استهداف صناعة الصلب في إيران… صراع على الاقتصاد في قلب الحرب

تشهد إيران في المرحلة الراهنة تحولا لافتا في طبيعة الاستهداف العسكري الذي يطال بنيتها التحتية، حيث لم تعد الضربات تقتصر على الأهداف التقليدية، بل امتدت بشكل واضح إلى القطاعات الصناعية الحيوية، وعلى رأسها صناعة الصلب. ويأتي هذا التصعيد في سياق حرب تتجاوز حدود الميدان العسكري لتطال مفاصل الاقتصاد، في محاولة لإضعاف القدرات الإنتاجية للدولة والتأثير على استقرارها الداخلي.

الهجمات على مصانع الصلب في إيران وردود الفعل

فقد شكلت الضربات التي استهدفت مصانع الصلب الإيرانية خلال الأيام والأسابيع الأخيرة نقطة تحول بارزة في مسار التصعيد، إذ انتقل الاستهداف من الإطار العسكري التقليدي إلى ضرب البنية الصناعية الثقيلة التي تعد ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وقد طالت هذه الهجمات منشآت تعد من الأكبر والأكثر تأثيرا في إيران، وفي مقدمتها مجمع خوزستان لصناعة الصلب في الأهواز ومجمع فولاذ مباركه في أصفهان، وهما من الأعمدة الرئيسية لصناعة الصلب في البلاد ومن بين أبرز مصادر الإنتاج والتصدير. هذا وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن هذه الضربات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن نمط متكرر يستهدف مراكز إنتاجية حساسة، مع تركيز واضح على البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والكهرباء، باعتبارها الحلقة الأضعف والأكثر تأثيرا في دورة الإنتاج.

Image

ففي حالة فولاد خوزستان، تفيد تقارير إعلامية واقتصادية بأن الهجمات أدت إلى توقف شبه كامل في خطوط الإنتاج، بعد استهداف مخازن حيوية ومنشآت كهربائية رئيسية، وهو ما يعكس الطبيعة المعقدة لهذه الصناعة واعتمادها الكلي على الإمداد المستمر للطاقة، إذ إن أي خلل في التغذية الكهربائية يؤدي تلقائيا إلى شلل في العمليات الصناعية، خاصة في وحدات الاختزال والصهر.

Image

أما مجمع فولاذ مباركه، الذي يعد أكبر منشأة صناعية في إيران وأحد أكبر مصانع الصلب في الشرق الأوسط، فقد تعرض بدوره لأضرار واسعة، شملت محطات كهرباء بقدرات كبيرة، من بينها محطة بقدرة ٩١٤ ميغاواط وأخرى بقدرة ٢٥٠ ميغاواط، إضافة إلى وحدات إنتاجية مثل أقسام الاختزال المباشر وورش الصلب، ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن المجمع تمكن من الاستمرار في العمل جزئيا، وهو ما يعكس وجود قدر من المرونة التشغيلية، لكنه لا ينفي حجم الخسائر التي طالت قدرته الإنتاجية.

Image

اللافت في هذه الهجمات أنها لم تقتصر على الجانب الصناعي البحت، بل أسفرت أيضا عن خسائر بشرية، حيث أعلنت السلطات الإيرانية سقوط قتلى وجرحى في صفوف العاملين، ما أضفى على هذه الضربات بعدًا إنسانيًا واضحًا، يتجاوز الحسابات الاقتصادية والعسكرية. كما امتدت آثار الضربات إلى خارج حدود المصانع، حيث أدت الأضرار التي لحقت بمحطات الكهرباء إلى اضطرابات في شبكات التوزيع في المناطق المحيطة، وهو ما يؤكد الترابط الوثيق بين هذه المجمعات الصناعية والبنية التحتية الوطنية، ويبرز كيف يمكن لضربة محدودة نسبيا أن تُحدث تأثيرًا واسع النطاق.

تقارير أخرى صادرة عن جهات متخصصة في أسواق الطاقة والسلع تشير إلى أن استهداف المخازن ومنشآت الكهرباء داخل هذه المجمعات سيؤدي على الأرجح إلى تراجع الإنتاج والقدرة التصديرية لإيران، خاصة في ظل صعوبة تعويض هذه الخسائر في المدى القصير، وأن بعض المصانع اضطرت إلى وقف نشاطها مؤقتا، فيما واصلت أخرى العمل بطاقة منخفضة، ما يعكس حالة من الارتباك الصناعي الناتج عن الضربات.

