- زاد إيران - المحرر
- 346 Views
في لحظات اشتداد الجدل السياسي، تتقدم السرديات الشخصية أحيانا على حساب التحليل الرصين، ويتحول النقاش العام من مساءلة القرارات إلى استعراض المواقف، وبين الذاكرة السياسية والخطاب الراهن، تبرز أسئلة جوهرية حول حدود المسؤولية، وأخلاقيات الحديث عن القضايا المصيرية، والفارق بين التحذير وبناء الروايات المريحة للذات، وفي تقاطع كل ذلك، يقف رجل لطالما كان محل الجدل في الداخل الإيراني، سواء وهو في المنصب أو خارجه، ليعيد صياغة ما حدث خلال حرب يونيو/ حزيران 2025، الصياغة التي فتحت عليه أبواب النقد.
ماذا قال روحاني تلك المرة؟
خلال لقائه مع مجموعة من مسؤولي الحكومة خلال فترتي رئاسته، الإثنين 15 ديسمبر/ كانون الأول 2025، قال حسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، إن نقاشات جرت قبل نحو عشرة إلى خمسة عشر عاما داخل دوائر الحكم كانت تقوم على قناعة راسخة لدى بعض المسؤولين، الذين وصفهم بالموثوقين، بأن احتمال شن إسرائيل أو الولايات المتحدة هجوما على إيران معدوم تماما، وبحسب روايته، كان هؤلاء المسئولون يعتقدون أن أي هجوم محتمل سينتهي خلال أيام بتدمير إسرائيل، وبسقوط عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في المنطقة.

وأوضح روحاني، خلال حديثه، أن طرح سيناريو الهجوم خلال فترة رئاسته كان يواجه دائما برفض من قبل من نعتهم بأصدقاء ذوي خبرة، كانوا يجزمون بأن إسرائيل لن تقدم على خطوة كهذه، وأضاف أن هؤلاء كانوا يسوقون تحليلات تؤكد أن كلفة أي هجوم ستكون باهظة إلى حد يمنع واشنطن وتل أبيب من الإقدام عليه.
كما وصف روحاني أصحاب هذه الآراء بأنهم شخصيات محل ثقة، شاركوا في عملية إعداد القرار ورفعوا تقديراتهم إلى مستويات عليا، من دون أن يسميهم أو يحدد مواقعهم الرسمية.
روحاني أيضا أشار إلى أن البلاد، وبعد مرور أشهر على حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/ حزيران 2025، لا تزال تعيش حالة لا حرب ولا سلم، وسط غياب الشعور بالأمن، كما خالف الخطاب الرسمي السائد الذي يتحدث عن تفوق عسكري، معتبرا أن الأجواء بين إسرائيل وإيران باتت مفتوحة بالكامل أمام الخصم.

وفي سياق متصل، وصف تقديم تقديرات أمنية خاطئة للقيادات بأنه أعلى درجات الخيانة، محذرا من التسليم السهل بتقارير المستويات الأدنى، كما انتقد ما اعتبره مبالغة في توصيف القوة العسكرية، داعيا إلى تعزيز القدرات الواقعية والتعامل بحذر مع الحسابات غير الدقيقة، بالتوازي مع اتخاذ خطوات جدية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية.
وعلى ذكر قدرات إيران أمام إسرائيل، فلم يكن روحاني الأول الذي يتحدث عن تضخيم القدرات الإيرانية، فقد حذر حسين علائي، القائد السابق للقوات البحرية في الحرس الثوري، من قصور واضح في أداء البنية الاستخباراتية الإيرانية في التعامل مع التهديدات الإسرائيلية، معتبرا أن الهيكل الحالي لا يتناسب مع طبيعة ومستوى المخاطر التي يشكلها الكيان الإسرائيلي، ويحتاج إلى إعادة تنظيم شاملة تقوم على تركيز أكثر تخصصا وفاعلية.

