أبعاد المخطط الإسرائيلي تجاه إيران.. من محاولات الإطاحة إلى استراتيجية “نشر الفوضى”

كشفت التقارير الإعلامية والتصريحات الدبلوماسية الأخيرة عن تحولات دراماتيكية في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران، حيث انتقل الصراع من الظل إلى مواجهة مباشرة وخطط معقدة استهدفت كيان الدولة ووجودها. وتشير المعطيات المسربة إلى أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب، بدعم مباشر من حكومة بنيامين نتنياهو وبالتنسيق مع الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، قد وضعت “مخططا سريا” تجاوز حدود العمليات التخريبية المعتادة.

وكان الهدف منه أن يصل إلى تصور متكامل لاحتلال العاصمة طهران وتفكيك الهيكل السياسي والعسكري للبلاد عبر هجوم منسق متعدد الجبهات، وهو المخطط الذي أثار جدلا واسعا بعد تداول أنباء فشله الميداني وما ترتب عليه من تداعيات إقليمية.

تفاصيل “خطة الموساد” والمراحل الأربع لتفكيك الدولة

وفقاً لما أوردته تقارير “إسرائيل هيوم“، فإن الموساد الإسرائيلي أعاد إحياء مشروع قديم كان قد وُضع على الرف في سنوات سابقة، إلا أن عودة نتنياهو للسلطة منحت هذا المشروع زخما جديدا وحولت أنظار القيادة السياسية نحو “الحل الجذري”. اعتمدت هذه الخطة على أربعة فازات أو مراحل زمنية متداخلة تهدف إلى شل قدرة الدولة الإيرانية. 

بدأت المرحلة الأولى باستهداف رأس الهرم السياسي عبر محاولة اغتيال القيادة العليا بهدف إحداث فراغ سياسي وتفجير صراعات داخلية بين الأجنحة المختلفة، تليها المرحلة الثانية التي تتضمن شن هجمات جوية واسعة النطاق تنفذها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر لتدمير المنشآت العسكرية الحساسة واغتيال القادة الميدانيين لإضعاف القدرات الدفاعية والردعية.

أما المرحلة الثالثة، فقد استهدفت البعد الاجتماعي عبر تحريك “خلايا نائمة” ودعوة شخصيات معارضة في الخارج، وعلى رأسهم رضا بهلوي، لإصدار نداءات بالعصيان المدني والنزول إلى الشوارع تحت شعار “الفوضى الاجتماعية الشاملة” لإرباك الأجهزة الأمنية. 

وفي المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي الأخطر ميدانيا، كان من المقرر تحريك الأكراد إضافة إلى المجموعات الانفصالية الكردية المتمركزة في إقليم كردستان العراق، وتزويدها بتمويل ضخم وسلاح متطور للتوغل عبر الحدود الغربية نحو طهران. هذه المرحلة صُممت لتكون الضربة القاضية التي تنهي وجود النظام الحالي عبر تدخل بري يدعمه فراغ أمني واضطراب سياسي في المركز.

العوامل الجيوسياسية والميدانية التي أدت لإفشال المخطط

رغم الدقة المفترضة في تصميم المخطط، إلا أن الواقع الميداني أثبت عدم دقة الحسابات الإسرائيلية في تقدير سرعة الاستجابة الإيرانية. فبينما نجح الهجوم الأولي في إحداث خسائر، إلا أن الفشل في إثارة الفتنة الداخلية كان حاسما، حيث أظهرت المؤسسات العسكرية ممثلة في الجيش والحرس الثوري تماسكا غير متوقع وقدرة سريعة على الرد المضاد. 

كما أن الرهان على “الشارع” لم يؤتِ ثماره، إذ لم تستجب الجماهير لدعوات القوى الخارجية، وبقيت السيطرة الميدانية في المدن الكبرى بيد القوى المؤيدة للنظام، مما جعل فكرة “التمرد الاجتماعي” تتبخر قبل أن تبدأ، وأدى ذلك بوضوح إلى تراجع الشخصيات المعارضة في الخارج عن المضي قدماً في دعواتها خوفاً من الفشل التام.

على الصعيد الإقليمي، لعبت التوازنات الدولية دورا محوريا في إحباط المرحلة الرابعة من المخطط. فقد أبدت دول الجوار، وتحديدا تركيا، رفضا قاطعا لاستخدام الورقة الانفصالية الكردية لزعزعة استقرار المنطقة، خوفا من ارتدادات ذلك على أمنها القومي. وبالتوازي مع ذلك، نفذت القوات الإيرانية ضربات صاروخية مركزة على قواعد الجماعات الانفصالية في العراق، مما أدى إلى شل حركتها قبل أن تتمكن من عبور الحدود. 

هذا الفشل الميداني والسياسي أجبر نتنياهو وترامب على التخلي عن “خطة الموساد” الطموحة والعودة إلى “خطة الجيش الإسرائيلي” التي تركز على الضغط المستمر وفرض الإملاءات بدلاً من محاولة إسقاط الدولة عسكرياً، وهو ما يفسر استمرار التوترات الراهنة.

