إعلام إيراني يرصد تعقيدات توحيد سعر الصرف وخطوات البنك المركزي في سوق الذهب

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية الأصولية، السبت 6 سبتمبر/أيلول 2055، تقريرين اقتصاديين بارزين حول تحديات الاقتصاد الإيراني الراهنة؛ حيث تناول الأول خلل التجارة الخارجية كعائق رئيسي أمام توحيد سعر الصرف، فيما ركّز الثاني على برنامج البنك المركزي لبيع العملة الذهبية مسبقا بسعر أقل من السوق، وما يحمله من رسائل للأسواق والمتعاملين.

أزمة توحيد الصرف

ذكرت الوكالة في التقرير الاقتصادي الأول أنّ قضية توحيد سعر الصرف ليست جديدة على النقاش، بل طُرحت منذ سنوات طويلة بوصفها إحدى الأدوات الرئيسية لإصلاح الهيكل النقدي والمالي في إيران، غير أنّ دراسة دقيقة لتركيب الصادرات والواردات تكشف أنّ الخلل في هيكل التجارة الخارجية، إلى جانب التباين الواضح في درجة تأثر القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية بتقلبات العملة، يشكّل عقبة أساسية أمام تطبيق هذه السياسة. 

وأشارت إلى أنّ هذه الإشكالية تفسر بقاء أسعار صرف متعددة في الاقتصاد الإيراني رغم وجود شبه إجماع على ضرورة الإصلاح.

وتابعت الوكالة موضحةً أنّ هذا الملف عاد مؤخرا إلى صدارة النقاشات بين صانعي القرار الاقتصادي، ففي الوقت الذي يؤكد فيه محافظ البنك المركزي أنّ الظروف الراهنة- بما تتضمنه من تضخم وضغوط على سوق الصرف- لا تسمح عمليا بالانتقال إلى سعر موحّد، بل تجعل من إدارة أسعار متعددة خيارا لا مفرّ منه، يصر وزير الاقتصاد على أنّ الحكومة ملزمة بالسير قدما في هذا المسار. 

هذا التباين في الرؤى بين المؤسستين الأساسيتين المعنيتين بالسياسة النقدية والمالية أثار موجة من التساؤلات بين الخبراء والمحللين، الذين يرون أنّ المشكلة أعمق من مجرد تضارب وجهات نظر، وأنها تعكس تعقيدات بنيوية في هيكل الاقتصاد نفسه.

Image

طبيعة الصادرات الإيرانية

بيّنت الوكالة أنّ طبيعة الصادرات الإيرانية تشكل جزءا محوريا من هذه التعقيدات، إذ إنها تقوم بشكل أساسي على المواد الخام ونصف المصنعة مثل البتروكيماويات والتكرير والفولاذ والمعادن الأساسية غير الحديدية والمشتقات النفطية، هذه القطاعات الخمسة تُعتبر العمود الفقري لمصادر النقد الأجنبي، ولذلك ألزم القانون أصحابها بتوريد كامل عوائدهم عبر منظومات البنك المركزي. 

وتابعت أن الأرقام تكشف صادرات البتروكيماويات وحدها بلغت نحو 15 مليار دولار العام الماضي، بينما تجاوزت صادرات قطاع التكرير والغاز 11 مليار دولار، فيما سجل الفولاذ والمعادن الأخرى نحو 12 مليار دولار، بالإضافة إلى ما يقارب 4 مليارات دولار من المشتقات النفطية والهيدروكربونية.

وأضافت الوكالة أنّ الواردات، بخلاف الصادرات، يغلب عليها الطابع الإنتاجي، إذ تضم المواد الأولية والآلات والمعدات المرتبطة بخطوط التصنيع وبما أنّ هذه المكونات ترتبط مباشرة بدورة الإنتاج، فإنها تُظهر حساسية عالية تجاه أي تقلب في سعر الصرف، حيث يؤدي حتى التغير البسيط إلى زيادة تكاليف التشغيل ويترجم سريعا إلى ضغوط تضخمية داخل السوق المحلية

وتابعت أن هناك نحو 30% من الواردات تتركز في سلع استهلاكية وكمالية كالمركبات والهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب المحمولة والملحقات، وتُقدّر قيمتها الإجمالية بأكثر من 12 مليار دولار، وهي أقل حساسية للتغيرات السعرية نظرا لمرونة الطلب المحدودة عليها.

وأكدت أن هذا التباين الجوهري بين طبيعة الصادرات التي تعتمد على المواد الخام وطبيعة الواردات التي تجمع بين الاحتياجات الإنتاجية الحساسة والسلع الاستهلاكية، جعل من الصعب عمليا إدارة سعر صرف موحّد. 

وتابعت  أن المنتجين داخل إيران يحتاجون إلى استقرار في سعر الصرف حتى يتمكنوا من الاستمرار في نشاطهم الصناعي والإنتاجي، لأن أي تقلب في العملة يرفع تكلفة المواد الأولية والمعدات ويهدد دورة الإنتاج.

على العكس من ذلك، فإن مستوردي السلع الكمالية مثل السيارات أو الهواتف  لا يواجهون نفس الحاجة الملحّة للاستقرار، لأن هذه السلع ليست ضرورية للإنتاج اليومي، لهذا السبب، وبسبب هذا التفاوت بين الصادرات والواردات، يصبح من الصعب توحيد سعر الصرف، ويستمر النظام القائم على أسعار متعددة

Image

بيع السكة مسبقا

ذكرت الوكالة في تقريرها الثاني، أن البنك المركزي عاد مؤخرا إلى اعتماد سياسة البيع المسبق للسكة الذهبية، محددا سعرا للتسليم في نهاية العام يقلّ بوضوح عن السعر الرائج في السوق الحرة. 

وأوضحت أن هذه الخطوة لم تكن مجرد محاولة لتوفير خيار بديل للمشترين أو خلق فارق سعري لصالح المواطنين، بل حملت أيضا رسالة غير مباشرة للأسواق مفادها أن الأسعار الراهنة أعلى من قيمتها الحقيقية، وأن السلطات النقدية لا تتوقع استمرارها على هذا النحو خلال الفترة المقبلة.

وأضافت أن التسعير اعتمد على معادلة تقديرية تستند إلى توقعات بانخفاض سعر صرف الدولار عالميا وارتفاع محدود لسعر الأونصة في الأسواق الدولية وبذلك، لم يقتصر البنك على تحديد قيمة مادية للبيع، بل قدّم في الوقت نفسه ما يشبه إعلانا رسميا عن الرؤية المرجعية التي يعتمدها في رسم سياساته المستقبلية. 

وتابعت أنه رغم نجاح المراحل السابقة التي شهدت طرح كميات كبيرة وتسليمها في المواعيد المحددة حتى في ظل أوضاع استثنائية كالحروب والأزمات، فإن الخبراء يؤكدون أن هذه الإجراءات لم تؤدِّ إلا إلى إبطاء مؤقت لوتيرة صعود الأسعار دون أن توقفها تماما.

Image

رسائل للأسواق

أوضحت الوكالة أن التجارب السابقة تؤكد أن تأثير مثل هذه الخطوات لا يصبح مستداما إلا إذا ترافق مع التزامات دقيقة في التسليم، واستمرار في حجم الطرح، وإدارة صارمة لسوق الصرف، أما في حال حدوث أي تأخير في التسليم أو تقليص مفاجئ للعرض أو وقوع صدمات في سوق العملة، فإن الرسالة الإيجابية التي يبعثها البنك قد تتحول سريعا إلى عامل يفاقم التوقعات التصاعدية للأسعار.

كما أشارت إلى أن الأثر النفسي لهذه الخطوة كان ملموسا في المدى القصير، إذ دفع الفارق الواضح بين السعر الرسمي والسوق الحرة عددا من المتعاملين إلى تفضيل الحوالات المسبقة على الشراء النقدي المباشر، وهو ما زاد من ضغوط البيع في السوق وترك انطباعا أوليا بوجود بديل أكثر جاذبية. 

غير أن الوكالة لفتت في الوقت ذاته، إلى أن استمرارية هذا التأثير تبقى رهنا بقدرة البنك المركزي على مواصلة الطرح بوتيرة منتظمة، مع ضرورة توظيف أدوات مساندة تعزز مناخ الاستقرار النقدي وتمنح هذه السياسة غطاء عمليا أطول مدى.

وختمت الوكالة تقريرها، بالإشارة إلى أن السعر المعتمد في البيع المسبق يمكن اعتباره بمثابة “السقف المرجعي” أو الحد الذي يرغب صانع القرار النقدي في ترسيخه كسعر عادل لسوق السكة الذهبية. 

وتابعت أنه إذا جاءت التطورات الاقتصادية الكلية والحركة النقدية في اتجاه يخدم هذا المستوى، فإنه قد يتحول إلى إشارة قوية على تراجع الأسعار في المستقبل، أما إذا ظلّ مجرد مبادرة معزولة بلا استمرارية أو دعم إضافي، فإن السوق سيختبره سريعا ويستبعد تأثيره ليعود إلى مساره التقليدي.