وفي تصريحات نشرها موقع أكو إيران مساء السبت، 20 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أشار علائي إلى أن التطورات الأمنية الأخيرة تكشف خللا في آليات الرصد والاستباق، موضحا أنه لو كانت الأجهزة الاستخباراتية تركز بصورة صحيحة على نشاطات إسرائيل، لكان من المفترض أن ترصد مسبقا خطط استهداف قادة وعلماء إيرانيين، ولا سيما تنفيذ عمليات اغتيال عبر هجمات جوية.
كما أكد علائي أن جهاز الموساد يعد من أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، وأن تجربة حرب الأيام الاثني عشر أظهرت بوضوح أن إيران لم تنظم منظومتها الاستخباراتية بما يتناسب مع حجم ونوعية العمليات الاستخباراتية والأمنية التي تنفذها إسرائيل ضدها.
كما انتقد القائد السابق للحرس الثوري ما وصفه بتداخل المهام داخل المنظومة الاستخباراتية، لافتا إلى أن جهازي وزارة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري يعملان في الوقت ذاته على ملفات الأمن الداخلي وملف إسرائيل، وهو ما أثبت، بحسب تعبيره، عدم جدواه في تحقيق نتائج ملموسة، داعيا في هذا السياق إلى توزيع واضح للمهام، بحيث يخصص أحد الجهازين تركيزه الكامل على الملف الإسرائيلي، بينما يتولى الآخر مسؤوليات الأمن الداخلي، مشيرا إلى أن غياب هذا التخصص حال دون اكتشاف سيناريوهات الهجوم المحتملة، موضحا أن إسرائيل انتقلت من أساليب الاغتيال الداخلية إلى تنفيذ عمليات من الجو، من دون أن تتخذ إجراءات وقائية كافية لمواجهة هذا التحول.
جوان الأصولية…الشيخ البلوجر
في المقابل، لم تصمت صحيفة جوان الأصولية المقربة من الحرس الثوري عن الرد، ففي تقرير لها الأحد 21 ديسمبر/ كانون الأول 2025، كتبت قائلة” روحاني كلاما عن سلوك بعض العسكريين والسياسيين قبل حرب الأيام الاثني عشر، بدا أقرب إلى خطاب المدونين والمؤثرين والمشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يضعون أيديهم مباشرة على المشاعر الشعبوية للجمهور من أجل جمع المتابعين، فقد استعرض مزاعم بعض الأشخاص الذين كانوا يرون أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية مستحيلة، وأنهم ينقلون هذه المعلومات إلى المرشد الأعلى” وقدم نفسه بوصفه شخصا يقظا لم يكن يعتقد بذلك، هذا الأسلوب لا يليق بسياسي، بل يشبه أكثر أسلوب مدوني إنستغرام و الرياضيين والممثلين المسيسين الذين يريدون إظهار أنفسهم على أنهم قادة رأي للبلاد، تدوين بعباءة القيادة، وهو، بتاريخه، كان الأجدر أن يكون راوِي انتصار في الحرب مع أميركا والصهاينة، لا راوِيَ هزيمة”.

