بين “الحرب الشاملة” وتغيير النظام: هل وصلت المواجهة الإيرانية الأمريكية إلى نقطة اللاعودة؟

Image

كتب: الترجمان

دخل الصراع الإيراني الأمريكي مرحلة جديدة من “كسر العظم” تتجاوز حدود الضغط الاقتصادي المعتاد لتصل إلى المساس المباشر برمزية السيادة والقيادة. التصريحات الأخيرة الصادرة من طهران، وتحديدا من الرئيس مسعود بزشكيان والمرشد الأعلى علي خامنئي، ليست مجرد ردود فعل ديبلوماسية، بل هي “عقيدة دفاعية” يُعاد صياغتها لمواجهة طموحات واشنطن المعلنة.

رمزية القائد: “الخط الأحمر” الذي يسبق الحرب

تحذير الرئيس بزشكيان من أن أي استهداف للمرشد الأعلى يعني “حربا شاملة” يحمل رسالة استراتيجية مزدوجة، فللداخل الإيراني هي محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية وربط شخص المرشد بمفهوم “الأمة” والشعب، رداً على محاولات الفصل بين القيادة والقاعدة الشعبية.

وعلى المستوى الخارجي هو وضع حد نهائي لقواعد الاشتباك؛ فإيران هنا لا تهدد برد عسكري تقليدي فحسب، بل تهدد بتحويل المواجهة إلى حرب وجودية لا تعترف بالحدود الجغرافية.

شيطنة ترامب وتحميله المسؤولية القانونية

وصف المرشد الإيراني علي خامنئي للرئيس ترامب بـ “المجرم” و”الجاني الرئيسي” في أحداث الشغب ليس مجرد توصيف سياسي، بل هو محاولة لتأطير الصراع في إطار جنائي ودولي. طهران تدرك أن ترامب يعتمد سياسة “الضغوط القصوى”. 

لذا فهي تسعى لتحميله مسؤولية الفشل الأمني والاقتصادي داخليا، وتصوير الاحتجاجات على أنها “مؤامرة استخباراتية” تقودها واشنطن وتل أبيب، مما يمنح السلطات المبرر القانوني والأخلاقي للتعامل بحزم مع أي اضطرابات.

خطاب “تغيير النظام”: مقامرة ترامب الجديدة

دعوة ترامب عبر “بوليتيكو” للبحث عن قيادة جديدة في إيران تمثل العودة الصريحة لاستراتيجية تغيير النظام .هذا الخطاب يقطع الطريق أمام أي فرص للدبلوماسية في المدى القريب، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تبحث عن اتفاق نووي جديد، بل عن تحول جذري في بنية الدولة الإيرانية.

العقوبات كأداة “حرب ناعمة”

ربط بزشكيان بين العقوبات وبين معاناة الشعب الإيراني هو محاولة لنزع الشرعية عن الخطاب الأمريكي الذي يدعي دعم الشعب الإيراني. طهران تقول بوضوح: “من يفرض العقوبات التي تمس معيشة المواطن لا يمكنه ادعاء الرغبة في تحريره”.

نحن أمام مشهد يتسم بـ انسداد الأفق السياسي. فإيران ترى في دعوات تغيير القيادة تهديداً وجودياً يستوجب التلويح بالحرب الشاملة، بينما ترى واشنطن في الاحتجاجات والضغوط الاقتصادية فرصة تاريخية لتقويض نفوذ طهران الإقليمي.

إن المشهد الراهن بين طهران وواشنطن يشير إلى أن الطرفين قد دخلا بالفعل في “منطقة انعدام الوزن الدبلوماسي”، حيث لم تعد أدوات التفاوض التقليدية قادرة على احتواء الصراع. فالتلويح بـ “الحرب الشاملة” من قِبل بزشكيان، يقابله إصرار ترامبي على “تغيير السلوك عبر تقويض النظام”، مما يضعنا أمام استنتاجات استراتيجية حاسمة:

تجاوز الخطوط الحمراء النفسية

لقد انتقل الصراع من الخلاف حول “الملف النووي” أو “النفوذ الإقليمي” إلى صراع حول “الشرعية والوجود”. عندما تضع واشنطن رأس الهرم السياسي في إيران هدفا لخطابها، وعندما ترد طهران بربط حياة المرشد بمصير الأمة، فإننا نكون أمام “صراع صفري”؛ حيث يرى كل طرف أن بقاء الآخر بوضعه الحالي يمثل تهديداً دائمًا له. هذا النوع من الصراعات نادراً ما ينتهي بتسويات، بل بكسر إرادة أحد الطرفين.

معضلة “الرهانات المتقاطعة”

تراهن إدارة ترامب على أن الضغط الاقتصادي الممزوج بالتحريض الشعبي سيؤدي إلى “انفجار من الداخل” يغنيها عن تكلفة الحرب المباشرة. في المقابل، تراهن طهران على “الصمود الاستراتيجي” وتحويل الضغط الخارجي إلى مادة لتعزيز القومية الإيرانية، معتبرة أن أي تراجع الآن سيعني الانهيار الكامل. هذا التقاطع في الرهانات يجعل من الصعب على أي طرف تقديم تنازلات دون أن يبدو كأنه إعلان هزيمة.

هل وصلنا إلى نقطة اللاعودة؟

تقنيا، لم تصل المواجهة إلى نقطة الاصطدام العسكري المباشر والشامل بعد، لكنها وصلت إلى نقطة اللاعودة في الثقة. إن خطاب “تغيير النظام” يغلق الأبواب أمام القوى المعتدلة داخل إيران ويمنح “الحرس الثوري” والشرائح المتشددة السيطرة الكاملة على القرار السياسي والعسكري، مما يجعل العودة لخطوط عام 2015 (الاتفاق النووي) أمرا من الماضي البعيد.

الحرب الباردة الساخنة

نحن نتجه نحو نموذج جديد من الصراعات يمكن تسميته بـ “الحرب الباردة الساخنة”؛ حيث ستتجنب القوى الكبرى الصدام المباشر خشية “الحرب الشاملة”، لكنها ستخوض حروبا شرسة في مناطق الظل (السيبراني، والاستخباراتي، والوكلاء الإقليميين(.

 إن استهداف رمزية القيادة في إيران قد لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام غدا، لكنه بالتأكيد يجعل من “التفاوض” كلمة محظورة في القاموس السياسي الإيراني لسنوات قادمة، ويجعل من “الاستعداد للحرب” هي السياسة الوحيدة الممكنة لإيران للحفاظ على بقائها.