5 يونيو 1963.. الشرارة الأولى لثورة 1979

كتب: سيد نيما موسوي

يُجمع كثير من المؤرخين على أن شرارة الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 انطلقت من أحداث مدينة ورامين في عام 1963. ففي الخامس من يونيو من ذلك العام، شهدت ورامين، الواقعة جنوب طهران، احتجاجات شعبية شكّلت القاطرة التي مهدت الطريق نحو الثورة الكبرى بعد ستة عشر عاما. وقد خُلدت هذه الانتفاضة في الذاكرة الإيرانية باسم “انتفاضة 15 خرداد”.

بدأت القصة مع طرح مشروع قانون الإصلاح الزراعي، الذي تضمن تأميم المراعي والغابات، ونزع الأراضي من الإقطاعيين لتوزيعها على الفلاحين. كما اقترحت الحكومة تعديلا على صيغة القسم الديني لأعضاء البرلمان، وهو ما أثار حفيظة العلماء والمرجعيات الدينية.

الإمام الخميني، الذي تصدّى لهذا المشروع بقوة، وصفه بأنه معادٍ للإسلام ويخدم مصالح إسرائيل ويعزز نفوذ البهائية في إيران. وفي أعقاب خطابه الشهير في الثالث من يونيو، اعتقلته السلطات فجر الخامس من يونيو 1963.

أثار اعتقاله موجة من الغضب والاحتجاج، خاصة في الأسواق التقليدية والشرائح المتدينة. وكانت أبرز هذه التحركات الشعبية ما شهدته مدينة ورامين في ذلك اليوم، والذي يُعدّ اليوم عطلة رسمية في التقويم الإيراني تكريما لذكراه.

تُعدّ انتفاضة 15 خرداد (يونيو/حزيران 1963) في إيران، قبل كل شيء، نتاجا مباشرا لتحولين أساسيين برزا في أواخر عقد الخمسينيات، ويمكن اعتبار هذين العاملين مقدمة مباشرة لأحداث يونيو 1963:

العامل الأول تمثل في تحوّل طبيعة المؤسسة الملكية في إيران، من مؤسسة اجتماعية محافظة (كما هو الحال في معظم بلدان العالم)، إلى مؤسسة إصلاحية تنتهج سياسة التغيير، وهو ما أدى إلى ابتعاد القوى التقليدية الداعمة عن البلاط البهلوي، مثل كبار ملاك الأراضي، والعلماء، والمؤسسة الدينية بشكل عام.

فعلى سبيل المثال، أثناء النزاع بين محمد مصدق ومحمد رضا بهلوي عام 1953، وبسبب تقارب مصدق مع الشيوعيين، وقف السوق التقليدي ومعظم رجال الدين إلى جانب الشاه. إلا أن أحداث يونيو 1963 تسببت في تدهور العلاقة بين الشاه والمحافظين ورجال الدين. ومن أبرز الأمثلة على هذا التدهور، كان حسين بروجردي، المرجع الأعلى للشيعة، والذي كان أحد أبرز الداعمين للملكية في أحداث 1953، قد دخل في خلافات مع النظام منذ أواخر الخمسينيات بسبب بوادر الإصلاح الزراعي.

يُشار إلى أن الإصلاح الزراعي نُفّذ قبل إيران في العراق أيضا، ما يدل على توجه إقليمي نحو تفكيك الإقطاع، لكنه في الحالة الإيرانية تسبب في توترات مع المؤسسات الدينية والاجتماعية. حتى السوق، الذي كان من ركائز النظام التقليدي، أصبح في حالة خصومة مع النظام. وقد شكّلت الهيئات المؤتلفة – التي جمعت قوى السوق التقليدي في الساحة السياسية في أوائل الستينيات – دليلا واضحا على هذا التحوّل.

العامل الثاني ارتبط بنتائج الإصلاح الزراعي على البيئة والزراعة في إيران، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد المائية. فقد أدى التحوّل من نظام القنوات التقليدية (القنوات الجوفية والآبار الأفقية) إلى حفر الآبار العميقة، تحت إشراف مستشارين إسرائيليين، إلى بداية أزمة مائية كبرى في البلاد لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وكانت أبرز نتائج هذا التحوّل: تآكل التربة وهبوط الأرض في السهول الإيرانية، خصوصا في سهلَي قزوين وورامين، اللذين كانا من أكثر المناطق خصوبة في الهضبة الإيرانية. وقد كانت الأضرار في ورامين أشدّ وطأة.

ورامين، التي وصفها الجغرافي الإيراني حمد الله المستوفي في عصر المغول بأنها “أخصب بقاع منطقة الري”، كانت تاريخيا أحد المراكز التقليدية للشيعة في الهضبة الإيرانية. ويُعدّ بناء الجامع الكبير في ورامين في عهد الإيلخانيين خلال القرن الرابع عشر الميلادي شاهدا بارزا على مكانتها الدينية.