وتضيف الصحيفة أن خطاب “أنتم لم تفهموا، وأنا فهمت” ليس جديدا على روحاني، بل يشكل امتدادا لأسلوب استخدمه طوال سنوات وجوده في السلطة، فالرئيس السابق، بحسب جوان، كان أحد أبرز من لجأوا إلى الخطاب الحماسي السياسي والشعارات الكبرى التي تحولت لاحقا إلى أمثال شائعة في الخطاب العام، من وعود الإلغاء الشامل للعقوبات إلى تصوير الاتفاق النووي كحل سحري للأزمات، ورغم التحذيرات المتكررة من هشاشة تلك الوعود، لم يتراجع روحاني عنها في وقتها، ما يجعل، وفق الصحيفة، من غير المنطقي أن يقدّم نفسه اليوم ناقدا للتقديرات الخاطئة للآخرين.
وفي تتابع لتحليل الرواية التي طرحها روحاني، تشير جوان إلى أنه يستند إلى أقوال أشخاص غير مسمين، يصفهم بالموثوقين كانوا يستبعدون احتمال وقوع هجوم عسكري، ويؤكدون أن كلفته ستكون كارثية على إسرائيل والولايات المتحدة، وترى الصحيفة أن عرض هذه الأقوال بهذه الطريقة يوحي ضمنيا بأن مستويات عليا في النظام ربما تأثرت بتلك التقارير، بينما كان هو في موقع التحذير والعقلانية، غير أنها تشدد على أن هذا الإيحاء لا يقوم على معطيات موثقة، ولا يشرح آليات اتخاذ القرار داخل الدولة، بل يندرج في إطار تحميل المسؤولية لأطراف مبهمة.
وتضيف الصحيفة أن أخطر ما في هذا الخطاب هو تحويل النقاش من مستوى مؤسسي إلى مستوى شخصي، فبدل تحليل البنى والآليات التي تنتج القرار، يجري اختزال المسألة في حكاية فردية تبرز فطنة المتحدث في مقابل سذاجة الآخرين، ووفق جوان، فإن هذه المقاربة تشبه أساليب المدونين والمؤثرين أكثر مما تشبه خطاب رجال الدولة، لأنها تعتمد على الإقناع العاطفي وصناعة الثنائيات بدل النقاش العقلاني.
وفي تتابع للسياق الأوسع، ترى الصحيفة أن روحاني يتجاهل حقيقة أساسية في السياسة الدولية، وهي أن الحرب والسلم لا يخضعان لمنطق التنبؤ البسيط، فعدم اليقين عنصر جوهري في العلاقات الدولية، ولا يمكن لأي مسؤول أن يتباهى بعد الأحداث بصحة توقعاته، وأن معيار النضج السياسي لا يكمن في الادعاء بأن الآخرين كانوا مخطئين، بل في الاستعداد لكل السيناريوهات، حتى تلك التي تبدو احتمالاتها ضئيلة، وتتابع أن السخرية من التحذيرات أو التقليل من شأن المخالفين في قضايا مصيرية كالحرب، لا تعبر عن قوة سياسية، بل عن شخصنة للسياسة وتحويلها إلى ساحة تصفية حسابات، فيما تلفت إلى أن الفرق الجوهري بين السياسي والمدون أو المشهور هو تحمّل المسؤولية عن تبعات الكلام، إذ يتعامل السياسي مع أرواح البشر والاقتصاد والأمن القومي، لا مع جمهور يبحث عن رواية جذابة.

وفي هذا السياق، ترى جوان أن محاولة إعادة كتابة أحداث حساسة بعد وقوعها، عبر خطاب يبرئ الذات ويلقي باللوم على محضري القرار، لا تساهم في بناء الثقة، بل تعمق الشكوك حول صدقية الخطاب السياسي، وتضيف أن استخدام الحرب أو التهديد بالحرب كمنصة لتلميع الصورة الشخصية أو للعودة إلى واجهة النقاش العام، يفرغ السياسة من بعدها المؤسسي ويحوّلها إلى ممارسة استعراضية.
وتخلص الصحيفة في خلاصة موقفها إلى أن ما تحتاجه البلاد ليس سرديات متأخرة ولا تبادل اتهامات بعد الأزمات، بل خطابا قائما على الشواهد والبيانات والتحليل الواقعي، يأخذ في الحسبان كلفة القرارات على المدى القصير والطويل، ويضع المصلحة الوطنية، بما فيها كرامة المجتمع وثقته بمؤسساته، فوق أي اعتبارات شخصية أو إعلامية، وتؤكد أن السياسة الرشيدة لا تقاس بقدرة أصحابها على الفوز برواية عابرة، بل بقدرتهم على إدارة المخاطر وبناء قرارات مسؤولة في لحظات الشدة.

