- زاد إيران - المحرر
- 239 Views
في ظل تصاعد غير مسبوق في التوترات الإقليمية، تتجه الأنظار إلى مسار الحرب الدائرة وما تحمله من تداعيات تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى حسابات السياسة والاقتصاد والأمن الدولي. ومع استمرار تبادل الرسائل بين التصعيد والتهدئة، تبدو ملامح المشهد أكثر تعقيدا، حيث تتداخل الخطابات السياسية مع التحركات العسكرية في رسم معادلة مفتوحة على احتمالات متعددة. وبين رهانات القوة وخيارات الدبلوماسية، تبرز تساؤلات ملحة حول اتجاهات المرحلة المقبلة، وحدود القدرة على احتواء الصراع قبل أن يتسع نطاقه بشكل يصعب السيطرة عليه.
تصريحات ترامب… خطاب نصر مشوب بالتهديد والتناقض
في أحدث خطاب له حول الحرب مع إيران، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس 2 إبريل/ نيسان 2026، بنبرة حادة تجمع بين إعلان النصر العسكري والتلويح بتصعيد أكبر، في خطاب يعكس محاولة واضحة لإظهار السيطرة على مسار الحرب، رغم استمرارها وتعقيداتها. لم يحمل الخطاب تغييرات جوهرية في المواقف الأمريكية، بل جاء امتدادًا لسلسلة من التصريحات السابقة التي يصر فيها ترامب على أن الولايات المتحدة تحقق انتصارا غير مسبوق، وأن العمليات العسكرية تسير وفق خطط ناجحة.

فخلال خطابه، أكد ترامب أن القوات المسلحة الأمريكية “حققت خلال الأسابيع الأربعة الماضية انتصارات سريعة وحاسمة في ساحة المعركة”، مشيرا إلى أن “الأهداف الاستراتيجية الرئيسية باتت قريبة من التحقق”. وذهب أبعد من ذلك عندما ادعى أن “جزءا كبيرا من إيران قد دمر”، وأن “الولايات المتحدة قد هزمت إيران”، في تصريح يعكس محاولة لترسيخ صورة الحسم العسكري، رغم عدم وجود مؤشرات واضحة على نهاية قريبة للصراع.
وفي سياق تأكيده على قوة العمليات العسكرية، قال ترامب إن الجيش الأمريكي استهدف إيران بشكل مباشر، مضيفا أن القوة البحرية الإيرانية اختفت، وهو تصريح أثار جدلا واسعا، نظرا لعدم توافقه مع المعطيات الميدانية التي تشير إلى استمرار النشاط العسكري الإيراني.
أحد أبرز محاور الخطاب كان التهديد الصريح بمزيد من التصعيد، حيث قال ترامب “خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع سنوجه لهم ضربات قاسية جدا”، بل استخدم تعبيرا شديد الحدة بقوله “سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون”، ولم يكتف بذلك، بل لوح مرة أخرى باستهداف البنية التحتية الحيوية في إيران، مؤكدا أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق “سنستهدف جميع محطات توليد الكهرباء لديهم بشكل قوي وربما متزامن”.
وفيما يتعلق بالملف النووي، أعاد ترامب التأكيد على موقفه التقليدي، قائلا إنه لن يسمح أبدًا لإيران بالحصول على سلاح نووي، معتبرا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي كان قرارا صائبا، بل مصدر فخر. كما صرح أن إيران قد حاولت إعادة بناء برنامجها النووي في مواقع سرية، وأنها كانت تسعى لتطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

