- زاد إيران - المحرر
- 514 Views
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة غير مسبوقة من التوتر، تتداخل فيها المهلة السياسية مع الاستعدادات العسكرية، وتتصاعد خلالها لغة التهديد إلى مستوى يضع المنطقة بأسرها أمام احتمال مواجهة مباشرة. المستجدات الأخيرة، كما عكستها التصريحات الرسمية والتحركات الميدانية المتبادلة، تشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد جولة ضغط دبلوماسي، بل باتت اختبارا حقيقيا لحدود الردع لدى الطرفين، في لحظة إقليمية حساسة تتشابك فيها الحسابات الداخلية والدولية.
وبينما كان صوت الدبلوماسية هو المسيطر مؤخرا بين الجانبين، بعقد جولتي تفاوض وصفتها بالإيجابية، فقد عادت الأمور سريعا إلى نقطة التوتر، فتصارع التصريحات وإبداء قوة الردع خلق حالة محتدمة بين العواصم، جعلت الجميع على أهبة الاستعداد في المنطقة لاشتعال حربا جديدة.
بين الدبلوماسية والتهديد… واشنطن تلوح بخيار عسكري خلال أسبوع
فقد أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، اليوم الخميس 19 فبراير/ شباط 2026 تحذيرا مباشرا لطهران، معلنا أن “خلال الأيام العشرة المقبلة سيتضح مصير الاتفاق مع إيران”، فقد أشار إلى أن احتمال التوصل إلى اتفاق لا يزال قائما وأن المفاوضات تجري بشكل جيد للغاية مع الجانب الإيراني وأن ممثليه عقدوا لقاءات إيجابية، لكنه في الوقت نفسه، ربط ذلك بإحراز تقدم ملموس، ملوحا بأن البديل قد يكون الذهاب خطوة أبعد من عملية مطرقة منتصف الليل على حد تعبيره، وهي العملية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد المواقع النووية الإيرانية في نهاية حرب يونيو/ حزيران 2025 بين طهران وتل أبيب.
كما أكد ترامب أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي، وأن هذا الموقف قد أُبلغ لطهران بشدة. وفي سياق التصعيد، أوضح ترامب أن الجيش الأمريكي أبلغه بقدرته على تنفيذ هجوم خلال أسبوع إذا صدر القرار السياسي، في إشارة واضحة إلى جاهزية عسكرية لا تقتصر على الردع اللفظي، بل تستند إلى خطط عملياتية قائمة.
جدير بالذكر أن العلاقات الأمريكية الإيرانية كانت قد شهدت ما يبدو انفراجه في الأسابيع الأخيرة من خلال عقد جولتين بارزتين للتفاوض، عقدت أولهما في مسقط بوساطة عمانية، فيما استضافت جنيف الجولة الثانية في أجواء مشحونة إقليميا ودوليا، وكانت الأطراف قد وصفت الجولتين بالإيجابية والمثمرة.

تأتي هذه التصريحات في وقت تحدثت فيه تقارير غربية عن استعداد الجيش الأمريكي لعملية مستدامة قد تمتد لأسابيع ضد إيران، في حال صدور أمر الهجوم. ووفق ما نقلته وسائل إعلام، فإن البنتاغون يتهيأ لسيناريو أوسع من المواجهات السابقة، مع تعزيز الحضور العسكري في المنطقة.

وفي هذا السياق، كانت الولايات المتحدة قد دفعت بحاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط، هي USS Gerald R. Ford، في خطوة فسرها مراقبون على أنها تعكس استعدادا فعليا لخيارات تتراوح بين ضربات جوية محدودة وعمليات أوسع نطاقا، هذا وتعد هذه الحاملة من أكبر وأحدث حاملات الطائرات في العالم، بما تحمله من رمزية استراتيجية وقدرة نارية عالية، الأمر الذي جعل نشرها يقرأ بوصفه رسالة مباشرة بأن واشنطن مستعدة للانتقال من مستوى الضغط السياسي إلى الفعل العسكري إذا اقتضت التطورات ذلك، فيما رافق الحاملة انتشار مدمرات مزودة بصواريخ موجهة ومقاتلات حديثة، في وقت تحدثت فيه تقارير عن وجود ما بين ٣٠ إلى ٤٠ ألف جندي أمريكي في المنطقة، مع إدراك حساسية القواعد المنتشرة في محيط إيران واحتمال تعرضها لهجمات انتقامية في حال اندلاع مواجهة.
في موازاة ذلك، رفعت تل أبيب حالة الجهوزية تحسبا لأي تطور، فقد ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية يقدرون أن الولايات المتحدة ستبلغ تل أبيب قبل وقت قصير من أي هجوم محتمل على إيران.