Image

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعا ومتعدد الأبعاد. فعلى المستوى السياسي، وصفت طهران هذه الهجمات بأنها تصعيد خطير وانتهاك واضح، محذرة من أن استمرارها قد يدفع الصراع إلى مرحلة جديدة أكثر اتساعا. وعلى المستوى الدبلوماسي، ركزت التصريحات الرسمية على إبراز التناقض بين هذه الضربات والتصريحات الأمريكية التي تحدثت عن وقف استهداف البنية التحتية للطاقة، وهو ما اعتبرته إيران دليلًا على فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

أما من الناحية العسكرية، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجوم صاروخي وبالطائرات المسيرة استهدف منشآت صناعية أمريكية في المنطقة، وذلك ضمن الموجة التسعين من عملية الوعد الصادق ٤، ردا على استهداف مصانع الصلب داخل إيران. ووفق البيان، فإن الضربات قد طالت مواقع للصناعات الفولاذية والألمنيوم في كل من الإمارات والبحرين، إضافة إلى أهداف عسكرية مرتبطة بالولايات المتحدة قرب المنامة، وأكد الحرس أن العملية أسفرت عن خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية، مشيرا إلى أن هذه الضربات تأتي كرسالة تحذير، وأن أي استهداف جديد للصناعات الإيرانية سيقابله رد أشد يستهدف البنية التحتية الحيوية للخصوم في المنطقة.

Image

ويبدو أن إيران تحاول من خلال هذا المزيج من التصعيد الخطابي والاستعداد العسكري تحقيق نوع من توازن الردع، في مواجهة استراتيجية تستهدف اقتصادها بشكل مباشر. غير أن هذا المسار يفتح الباب أمام احتمالات توسع رقعة الصراع، خاصة إذا ما انتقلت الضربات المتبادلة إلى استهداف منشآت صناعية في دول أخرى، وهو ما قد يحوّل النزاع من مواجهة محدودة إلى أزمة إقليمية أوسع ذات أبعاد اقتصادية عميقة.

لماذا يتم استهداف صناعة الصلب الإيرانية؟ قراءة في الدوافع

لا يمكن فهم استهداف صناعة الصلب في إيران بمعزل عن طبيعة هذه الصناعة ودورها في الاقتصاد والحرب على حد سواء. فالصلب يعد من الصناعات ذات الاستخدام المزدوج، حيث يدخل في الصناعات المدنية، مثل البناء والبنية التحتية، كما يستخدم في الصناعات العسكرية، من تصنيع المركبات إلى إنتاج المعدات الدفاعية.

هذا الطابع المزدوج جعل من صناعة الصلب هدفا تقليديا في النزاعات المسلحة، فالتاريخ العسكري يظهر أن استهداف ما يعرف بنقاط الاختناق الصناعية كان دائما وسيلة فعالة لإضعاف الخصم، عبر تعطيل قدرته على الإنتاج. وقد تجسد ذلك بوضوح خلال الحرب العالمية الثانية، عندما استهدفت مصانع حيوية لتعطيل الصناعة العسكرية.

Image

في الحالة الإيرانية، يبدو أن هذه الاستراتيجية تطبق بشكل واضح. فمصانع مثل فولاد مباركه وفولاذ خوزستان لا تعد فقط منشآت صناعية، بل تمثل جزءا من منظومة اقتصادية أوسع، يعتقد أنها ترتبط بشكل أو بآخر بتمويل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة العسكرية، كما أن هذه الصناعة تعد مصدرا مهما للعملة الصعبة في ظل العقوبات، ما يجعلها هدفا ذا قيمة استراتيجية.

إضافة إلى ذلك، فإن استهداف هذه الصناعة يحقق هدفا اقتصاديا مباشرا، يتمثل في ضرب سلاسل الإمداد وتعطيل قطاعات أخرى مرتبطة بها، مثل البناء والنقل والطاقة. وبالتالي، فإن تأثير هذه الضربات لا يقتصر على قطاع واحد، بل يمتد إلى الاقتصاد ككل، ما يزيد من الضغط الداخلي.

Image

في المقابل، يرى منتقدو هذه الهجمات أنها تستهدف بنى تحتية مدنية بشكل أساسي، حيث تستخدم منتجات الصلب في قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين اليومية. ومن هذا المنطلق، فإن ضرب هذه الصناعة يعد استهدافًا غير مباشر للمدنيين، خاصة في ظل تأثيره على الوظائف والإنتاج والخدمات.

كما أن هناك بعدا سياسيا لهذه الهجمات، يتمثل في محاولة إضعاف قدرة إيران على الصمود الاقتصادي، ودفعها إلى تقديم تنازلات في ملفات أخرى. وبالتالي، فإن استهداف صناعة الصلب لا يعد مجرد خطوة عسكرية، بل جزءا من استراتيجية أوسع تستهدف الاقتصاد كأداة ضغط.