اقتصاديا، حاول ترامب التقليل من آثار الحرب، مؤكدا أن ارتفاع أسعار الوقود مؤقت، ومحملا إيران المسؤولية عن ذلك بسبب الهجمات على ناقلات النفط. كما شدد على أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى نفط الشرق الأوسط، وأنها لا تستورد أي نفط عبر مضيق هرمز ولن تحتاج إليه مستقبلا، في محاولة لطمأنة الداخل الأمريكي بشأن تداعيات الحرب.
وفي جانب آخر من خطابه، أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد تنسحب من الشرق الأوسط خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، مؤكدً أن وجودها هناك يهدف فقط إلى دعم الحلفاء، لكنه في الوقت نفسه، وجه انتقادات لاذعة لحلفائه، خاصة حلف الناتو، بسبب عدم مشاركتهم في العمليات، ما يعكس توترا في العلاقات داخل المعسكر الغربي.
ورغم هذا التصعيد، لم يغلق ترامب الباب أمام الدبلوماسية، حيث أشار إلى أن المفاوضات مستمرة، لكنه ربطها بمهلة زمنية محددة، مهددا بتوسيع العمليات العسكرية في حال عدم التوصل إلى اتفاق. هذا التناقض بين الدعوة إلى التفاوض والتلويح بالتصعيد يعكس طبيعة السياسة الأمريكية الحالية، التي تجمع بين الضغط العسكري والانفتاح المشروط على الحلول السياسية.
الرد الإيراني… رسالة بزشكيان وتصعيد ميداني عبر بيان خاتم الأنبياء
لم يكن ترامب هو الرئيس الوحيد الذي تحدث مؤخرا، حيث وجه الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، رسالة إلى الشعب الأمريكي، الأربعاء الأول من إبريل/ نيسان 2026، قدم فيها رواية مغايرة، تقوم على نفي العدوانية الإيرانية والتأكيد على الطابع الدفاعي للسياسات الإيرانية. بزشكيان شدد في رسالته على أن “الشعب الإيراني لا يحمل أي عداء تجاه الشعوب الأخرى، بما في ذلك الشعب الأمريكي وأوروبا وجيرانه”، مؤكدا أن الإيرانيين يميزون بين الشعوب والحكومات، وهو مبدأ راسخ في ثقافتهم.
وأوضح الرئيس الإيراني أن تصوير إيران كتهديد هو نتاج احتياجات سياسية واقتصادية، يهدف إلى تبرير الضغوط والحفاظ على التفوق العسكري وتغذية الصناعات الحربية، كما أكد أن إيران، رغم تاريخها وقدراتها، لم تكن يوما بادئة للحرب، بل دافعت عن نفسها وردت المعتدين.

وتناول بزشكيان جذور الأزمة بين البلدين، مشيرا إلى أن انقلاب عام ١٩٥٣ شكل نقطة تحول رئيسية، حيث أدى إلى ترسيخ عدم الثقة في السياسات الأمريكية. وأضاف أن هذه القناعة تعمقت مع مرور الوقت بسبب العقوبات، والدعم الأمريكي لخصوم إيران، والأعمال العسكرية المباشرة.
وفي رسالته، طرح تساؤلات مباشرة للشعب الأمريكي حول جدوى الحرب، متسائلا “ما المصلحة الحقيقية للشعب الأمريكي في هذه الحرب؟، ومشيرا إلى أن استهداف المدنيين والبنية التحتية لا يؤدي إلا إلى تشويه صورة الولايات المتحدة عالميا، وأكد أن إيران سلكت طريق التفاوض ووفت بالتزاماتها، لكن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق وانتقلت إلى المواجهة، بل هاجمت إيران أثناء المفاوضات، ما يضعف الثقة بأي مسار دبلوماسي مستقبلي.
بالتوازي مع الخطاب السياسي، جاء بيان مقر خاتم الأنبياء ليعكس تصعيدا ميدانيا واضحا، حيث أعلن المتحدث باسم المقر، إبراهيم ذو الفقاري، عن تنفيذ الموجة ٨٩ من عملية الوعد الصادق ٤ باستخدام أكثر من ١٠٠ صاروخ وطائرة مسيرة و٢٠٠ قذيفة. البيان أشار إلى استهداف مواقع داخل الأراضي الإسرائيلية، إضافة إلى مواقع أمريكية في البحرين والإمارات.