Image

الاستراتيجية البديلة: من تغيير النظام إلى نشر الفوضى الشاملة

في قراءة مغايرة للأهداف الإسرائيلية، يطرح دانيال ليفي، المفاوض الإسرائيلي السابق، رؤية تعتبر أن الهدف الحقيقي لتل أبيب لم يكن يوما “تغيير النظام” واستبداله بنظام آخر مستقر، بل كان “تدمير الدولة” وتحويل إيران إلى كيان فاشل يعمه الهرج والمرج. 

وتعتمد هذه الاستراتيجية على فكرة “الهيمنة عبر التفتيت”، حيث يسعى مشروع “إسرائيل الكبرى” ليس فقط للتوسع الجغرافي، بل لضمان ألا تحيط به إلا دول ممزقة أو منهارة أو غارقة في صراعات إثنية وطائفية. ومن هذا المنظور، فإن بقاء إيران في حالة فوضى دائمة يخدم المصالح الإسرائيلية أكثر من وجود نظام معارض قوي أو حتى نظام جديد قد لا تضمن تل أبيب ولاءه المطلق.

وتشير هذه الرؤية إلى أن إسرائيل حاولت جر الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة لتحقيق هذا الدمار الشامل، مستغلة في الوقت نفسه هشاشة بعض دول الخليج. والهدف من ذلك هو إضعاف جيران إيران أيضاً، ليدركوا أن القوة الوحيدة القادرة على “إدارة الفوضى” في المنطقة هي إسرائيل، مما يضطرهم للارتهان بها أمنيا وتقنياً. 

إن سياسة “التبعية عبر التهديد” تهدف إلى خلق إقليم يكون فيه الجميع ضعيفا ومحتاجا لحماية تل أبيب، وهو ما يفسر سبب عدم اكتراث المخططين الإسرائيليين بالنتائج الإنسانية الكارثية أو استقرار المنطقة على المدى الطويل، طالما أن التفوق الإسرائيلي (الهيمنة الصلبة) مضمون وسط هذا الركام.

Image

التداعيات الإنسانية والدبلوماسية في المحافل الدولية

على الجانب الآخر من الصراع، نقلت البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة صورة قاتمة لنتائج الهجمات الإسرائيلية الأمريكية، حيث وصف أمير سعيد إيرواني، سفير إيران لدى الأمم المتحدة، التصرفات الإسرائيلية والأمريكية بأنها “جرائم حرب” مكتملة الأركان. ووفقا للبيانات الرسمية التي قُدمت لمجلس الأمن، تسببت الهجمات في سقوط آلاف الضحايا المدنيين وتدمير مئات المؤسسات التعليمية والصحية. 

وكان الحادث الأبرز هو استهداف مدرسة للبنات في مدينة ميناب، مما أسفر عن استشهاد عشرات التلميذات، وهو ما اعتُبر في الخطاب الإيراني دليلاً على أن الهدف لم يكن عسكريا فحسب، بل استهدف ترويع المجتمع المدني وضرب البنية التحتية الحيوية للبلاد.

تؤكد طهران في المحافل الدولية أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول. ويشدد الخطاب الدبلوماسي الإيراني على أن إسرائيل تعمل كـ “كيان مارق” يهدد الأمن والسلم الدوليين ليس فقط في فلسطين ولبنان وسوريا، بل عبر محاولات توسيع دائرة الصراع لتشمل المنطقة بأكملها. 

وتطالب إيران بضرورة محاسبة القادة الإسرائيليين والأمريكيين أمام المحاكم الدولية، محذرة من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الجماعي، ومعتبرة أن الرد على هذه التهديدات يتطلب وحدة إقليمية قوية تتجاوز التدخلات الخارجية.

الدروس المستفادة وسبل تحصين الأمن القومي الإيراني

أمام هذه التحديات الوجودية والمخططات المتكررة، يبرز توافق في الداخل الإيراني على ضرورة استخلاص العبر من “خطة الموساد” الفاشلة لضمان عدم تكرارها. أولى هذه الدروس هي تعزيز الوحدة السياسية الداخلية وعدم ارتهان استقرار الدولة بوجوه معينة، بل بمؤسسات قوية وقادرة على العمل تحت أقسى الظروف. 

كما يشدد المحللون على أهمية “الحضور الشعبي” كخط دفاع أول، حيث أثبتت التجربة أن فشل مراحل الفوضى الاجتماعية كان بفضل وعي الجماهير ورفضها الانجرار خلف الدعوات الخارجية التي تهدف لتدمير الوطن تحت مسمى التغيير.

من ناحية أخرى، يتطلب تأمين الحدود الغربية والشرقية مقاربة جديدة تعتمد على التنمية الاقتصادية للمناطق الحدودية لقطع الطريق على الجماعات الانفصالية، بالتوازي مع تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي مع دول الجوار مثل العراق وتركيا لضمان عدم استخدام أراضيها كمنطلقات للعدوان. 

وأخيرا، يبقى خيار “الردع العسكري” هو الضمانة الأكيدة، حيث ترى القيادة الإيرانية أن القوة الصاروخية والقدرات الأمنية للحرس الثوري والجيش هي التي تجبر العدو على التراجع عن خطط الاحتلال والاكتفاء بسياسات الضغط الاقتصادي، مما يجعل الاستثمار في القدرات الدفاعية المتقدمة أولوية قصوى لمواجهة أي “مغامرات” صهيونية-أمريكية قادمة في المستقبل.