- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 10 Views
كتب: الترجمان
يخيم على الأجواء السياسية في إيران، ولا سيما في أروقة البرلمان ترقب لحدث مصيري يشغل الأوساط النيابية؛ وهو انتخابات هيئة الرئاسة للدورة الثالثة من البرلمان في الدورة الحالية. يأتي هذا الحدث في وقت تسبب فيه الصمت الرسمي لمسؤولي البرلمان بشأن كيفية إدارة هذه الانتخابات في فتح الباب أمام تكهنات وغموض واسع بين النواب والرأي العام.
إن الظروف الاستثنائية والطارئة الحالية، والتي أدت إلى إطفاء أنوار قاعة المجلس العلنية وعقد الجلسات السابقة عبر الفضاء الافتراضي، أثارت شكوكا وتساؤلات جادة حول آلية التصويت؛ فبينما تلزم اللائحة الداخلية للبرلمان بعقد الانتخابات حضوريا، تفرض الاعتبارات الأمنية الحالية تجنب التجمعات الكبيرة. يستعرض هذا التقرير التحليلي الشارح أبعاد هذه الأزمة، والتوجهات المختلفة للنواب، والسيناريوهات المطروحة لافتتاح الدورة الثالثة.
العقبات اللائحية والإلزامات القانونية للتصويت الحضوري
تظهر القراءة الدقيقة للائحة الداخلية للبرلمان الإيراني أن المشرّع قد وضع أساس تشكيل هيئة الرئاسة بناءً على الحضور المادي والشفافية الملموسة. ووفقا للمادة 12 من هذه اللائحة، يجب أن تمر جميع المراحل الانتخابية في فضاء محدد وطبق قواعد تدريجية واضحة، تبدأ أولا بانتخاب “رئيس المجلس”. وفي هذه المرحلة، يشترط في المرشح الفائز أن يحصل في الجولة الأولى على الأغلبية المطلقة لأصوات النواب الحاضرين في القاعة.
وبعد تحديد هوية رئيس البرلمان تنتقل العملية إلى انتخاب نواب الرئيس، والأمناء، والمراقبين، حيث تنص القوانين الصريحة على أن يتم التصويت لكل من هذه المناصب بشكل منفصل وباستخدام بطاقات الاقتراع الورقية، ويكون معيار الفوز هنا هو الحصول على الأغلبية النسبية. كما أن ترتيب نواب الرئيس (النائب الأول والنائب الثاني) يتحدد بدقة بناء على عدد الأصوات المكتوبة والفرز الفعلي، وهو ما يجعل أي تفسير يتيح تحويل التصويت إلى الطرق غير الحضرية مواجهاً بتحديات قانونية معقدة.
من جهة أخرى، يرتبط الدستور الإيراني ارتباطا وثيقا بـعلنية وحضورية جلسات البرلمان. وطبقا للأصول الدستورية، يجب أن تبث مداولات الجلسات العلنية مباشرة عبر الراديو لعموم الشعب، ولم يضع المشرّع أي تبصرة أو مادة خاصة تتيح تعليق هذا الأصل أو تحويله إلى الفضاء الافتراضي حتى في الظروف الطارئة أو الأزمات.
يضاف إلى ذلك أن أحد الأركان الأساسية التي تمنح الشرعية لهيئة الرئاسة الجديدة هو أداء القسم أمام المصحف الشريف وأمام أنظار الشعب، وهو إجراء يحمل طبيعة رمزية وحضورية بالكامل. بناء على ذلك، فإن أي انحراف عن هذا المسار القانوني واللجوء إلى الأساليب الحديثة مثل “الاجتماع الافتراضي” قد يضعف الشرعية الحقوقية للانتخابات والقرارات اللاحقة لهيئة الرئاسة، ويفتح الباب أمام اعتراضات قانونية داخل البرلمان.

المدافعون عن خيار الاجتماع الافتراضي: تأكيد على الظروف الطارئة والأمن
في الجبهة المقابلة، يتبنى قطاع من النواب والمسؤولين في البرلمان نظرة واقعية للظروف الراهنة، معتبرين أن الحفاظ على أمن البلاد وسلامة النواب يتقدم على أي قاعدة أخرى. ويستدل أصحاب هذا التوجه بأن الظروف الخاصة والطارئة الحالية التي تمنع تجمع النواب في مكان واحد، تجعل من التكنولوجيا أداة مثالية لفك العقد وحلحلة الانسداد. ويرى هذا الفريق أن اتخاذ النواب لقراراتهم عبر منصات “الفيديو كونفرانس” سيظل مبنيا على المعايير التخصصية والكفاءة والإنتاجية للمرشحين، ولن يكون الفضاء الافتراضي عائقاً أمام معرفة أو اختيار الأنسب. كما يؤكدون أن الأنظمة المصممة للتصويت الافتراضي ستعمل وفقاً للقواعد والأصول الحاكمة في البرلمان، وأن فرز الأصوات سيتم بدقة رقمية عالية لتبديد أي شكوك.
علاوة على ذلك، يشير المؤيدون للخيار الافتراضي إلى أن تجربة الجلسات عبر “الفيديو كونفرانس” في الفترة الماضية حظيت باستقبال جيد، حيث شارك فيها أكثر من 210 نواب، مما يثبت كفاءة هذه المنصة في إدارة الأزمات. ويعتقد هؤلاء أن الاعتراضات على سلامة الانتخابات أمر وارد في كل الأحوال—سواء كانت بروحية حضورية أو افتراضية—ولكن في الوضع الراهن الذي تمنع فيه الأجهزة الأمنية التجمعات الفيزيائية، فإن الانتخابات الرقمية تمثل الخيار الأكثر عقلانية وأماناً لتجنب الشلل الهيكلي في السلطة التشريعية، مع تأكيدهم على توفير أعلى معايير الرقابة والشفافية في الفضاء الافتراضي.