ووفق التقرير، فإن المعلومات، حتى لو كانت مبكرة، لن تنشر على الفور، بل سيعلن عنها بالتزامن مع الموجة الأولى من الضربات لتفادي تسريب التفاصيل. كما أشارت التقديرات إلى أن الجيش الإسرائيلي قد ينفذ إجراءات عملياتية سرية بين لحظة التحذير وبدء الهجوم، تشمل رفع مستوى التأهب على الحدود الشمالية وتحريك وحدات من قيادة الجبهة الداخلية. هذه الاستعدادات عكست قلقا إسرائيليا من أن أي مواجهة أمريكية إيرانية لن تبقى محصورة بين الطرفين، بل قد تمتد إلى ساحات إقليمية أخرى.
ولم يقتصر التصعيد على المسار العسكري، إذ أقدم الاتحاد الأوروبي على إدراج الحرس الثوري الإيراني رسميا على قائمته للمنظمات الإرهابية، وفرض عقوبات شاملة تشمل تجميد الأصول ومنع تقديم الموارد الاقتصادية. القرار الأوروبي جاء بعد توافق سياسي داخل مجلس وزراء خارجية الاتحاد الذي عقد جلسته اليوم 19 فبراير/ شباط 2026، وأدى إلى إدراج ١٣ شخصا و٢٣ كيانا ضمن تدابير تقييدية. هذه الخطوة أضافت بعدا اقتصاديا سياسيا ضاغطا على طهران، وكرست اتساع دائرة الضغط الغربي خارج الإطار الأمريكي المباشر.

إيران ترفع السقف… تهديد بإغراق الحاملات وتعزيز الشراكات مع موسكو وبكين
وفي طهران، جاء الرد على تلك التهديدات عبر خطاب حاد للمرشد الأعلى، على خامنئي، الذي صرح خلال لقاء له 17 نوفمبر/ شباط 2026 أن “الأخطر من حاملة الطائرات هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر”، مؤكدا أن التهديدات الأمريكية، سواء عبر إرسال الحاملات أو عبر التصريحات، لن ترهب إيران، ومشيرا إلى أن أقوى الجيوش قد تتلقى “صفعة لا تستطيع بعدها النهوض” على حد تعبيره. كما اعتبر خامنئي أن اشتراط نتائج مسبقة لأي مفاوضات بشأن الطاقة النووية هو “تصرف أحمق”، مؤكدًا أن طهران لن تقبل الخضوع لإملاءات خارجية.

تزامن خطاب خامنئي مع تنفيذ الحرس الثوري مناورات بحرية واسعة تحت جاءت تحت عنوان “التحكم الذكي في مضيق هرمز”. المناورات، التي جرت بإشراف مباشر من قيادة الحرس، ركزت على الإشراف الاستخباراتي على مدار الساعة، واستخدام صواريخ كروز مضادة للسفن، ومنظومات دفاع جوي، وطائرات مسيرة هجومية واستطلاعية في ظروف حرب إلكترونية. كما تم تقييد الملاحة مؤقتا في أجزاء من المضيق لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية. فيما اعتبر الخبراء أن الرسائل هنا كانت واضحة، فإيران تمتلك القدرة على تعطيل أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وأن أي تهديد عسكري سيواجه برد فوري.

هذا ولم تقتصر التحركات على الداخل، إذ أجرت إيران مناورات بحرية مشتركة مع روسيا، الأربعاء 18 فبراير/ شباط 2026، في بحر عمان وشمال المحيط الهندي، وجاءت هذه التدريبات في وقت تحدثت فيه موسكو عن تصاعد غير مسبوق للتوترات حول إيران، داعية إلى ضبط النفس. وعلى الرغم من أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لا تتضمن بند دفاع مشترك، فإن توقيت المناورات يحمل رسالة سياسية مفادها أن طهران ليست معزولة، وأن لديها شركاء مستعدين لإظهار الحضور في لحظات التوتر.
إلى جانب ذلك، برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات متزايدة على تعميق التعاون العسكري بين إيران والصين، في إطار تفاهمات أوسع لا تقتصر على البعد الدفاعي المباشر، بل تمتد إلى مجالات التدريب المشترك، ونقل بعض الخبرات التقنية، وتطوير منظومات الاتصالات والمراقبة، فضلا عن التعاون في مجالات الدعم اللوجستي البحري.

