الثنائية في أصلها خاطئة، هذان جناحان يجب أن يتحركا معا في وقت واحد.
القرار بشأن التفاوض أيضا يعود للنظام، إذا رأى أن المصلحة تقتضي، تُعقد المفاوضات، ولو كانت غير مباشرة؛ وإذا لم يرَ أن فيها مصلحة، فلن تُعقد، هذه الأمور تُحسم في المستويات العليا للنظام السياسي في إيران، وفقا للدستور والهيئات المحددة فيه.
بعد إعلان وقف الأعمال العدائية، ظهرت شخصيات قالت إنكم لا تملكون أصلا الحق في إعلان وقف إطلاق النار أو وقف الأعمال العدائية، لأن هذا القرار من صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة.
في البلاد، يحق لكل شخص أن يعبّر عن رأيه، وأن يطرح تحليله، أو وجهة نظره، أو توصياته، بعضهم متشدد، بعضهم معتدل، بعضهم إصلاحي، بعضهم من أصولي، بعضهم يدعم ظريف، وبعضهم يدعم تيار “بايداري”. كل طرف يقوم بدوره.
ما يهمّ هو مخرجات النظام، قرار وقف الأعمال العدائية يُتخذ ضمن التسلسل الهرمي لصنع القرار داخل النظام، القائد العام للقوات المسلحة هو من يقرر ما إذا كان سيتم إطلاق النار أم لا، وما إذا كانت الهجمات ستُنفذ أو تتوقف.
لذلك، عندما يُعلَن وقف الأعمال العدائية، من الواضح أن القرار قد اتُّخذ على مستوى عالٍ، حتى لو أُعلن على لسان أحد المسؤولين، فهذا لا يعني بالضرورة أن ذلك المسؤول هو من اتخذ القرار؛ بل أعلن القرار الذي تم اتخاذه في إطار عملية صنع القرار داخل النظام، وبالتالي، من يوجّه الانتقاد، عليه أن يوجهه إلى بنية اتخاذ القرار، لا إلى الشخص الذي تولّى الإعلان.
النقطة الثانية هي أنه إذا قرر النظام الدخول في مفاوضات، فسيتم ذلك وفق شروط خاصة، الرئيس الإيراني بزشكيان هو رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، سواء شاء المعارضون أم أبوا، قبله شغل هذا المنصب كل من رؤساء الجمهورية رئیسي، روحاني، أحمدينجاد، خاتمي وهاشمي رفسنجاني، القضايا السياسية والأمنية تُناقش داخل هذا المجلس، ثم تُعرض قراراته للمصادقة من قبل القيادة، من لديه اعتراض، فعليه أن يشير إلى هذه الآلية.
ـ عندما يتحدث بزشكيان، لا يتحدث بصفته الشخصية فقط؛ بل بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، حتى لو لم يكن رئيسا لإيران، فإن موقعه هذا لا يتغير.
برأيك، ما توصيفكم للحالة الراهنة التي وصفتموها بـ”وقف الأعمال العدائية”؟ يبدو أننا نعيش في حالة معلقة؛ لا حرب، ولا سلام. كيف تقيّمون ذلك؟
الحالة الراهنة هي وقف للأعمال العدائية، لا حرب ولا سلام، وقف الأعمال العدائية يحدث عندما يقرّر الطرفان الكف عن إطلاق النار، أما وقف إطلاق النار فهو مرحلة أكثر تقدّما، حيث يُكتب نصّ عادة، وبحضور وسيط، تُحدَّد فيه شروط التوقف عن إطلاق النار، والانسحاب، وتبادل الأسرى، بل وقد يصدر به قرار من مجلس الأمن، لكن في الوضع الراهن بين إيران وإسرائيل أو إيران وأمريكا، لا شيء من هذا القبيل حاصل.
الوضع بين إيران وإسرائيل وأمريكا غير مستقر وغامض، في لحظة، تهاجم إسرائيل إيران، فتردّ إيران، وفي لحظة أخرى، لا يحدث هجوم، ولا رد، هذا يعني أننا لا نعيش حربا، ولا نعيش سلاما.
الوضع غير مستقر ومليء بالغموض، ولو لم يكن كذلك، لكان الطرفان اتجها نحو وقف لإطلاق النار أو عقد اتفاق سلام، لذلك، يجب على المسؤولين المدنيين والعسكريين أن يكونوا مستعدين في كل لحظة لاحتمال أن يُخرق وقف الأعمال العدائية وتُستأنف المواجهات من جديد.

إذا جرت مفاوضات، هل ينبغي أولا تدوين وقف الأعمال العدائية على الورق وتحويله إلى وقف لإطلاق النار، ثم الانتقال إلى التفاوض مع أمريكا؟
لا، ليس ذلك ضروريا، وقف الأعمال العدائية قائم بحد ذاته، إذا تحوّل إلى وقف لإطلاق النار، فذلك يُعد خطوة إلى الأمام، لكن إيران لا تعترف بإسرائيل، وبالتالي لا يمكن توقيع اتفاق رسمي معها، أما مع أمريكا، فربما يكون ذلك ممكنا، لكن مع إسرائيل لا.
إذا قرر النظام استئناف المفاوضات، فسيحدث ذلك سواء كنتُ أنا، أبوالفتح، موافقا أو مخالفا، يمكنني أن أقدّم نقدا، لكن القرار يعود إلى النظام، قبل الجولة الأولى من مفاوضات عُمان، لم يكن هناك قرار بالتفاوض، وبعدها تقرر الدخول في مفاوضات، وقد قال المرشد الأعلى بإيران سابقا، في تعليقه على تسريب ملف ظريف، بصراحة إن السياسة الخارجية تُرسم في المجالس العليا، ووزارة الخارجية ليست سوى جهة تنفيذية لها.
المادة 110 من الدستور تنص على أن السياسات العامة تُحدَّد من قبل القيادة بالتشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، كما أن المجلس الأعلى للأمن القومي، وفقا للدستور، لا تُنفّذ قراراته إلا بعد تصديق المرشد لذلك، فإن كل خطوة تُتخذ هي نتاج مسار واضح، لا قرار فردي أو صادر عن جهة واحدة بعينها.
إذا بدأت مفاوضات، هل ستكون حول الملف النووي فقط أم ستتناول قضايا أخرى أيضا؟
الأمريكيون يريدون مفاوضات شاملة: نووية، صاروخية، وإقليمية، أما إسرائيل، فقد صرّح نتنياهو مؤخرا بأن لها ثلاثة شروط: وقف التخصيب بالكامل، تقليص مدى الصواريخ الإيرانية إلى 300 ميل، ووقف دعم إيران للقوات الوكيلة.
لكن إيران تقول إنها لن تتخلى عن التخصيب، وإنها لن تتفاوض إلا بشأن الملف النووي، هذا كان موقف إيران قبل وبعد الهجوم الإسرائيلي ولم يتغير، لذلك، وبسبب تباعد المواقف، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، ولا يُعرف ما إذا كانت الجولة السادسة من المفاوضات ستبدأ أم لا.

إذا، وقف إطلاق النار الذي أشرتم إليه، هل من المحتمل أن يُخرق؟ هل هذا هو الاحتمال الأقرب؟
كل هذه السيناريوهات تبقى في نطاق الاحتمالات، لا أستطيع أن أجزم أيها أقرب إلى التحقق؛ فمن الممكن أن يُلغى وقف الأعمال العدائية، ومن الممكن أن تبدأ حرب، كما من الممكن أن تنتهي، قد لا تُجرى مفاوضات، أو بالعكس، قد تجرى، قد لا يتم التوصل إلى اتفاق، أو قد يُبرم اتفاق، كل هذه الأمور واردة ضمن الاحتمالات.
لم أحدد نسبا أو أولويات لأي منها؛ فمثل هذا التقييم يتطلب معلومات أوفى وأكثر دقة، لذلك لا أستطيع أن أقول أي من هذه السيناريوهات هو الأكثر ترجيحا.