سيناريو الحل الوسط: صناديق الاقتراع الموزعة والجوالة
بين التوجهين المتعارضين تماما—التصويت الحضوري الكامل تحت قبة البرلمان أو التصويت الافتراضي الكامل عبر الإنترنت—برز سيناريو ثالث يحاول إيجاد نوع من التوازن بين الالزامات اللائحية والمحددات الأمنية. يقوم هذا التصور على إلغاء التجمع البشري داخل القاعة الرئيسية مع الحفاظ على أصالة ورقة الاقتراع وصندوق المؤتمرات.
المقترح المحدد في هذا السياق يشير إلى إمكانية وضع صناديق الاقتراع في نقاط مختلفة ومتفرقة من مبنى البرلمان، أو حتى في أماكن آمنة خارجه. وبموجب هذه الآلية، يتوجه النواب بشكل فردي أو ضمن مجموعات صغيرة جداً ووفق جدول زمني محدد لإلقاء أصواتهم في الصناديق بشكل فيزيائي، مما يمنع الاكتظاظ في نقطة واحدة ويحقق في الوقت ذاته شرط اللائحة الداخلية باستخدام بطاقات الاقتراع.
ويرى أنصار هذا الحل الوسط أنه بالرغم من ملاءمة جلسات الفيديو كونفرانس لتبادل الآراء والنقاشات الأولية، إلا أنها تعاني من نواقص فنية وتفتقر إلى القدرة على التأثير المباشر والوجاهي بين النواب، وهو أمر حاسم في عملية حساسة كالتصويت لهيئة الرئاسة. ويؤكد هؤلاء أنه يمكن دائماً إيجاد مخرج قانوني في اللائحة الداخلية لا يعتمد على الإنترنت لنقل الأصوات، ورغم ذلك، فإن تطبيق هذا المقترح يحتاج إلى لوجستيات دقيقة، وتنسيق أمني رفيع المستوى، وموافقة حاسمة من هيئة الرئاسة الحالية لضمان توزيع الصناديق وفرزها النهائي دون أي لبس.
خارطة المرشحين والتكهنات حول كرسي الرئاسة
إلى جانب التحديات الفنية والهيكلية المتعلقة بآلية التصويت، تظل الخارطة السياسية للبرلمان ووضع المرشحين للمناصب القيادية في هيئة الرئاسة محاطة بالغموض والتفاهمات خلف الكواليس. في الظروف العادية، كانت الأيام التي تسبق الانتخابات تشهد حراكا برلمانيا مكثفا وجلسات تكتلية مستمرة، لكن تعليق الجلسات الحضوروية نقل هذا الحراك إلى القنوات غير الرسمية عبر الاتصالات الهاتفية والمنصات المغلقة. وبناء على تصريحات النواب، لم يعلن أي مرشح بشكل رسمي وعام عن ترشحه للمناصب المختلفة حتى الآن، برغم التداول غير الرسمي لأسماء نحو عشرة نواب يتنافسون على مقاعد الأمانة والمراقبين.
ورغم هذا الصمت الرسمي، يبدو أن هناك شبه إجماع بين النواب حول منصب رئاسة البرلمان؛ وتشير التقييمات الحالية إلى أن محمد باقر قاليباف، الرئيس الحالي للبرلمان، يظل المرشح الأبرز والأوفر حظا دون منافس حقيقي للاستمرار في منصبه للدورة الثالثة. وأكد بعض النواب بثقة أن قاليباف هو الخيار الأساسي وسيحصل حتماً على الأصوات اللازمة لعدم وجود بديل قوي قادر على منافسته في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن المنافسة الحقيقية ستشتد على مقاعد نواب الرئيس (النائب الأول والثاني) ومقاعد الأمناء والمراقبين، حيث تشهد الخطوط الخلفية لابي واسعا لتغيير تركيبة إدارة البرلمان للسنة الثالثة لصالح تيارات سياسية معينة.

الخلاصة وآفاق بدء الدورة الثالثة للبرلمان الحالي
وفقا للمادة 12 من اللائحة الداخلية للبرلمان، يتم انتخاب أعضاء هيئة الرئاسة لولاية مدتها عام واحد، وبناء على التقويم البرلماني، جرت الانتخابات الأولى للبرلمان في دورته الحالية في مايو/آيار 2024، والانتخابات الثانية في مايو/آيار 2025. والآن، وبحسب الإعلان الرسمي لأعضاء هيئة الرئاسة الحالية، تقرر عقد الانتخابات الثالثة يوم الثلاثاء الموافق 26 مايو/آيار 2026على أن تبدأ الدورة الثالثة للبرلمان أعمالها رسمياً في 28 مايو/آيار 2026 مع تأكيدات قاطعة من المسؤولين بعدم تأجيل الانتخابات تحت أي ظرف، على أن تحسم تفاصيل آلية التنفيذ في الأيام القليلة القادمة.
في المحصلة، تقع المسؤولية النهائية لتحديد شكل الانتخابات على عاتق هيئة الرئاسة الحالية التي تضم الرئيس ونوابه والأمناء والمراقبين. ومن المقرر عقد جلسة غير علنية عبر الفيديو كونفرانس يوم الأحد 24 مايو/آيار 2026 لإطلاع النواب على المقررات النهائية والخطط المعتمدة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية. يواجه البرلمان الثاني عشر في أعتاب دورته الثالثة اختباراً كبيراً ومفصلياً؛ اختباراً يتوجب عليه فيه إثبات قدرته على صون أصول الدستور ولائحته الداخلية من جهة، والتعامل بحكمة ومرونة مع الإملاءات الأمنية والظروف الاستثنائية للبلاد من جهة أخرى.