ورغم أن بكين تحرص تقليديا على تجنب الانخراط العسكري المباشر في نزاعات إقليمية، فإن انفتاحها المتدرج على التعاون الأمني مع طهران يحمل دلالات استراتيجية مهمة، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة. فيفيد مراقبون أن وجود الصين، حتى في إطار دعم غير قتالي أو تدريبي، يعزز من موقع إيران التفاوضي ويمنحها هامشا أوسع للمناورة، كما يعكس تشكل شبكة توازنات دولية أوسع في مواجهة الضغوط الغربية. كما ينظر لهذا التقارب أيضا باعتباره جزءا من إعادة تشكيل التحالفات في النظام الدولي، حيث تسعى بكين إلى ترسيخ حضورها في الممرات البحرية الحيوية، بينما ترى طهران في هذا التعاون عنصرا إضافيًا لتعزيز قدراتها الردعية وتقليل آثار العزلة الاقتصادية والسياسية.
سيناريوهات الأيام العشرة… تسوية مشروطة أم ضربة عسكرية؟
في ضوء حرب التصريحات المتبادلة وتسارع التحركات العسكرية في المنطقة، يظل السؤال الأكثر إلحاحا هو ما إذا كانت الأمور تتجه فعليا نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وطهران، أم أن التصعيد الراهن سيبقى ضمن إطار الضغط السياسي والردع المتبادل؟، التقديرات التي برزت في ضوء المعطيات الأخيرة تشير إلى أن أي صدام محتمل، إذا وقع، قد يتخذ طابعا محدودا وسريعا، على غرار عمليات سابقة استهدفت مواقع أو قدرات محددة، سواء في المجال النووي أو الصاروخي، دون الانزلاق إلى حرب برية شاملة، فالإدارة الأمريكية، وفق ما نقل في التصريحات الأخيرة، لا تبدو راغبة في خوض حرب واسعة النطاق ذات تبعات إقليمية ودولية معقدة، لا سيما في ظل حسابات داخلية دقيقة ترتبط بالوضع السياسي، وما قد تفرضه حرب مفتوحة من أعباء اقتصادية وعسكرية طويلة الأمد.

غير أن محدودية النوايا المعلنة لا تعني بالضرورة محدودية النتائج على أرض الواقع، فقد حذرت طهران بوضوح من أن أي هجوم لن يبقى محصورا داخل حدودها الجغرافية، بل سيمتد إلى القواعد والمصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة. هذا التحذير يفتح الباب أمام احتمال توسع المواجهة أفقيا، عبر استهداف قواعد عسكرية أو منشآت حيوية، أو عبر تفعيل ساحات إقليمية أخرى. وفي المقابل، رفعت إسرائيل مستوى الجهوزية تحسبا لردود فعل محتملة، إدراكا منها أن أي مواجهة أمريكية إيرانية قد تحمل انعكاسات مباشرة على أمنها. كما أن وجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في محيط إيران، وانتشار القطع البحرية في الخليج وبحر عمان، يزيد من حساسية المشهد، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو تقدير غير دقيق للموقف أن يقود إلى تصعيد غير مقصود.

تبدو المنطقة، إذن، أمام معادلة معقدة تتداخل فيها عناصر عدة، مهلة أمريكية قصيرة للتوصل إلى اتفاق، حشد عسكري مكثف، عقوبات أوروبية متصاعدة، في مقابل تحذيرات إيرانية حادة، ومناورات بحرية، ورسائل ردع مباشرة. هذه العناصر مجتمعة تخلق بيئة توتر عالية، لكنها في الوقت ذاته قد تشكل أدوات ضغط متبادلة تهدف إلى، حسب خبراء، تحسين شروط التفاوض أكثر من كونها تمهيدا لحرب شاملة.
مع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة المخاطر خلال الأيام المقبلة، وتفادي الانزلاق من منطق الاستعراض والردع إلى منطق الاشتباك الفعلي. وحتى تتضح الوجهة النهائية، سيظل الخليج وبحر عمان ساحة مفتوحة على الاحتمالات، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والاقتصاد الدولي، في مشهد تتداخل فيه القوة الصلبة مع حسابات التوازن والردع.