كما تحدث عن استهداف ناقلة نفط إسرائيلية في الخليج، وتدمير رادارات أمريكية، واستهداف قواعد عسكرية، إضافة إلى هجمات على مجموعة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، التي قيل إنها انسحبت إلى عمق المحيط الهندي، وأكد البيان أن هذه العمليات تأتي في إطار الدفاع، وأنها استهدفت تجمعات القوات الأمريكية والصهيونية بدقة، مشددا على أن القوات المسلحة الإيرانية «قادرة على القضاء على العدو.
هذا التوازي بين الخطاب السياسي الهادئ نسبيا والتصعيد العسكري الميداني يعكس استراتيجية إيرانية مزدوجة، تقوم على الدفاع عن الشرعية الدولية في الخطاب، مع إظهار القدرة العسكرية على الأرض.
كيف ستنتهي الحرب؟ عوامل الحسم وسيناريوهات المستقبل
رغم التصعيد الحاد بين الطرفين، تشير المعطيات إلى أن الحرب لن تستمر إلى ما لا نهاية، كما هو حال جميع الصراعات الكبرى، غير أن شكل نهايتها سيعتمد على مجموعة من العوامل المعقدة التي تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

أول هذه العوامل هو العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يظهر تباين في الأهداف، ففي حين يسعى ترامب إلى تحقيق نصر يمكن تسويقه سياسيا، تميل إسرائيل إلى تدمير شامل للبنية العسكرية والنووية الإيرانية، هذا التباين قد يعرقل الوصول إلى تسوية مشتركة.
العامل الثاني يتمثل في الملف النووي الإيراني، الذي لم يعد كما كان قبل الحرب، فالبنية التحتية تعرضت لأضرار، لكن إيران تهدد بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، ما يعني أن أي اتفاق مستقبلي سيحتاج إلى صياغة جديدة بالكامل، وليس مجرد إحياء للاتفاق السابق.
أما العامل الثالث، فهو التوازنات الإقليمية، حيث تراجع نفوذ بعض حلفاء إيران، لكنهم ما زالوا موجودين، ما يفتح الباب أمام استمرار الصراع عبر وكلاء، حتى في حال توقف المواجهة المباشرة. والعامل الرابع يتعلق بالوضع الداخلي في إيران، حيث في حال كشف استمرار الحرب عن انقسامات سياسية، فقد يؤثر ذلك على كيفية اتخاذ القرار في المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بالتفاوض أو التصعيد.

أما العامل الخامس، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في تآكل قنوات التواصل بين الطرفين، نتيجة اغتيال شخصيات كانت تلعب دورا في الاتصالات غير المباشرة، ما يجعل إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة.
في هذا السياق، تبرز دبلوماسية المسار الثاني كأحد المسارات الممكنة، حيث يمكن للوسطاء غير الرسميين، مثل الأكاديميين ومراكز الأبحاث، أن يلعبوا دورا في بناء الثقة وتهيئة الأرضية لمفاوضات مستقبلية، خاصة في ظل غياب قنوات رسمية فعالة. كما أن وجود قنوات غير مباشرة عبر دول مثل عمان وتركيا ومصر يشير إلى أن التواصل لم ينقطع بالكامل، بل انتقل إلى مستويات أقل رسمية، ما قد يمهّد الطريق لتفاهمات مستقبلية.
في النهاية، يبدو أن الحرب، رغم حدتها، تتجه نحو أحد سيناريوهين، إما تسوية تفاوضية تدريجية، أو حالة من الاستنزاف المتبادل تنتهي بوقف غير رسمي للعمليات. لكن في كلتا الحالتين، سيبقى السؤال الأهم، كيف يمكن إدارة علاقة بين دولتين لا تستطيعان الاستمرار في حالة عداء دائم، ولا تملكان في الوقت نفسه الثقة الكافية لبناء سلام سريع؟ الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط نهاية هذه الحرب، بل ستشكل ملامح النظام الإقليمي في السنوات القادمة.