حجم صناعة الصلب الإيرانية ومكانتها عالميا

تعد صناعة الصلب في إيران من أهم القطاعات الصناعية في البلاد، حيث تمثل أحد أعمدة الاقتصاد غير النفطي، فتشير البيانات إلى أن إيران تنتج سنويا نحو ٣١٫٨ مليون طن من الصلب الخام، ما يضعها ضمن كبار المنتجين عالميا.

Image

ورغم أن إيران لا تزال خارج قائمة العشرة الأوائل عالميا، فإنها تحتل موقعا متقدما، مستفيدة من عدة عوامل، أبرزها وفرة خام الحديد، وتوافر مصادر الطاقة، وانخفاض تكاليف الإنتاج، وقد ساهمت هذه العوامل في تطوير الصناعة بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية.

كما شهدت صادرات الصلب الإيرانية نموا ملحوظا، حيث أصبحت تمثل نحو ١٠٪ من إجمالي صادرات البلاد، مع وصول المنتجات إلى أكثر من ١٢٠ دولة. وتشمل هذه المنتجات مجموعة واسعة، مثل حديد التسليح و الأنابيب والصفائح، ما يعكس تنوع الإنتاج.

Image

وتلعب شركات كبرى دورا محوريا في هذا القطاع، مثل فولاذ مباركه وفولاذ خوزستان وذوب آهن أصفهان، التي تعد من أبرز المنتجين والمصدرين، وتعد فولاذ مباركه على وجه الخصوص واحدة من أكبر شركات الصلب في الشرق الأوسط، مع إيرادات تصديرية كبيرة، مع ذلك، تواجه هذه الصناعة تحديات متعددة، من بينها العقوبات الدولية، التي تحد من القدرة على الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا، إضافة إلى مشكلات داخلية تتعلق بالبنية التحتية. كما أن المنافسة العالمية، خاصة من دول مثل الصين والهند، تفرض ضغوطا إضافية.

رغم هذه التحديات، تظل صناعة الصلب عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الإيراني، ليس فقط من حيث الإنتاج، بل أيضًا من حيث دورها في توفير الوظائف ودعم الصناعات الأخرى. ولذلك، فإن استهدافها يُعد ضربة مباشرة لأحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد.

هل يمكن لصناعة الصلب أن تعود لنشاطها بعد الضربات؟

يثير استهداف صناعة الصلب الإيرانية تساؤلات جدية حول مستقبل هذا القطاع، خاصة في ظل حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، فتشير التقديرات إلى أن الخسائر المباشرة قد تصل إلى مليارات الدولارات، فيما قد تكون الخسائر غير المباشرة أكبر بكثير، نظرا لتأثيرها على سلاسل الإمداد.

Image

من الناحية التقنية، يمكن إصلاح بعض الأضرار خلال فترة زمنية محدودة، خاصة إذا كانت الضربات لم تدمر المنشآت بشكل كامل. غير أن التحدي الأكبر يكمن في استعادة القدرة التشغيلية بشكل كامل، خاصة في ظل استمرار التهديدات.

كما أن بعض وحدات الإنتاج تعمل بهوامش ربح ضئيلة، ما يجعل إعادة تشغيلها غير مجدية اقتصاديا في حال تعرضها لأضرار كبيرة. وفي هذه الحالة، قد يكون من الأرخص استيراد الصلب بدلًا من إنتاجه محليا، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الصناعة على المدى الطويل.

Image

إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الحرب قد يؤدي إلى هجرة الكفاءات، وهو ما يعد عاملا حاسما في تراجع القدرة الإنتاجية، كما أن تحويل الموارد نحو المجهود الحربي قد يأتي على حساب الاستثمار في إعادة الإعمار.

مع ذلك، تشير التجارب التاريخية إلى أن الصناعات الكبرى قادرة على التكيف، خاصة إذا توفرت الإرادة السياسية والموارد. لكن هذا التعافي يظل مشروطًا بمدى استقرار الوضع الأمني، وهو ما يبدو غير مضمون في المرحلة الحالية.

في المحصلة، فإن مستقبل صناعة الصلب في إيران سيعتمد على عدة عوامل، من بينها حجم الأضرار، واستمرار الحرب، وقدرة الدولة على إعادة توجيه مواردها. وبين سيناريو التعافي وسيناريو التراجع، يبقى هذا القطاع في قلب معركة تتجاوز حدود المصانع إلى عمق الاقتصاد الوطني.

كلمات مفتاحية: