بزشكيان وأزمة الطاقة… بين دعوات التعبئة الشعبية وتصاعد المخاوف من استهداف البنية التحتية

تعيش إيران في السنوات الأخيرة على وقع ضغوط متشابكة وضعت البلاد أمام تحديات متصاعدة تمس مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة الذي بات يشكل أحد أبرز عناوين الجدل الداخلي والخارجي. فمع تصاعد التوترات الإقليمية وتفاقم الأزمات الاقتصادية، أصبحت مسألة توفير الكهرباء والغاز واستقرار شبكات الإمداد مرتبطة بصورة مباشرة بالأوضاع المعيشية للمواطنين، وبقدرة الدولة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي ظل هذه الظروف، تحولت الطاقة من ملف خدمي وتقني إلى قضية ذات أبعاد سياسية وأمنية، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التهديدات الخارجية، وتنعكس آثارها على تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين. كما أن التطورات الأخيرة كشفت حجم التحديات التي تواجهها البلاد في إدارة مواردها الحيوية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات أي اضطرابات أو استهدافات قد تطال البنية التحتية الحساسة، الأمر الذي يضع الحكومة أمام اختبار معقد يتعلق بقدرتها على احتواء الضغوط وطمأنة الشارع في آن واحد.

الحكومة الإيرانية والتعبئة العامة لمواجهة أزمة الطاقة

دخلت أزمة الطاقة في إيران خلال الأشهر الأخيرة مرحلة أكثر تعقيدا وحساسية، بعدما تداخلت العوامل الاقتصادية والتقنية مع التطورات الأمنية والعسكرية التي شهدتها البلاد، لتتحول مسألة الكهرباء والغاز من أزمة خدمية مزمنة إلى ملف يرتبط بالأمن القومي والاستقرار الداخلي. وفي قلب هذا المشهد، برز الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، باعتباره الواجهة السياسية الأساسية التي تحاول تقديم رواية الحكومة للأزمة، والدفع نحو ما وصفه بالتعبئة العامة لمواجهة تحديات الطاقة والحد من الاستهلاك.

فخلال اجتماع لبحث سير تقدم مشروع المحورية المجتمعية ومحورية المسجد، السبت 9 مايو/ آيار 2026، ركز بزشكيان بصورة متكررة على أن إيران تمر بظروف استثنائية تستوجب مشاركة المجتمع بأكمله في إدارة الأزمة، معتبرا أن مسألة ترشيد استهلاك الكهرباء والغاز لم تعد مجرد قضية اقتصادية، بل تحولت إلى واجب وطني وديني واجتماعي. وأكد الرئيس الإيراني أن الهدف الرئيسي للحكومة يتمثل في إصلاح الثقافة العامة في مجال إدارة الاستهلاك، مشددا على أن الدولة تسعى إلى ترسيخ ثقافة الترشيد عبر المساجد والمدارس والنقابات والمؤسسات المحلية.

Image

وفي أكثر تصريحاته إثارة للجدل، قال بزشكيان إن طفاء كل مصباح إضافي يشبه إطلاق رصاصة باتجاه العدو، في إشارة إلى الحرب الاقتصادية والضغوط التي تتعرض لها البلاد. هذا الخطاب عكس بوضوح محاولة الحكومة ربط أزمة الطاقة بالسياق الأمني والعسكري، وتقديم مسألة تقليل الاستهلاك بوصفها جزءا من المقاومة الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية.

كما دعا الرئيس الإيراني إلى تشكيل تعبئة عامة واسعة النطاق لإدارة الاستهلاك، مقترحا أن تتولى المساجد وقواعد البسيج، قوات تابعة للحرس الثوري، والمنظمات المحلية مسؤولية متابعة استهلاك الطاقة داخل الأحياء، بما في ذلك تقييم أداء المكيفات المائية، وتشجيع السكان على استخدام معدات منخفضة الاستهلاك. وتحدث أيضا عن مشروع يعتمد على تشكيل خلايا محلية تضم معلمين وأطباء ومهندسين وأصحاب مهن، تكون مهمتها تنظيم عملية ترشيد الطاقة داخل كل حي.

Image

وفي سياق متصل، حاول بزشكيان تقديم الأزمة باعتبارها تحديا جماعيا يتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، مؤكدا أن الحكومة ستوفر بعض الإمكانات الفنية والمالية للمجموعات الشعبية، وأن البنوك يمكن أن تساهم عبر قروض منخفضة الفائدة لدعم مشاريع ترشيد الاستهلاك. كما شدد على ضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة والأدوات الذكية في إدارة الطاقة، في إشارة إلى تجارب مثل منصة مهان الرقمية التي تتابع استهلاك الغاز والكهرباء وتحفز المواطنين على التوفير مقابل مكافآت مالية.

لكن اللافت في خطاب بزشكيان هو اعتماده المكثف على البعد التعبوي والأخلاقي، إذ تحدث مرارا عن ضرورة الصمود وتحمل الضغوط، واعتبر أن نجاح البلاد في تجاوز أزمة الطاقة مرتبط بمدى تعاون المواطنين مع الحكومة. كما حرص على التأكيد أن المساجد والمؤسسات الدينية يجب أن تكون محورا رئيسيا في إدارة الأزمة، معتبرا أن لهذه المؤسسات قدرة على تنظيم المجتمع وتحريك الناس بصورة فعالة.

ورغم محاولة الرئيس الإيراني إظهار الحكومة بمظهر الساعي إلى حلول تشاركية، فإن تصريحاته عكست في الوقت نفسه حجم القلق الرسمي من تفاقم أزمة الكهرباء والغاز، خصوصا مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع الاستهلاك، في وقت تعاني فيه البلاد أصلا من اختلال مزمن بين الإنتاج والطلب.

انتقادات داخلية للحكومة وتشكيك في كفاءتها

في مقابل خطاب التعبئة الذي تبناه بزشكيان، واجهت الحكومة موجة واسعة من الانتقادات الداخلية، سواء من وسائل إعلام إصلاحية أو من اقتصاديين وناشطين وحتى من قطاعات شعبية ترى أن الدولة تحاول تحميل المواطنين مسؤولية أزمة تعود جذورها إلى سنوات طويلة من سوء الإدارة وضعف التخطيط.

وتركزت الانتقادات على أن الحكومة، بدلا من تقديم حلول هيكلية لمعالجة أزمة الطاقة، تلجأ إلى خطاب أخلاقي يطالب الناس بالتقشف والترشيد، في وقت يعاني فيه الإيرانيون أصلا من تراجع حاد في مستويات المعيشة بسبب التضخم وارتفاع الأسعار. واعتبرت تقارير إعلامية إيرانية أن دعوات بزشكيان المتكررة إلى التوفير تبدو منفصلة عن الواقع الاجتماعي، لأن شريحة واسعة من المواطنين لم تعد تمتلك أساسا هامشا للاستهلاك يمكن تقليصه.

Image

وفي هذا السياق، أشارت تقارير ناقدة إلى أن حصة الغذاء وحدها باتت تستنزف الجزء الأكبر من دخل الأسر الإيرانية، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ما جعل الحديث عن خفض الاستهلاك يبدو بالنسبة لكثيرين أشبه بتحميل الضحية مسؤولية الأزمة.

كما تعرضت الحكومة لانتقادات بسبب ما وصفه معارضوها بغياب الفاعلية التنفيذية، فالأصوات الناقدة ترى أن الحكومة تكتفي بإطلاق التصريحات والتحذيرات، بينما تعجز عن تنفيذ إصلاحات حقيقية في قطاع الطاقة، سواء فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية، أو تحسين كفاءة الإنتاج، أو تقليل الهدر الكبير في الشبكات.

ومن بين أبرز الانتقادات أيضا أن الحكومة تبدو عاجزة عن إدارة ملفات حيوية متداخلة مع أزمة الطاقة، مثل أزمة الإنترنت والعقوبات والاختلالات الاقتصادية، ما يضعف ثقة المواطنين بقدرتها على إدارة أزمة بهذا الحجم. ويرى منتقدون أن الحديث المتكرر عن الحرب الاقتصادية والمؤامرات الخارجية لا يمكن أن يخفي وجود مشكلات داخلية متراكمة تتعلق بسوء التخطيط، وتأخر الاستثمار في قطاع الطاقة، وضعف الإدارة الفنية.

Image

كما يشير منتقدو الحكومة إلى أن الاعتماد المتزايد على المؤسسات الدينية والمحلية في إدارة ملف الطاقة يعكس، في جانب منه، عجز الدولة المركزية عن تقديم حلول تقنية وإدارية فعالة. فبدلا من تحديث الشبكات أو زيادة الاستثمارات في محطات الكهرباء والغاز، يجري التركيز على «تعبئة المجتمع» وتحويل الأزمة إلى مسؤولية جماعية.

ويخشى بعض المحللين الإيرانيين من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى مزيد من التآكل في رأس المال الاجتماعي والثقة العامة بالمؤسسات الرسمية، خصوصا إذا استمرت الانقطاعات والضغوط الاقتصادية دون تحسن ملموس. كما يرى هؤلاء أن الخطاب الحكومي الحالي يفتقر إلى الوضوح بشأن الأسباب الحقيقية للأزمة، ويركز بصورة مفرطة على سلوك المستهلكين، بينما يتجنب الحديث التفصيلي عن أوجه القصور البنيوية في القطاع.

الحرب الأخيرة وأسباب أزمة الطاقة المزمنة في إيران

رغم أن الحرب الأخيرة وما رافقها من هجمات على منشآت حيوية زادت من حدة القلق بشأن مستقبل الطاقة في إيران، فإن جذور الأزمة تعود إلى سنوات طويلة سبقت تلك التطورات. فإيران، رغم امتلاكها واحدا من أكبر احتياطيات الغاز والنفط في العالم، تعاني منذ أعوام من اختلال متزايد بين الإنتاج والاستهلاك، نتيجة عوامل متعددة تشمل العقوبات الدولية، وتقادم البنية التحتية، وارتفاع الاستهلاك الداخلي، وضعف الاستثمار.

وخلال الحرب الأخيرة، تعرضت بعض المنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة لهجمات مباشرة، كان أبرزها استهداف مبنى إدارة الغاز ومحطة تخفيض الغاز في مدينة أصفهان، إضافة إلى تقارير عن استهداف خط أنابيب الغاز التابع لمحطة كهرباء خرمشهر. ورغم أن السلطات الإيرانية أكدت استمرار إمدادات الطاقة وعدم وقوع خسائر بشرية، فإن هذه الهجمات سلطت الضوء على هشاشة بعض البنى التحتية الحيوية.

Image
Image

كما أثارت الحرب مخاوف متزايدة من احتمال توسع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت أكثر حساسية، خصوصا في ظل الحديث الإسرائيلي المتكرر عن إمكانية ضرب البنية التحتية للطاقة في إيران. وبالنسبة للسلطات الإيرانية، فإن هذا التهديد يأتي في وقت تعاني فيه البلاد أصلا من ضغوط شديدة على شبكات الكهرباء والغاز.

أما على المستوى البنيوي، فتعود أزمة الطاقة الإيرانية إلى عدة عوامل متراكمة، أول هذه العوامل هو الاستهلاك المرتفع للغاية، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن القطاع المنزلي يستهلك أكثر من 80% من الغاز المنتج خلال فترات الذروة. كما أن الدعم الحكومي الكبير للطاقة شجع لعقود على أنماط استهلاك مرتفعة وغير رشيدة.

Image

العامل الثاني يتمثل في ضعف الاستثمارات والتحديث. فالعقوبات الغربية حدت من قدرة إيران على استيراد التكنولوجيا الحديثة وتطوير منشآت الإنتاج والنقل، ما أدى إلى تقادم أجزاء واسعة من الشبكات. كما أن بعض محطات الكهرباء والغاز تعمل بكفاءة منخفضة مقارنة بالمعايير العالمية.

أما العامل الثالث فهو الهدر الكبير في شبكات التوزيع، سواء في الكهرباء أو الغاز، إضافة إلى ضعف أنظمة الإدارة الذكية للطاقة. ورغم محاولات الحكومة الحالية التوسع في استخدام التطبيقات الرقمية وأنظمة البيانات، فإن هذه الجهود ما تزال محدودة مقارنة بحجم الأزمة.

ويضاف إلى ذلك النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي، الذي أدى إلى ارتفاع مستمر في الطلب على الطاقة، في وقت لم يواكبه توسع مماثل في قدرات الإنتاج والنقل. كما أن تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة زادا من الضغط على شبكات الكهرباء خلال فصل الصيف.

البنية التحتية للطاقة بين الضغط الداخلي والتهديد الخارجي

اليوم، تبدو البنية التحتية للطاقة في إيران تحت ضغط مزدوج، فضغط داخلي ناتج عن الاختلال المزمن بين العرض والطلب، وضغط خارجي مرتبط بالتهديدات الأمنية والعسكرية المتصاعدة. فالهجمات الأخيرة على منشآت الغاز والكهرباء، حتى وإن كانت محدودة نسبيا، أظهرت أن قطاع الطاقة بات جزءا مباشرا من معادلات الصراع الإقليمي.

وزاد من خطورة هذه المخاوف ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن رسائل وجهتها إسرائيل إلى الولايات المتحدة، تضمنت دعوات صريحة لجعل البنية التحتية للطاقة في إيران هدفا رئيسيا في أي مواجهة مستقبلية، فوفق تلك التقارير، ترى إسرائيل أن تدمير منشآت الطاقة يمكن أن يوجه ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني ويدفع طهران إلى التفاوض من موقع ضعف.

Image

كما زعمت قنوات إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي قادر، بالتعاون مع حلفائه، على تدمير البنية التحتية الرئيسية للطاقة في إيران خلال 24 ساعة فقط، وهي تصريحات تعكس بوضوح انتقال ملف الطاقة إلى قلب الصراع الاستراتيجي بين الطرفين.

في المقابل، حذرت إيران من أنها سترد بالمثل إذا تعرضت منشآت الطاقة لديها لهجمات مباشرة، ما يعني أن أي تصعيد مستقبلي قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة تستهدف منشآت النفط والغاز والكهرباء في المنطقة بأسرها.

وبالنسبة لإيران، فإن استمرار هذا التهديد يفرض تحديات معقدة. فمن جهة، تحتاج البلاد إلى الحفاظ على استقرار الشبكات وتلبية الطلب المحلي المتزايد، ومن جهة أخرى، يتعين عليها تعزيز حماية منشآتها الحيوية في ظل احتمالات الاستهداف العسكري أو التخريب.

ولهذا السبب، تحاول الحكومة الإيرانية الربط بين ترشيد الاستهلاك والأمن القومي، باعتبار أن خفض الضغط على الشبكات يمكن أن يمنح البلاد هامشا أكبر للصمود في حال تعرض منشآت جديدة للهجوم. غير أن هذا الربط لا يلغي حقيقة أن قطاع الطاقة الإيراني يواجه أزمة عميقة تتجاوز مسألة الاستهلاك المنزلي، وتمتد إلى بنية الاقتصاد والسياسات والاستثمارات والعلاقات الدولية.

وفي النهاية، يبدو أن أزمة الطاقة في إيران لم تعد مجرد أزمة خدمات أو إدارة موارد، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على التكيف مع الضغوط المركبة؛ الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في آن واحد. وبينما تراهن الحكومة على تعبئة المجتمع وثقافة الترشيد، يرى منتقدوها أن الحل الحقيقي يبدأ من إصلاحات هيكلية عميقة، وتحديث البنية التحتية، واستعادة ثقة المواطنين، قبل مطالبتهم بتحمل أعباء إضافية تحت شعار الصمود. 

كلمات مفتاحية: