- زاد إيران - المحرر
- 8 Views
تعيش منطقة الخليج منذ أشهر على وقع توتر متصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تبادل مستمر للتهديدات والرسائل العسكرية ومحاولات الضغط السياسي المتبادلة، ما جعل المشهد الإقليمي مفتوحا على احتمالات التصعيد في أي لحظة. ورغم التفاهمات التي أُعلنت في أبريل/ نيسان 2026 لوقف إطلاق النار واحتواء المواجهة، فإن حوادث الاستهداف البحري والتوترات الأمنية والتحركات العسكرية في الخليج ظلت تتكرر بصورة متقطعة، كان آخرها الاستهداف الأمريكي لجزيرة قشم والرد الإيراني على البحرين والكويت. ومع هذه التطورات، بدا أن الصراع دخل مرحلة أكثر خطورة، بعدما امتدت الهجمات إلى قواعد عسكرية ومرافق حيوية في الخليج، وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق المواجهة وتداعياتها الإقليمية والدولية.
من استهداف ناقلة النفط إلى قصف جزيرة قشم
بدأت شرارة التصعيد الأخير عندما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم، الثلاثاء 2 يونيو/ حزيران 2026، تنفيذ عملية بحرية ضد ناقلة نفط كانت ترفع علم بوتسوانا وتحمل اسم إم تي لكسي، أثناء تحركها في المياه الدولية باتجاه جزيرة خارك الإيرانية. ووفق الرواية الأمريكية، فإن الناقلة رفضت الاستجابة لتحذيرات متكررة من القوات الأمريكية، ولم تمتثل لإجراءات الحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على الموانئ الإيرانية.

وقالت سنتكوم إن طائرة أمريكية أطلقت صاروخا من طراز هيلفاير على غرفة محركات السفينة، ما أدى إلى تعطيلها ومنعها من الوصول إلى السواحل الإيرانية، واعتبرت واشنطن أن العملية تأتي في إطار تطبيق إجراءات الحصار البحري ومنع ما وصفته بخرق العقوبات والإجراءات الأمنية في الخليج.
لكن الرواية الإيرانية جاءت مختلفة تماما، إذ اعتبرت طهران أن الهجوم الأمريكي يمثل عدوانا مباشرا على السيادة الإيرانية وحرية الملاحة في مضيق هرمز، كما وصفته بأنه انتهاك واضح للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة. وفي أعقاب ذلك، تحدثت وسائل إعلام إيرانية ومحلية عن سماع دوي انفجارات قرب جزيرة قشم، قبل أن يعلن الإعلام الإيراني أن القوات الأمريكية استهدفت أيضا برج اتصالات تابعا له جنوب الجزيرة، باستخدام مقذوفات جوية.

على الجانب الأخر، أكد الحرس الثوري في بيان رسمي أن الجيش الأمريكي نفذ اعتداءين متتاليين، الأول باستهداف ناقلة نفط إيرانية قرب مضيق هرمز، والثاني عبر ضرب برج اتصالات عسكري في جزيرة قشم، معتبرا أن هذه العمليات تمثل خرقا لتفاهمات وقف إطلاق النار الموقعة في أبريل الماضي، وانتهاكا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحظر استخدام القوة. من جهتها، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الهجمات الأمريكية تشكل عدوانا سافرا وانتهاكا واضحا للقانون الدولي، مؤكدة أن استخدام الولايات المتحدة لأراضي ومنشآت بعض دول الخليج في تنفيذ عملياتها يجعل هذه الدول شريكة في العدوان.

وفي بيان شديد اللهجة، حذرت طهران الكويت والبحرين من أن توفير أراضيهما أو تسهيلاتهما العسكرية للقوات الأمريكية يعد، وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314، مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية ضد إيران، كما أكدت الخارجية الإيرانية أن طهران ستستخدم كل قدراتها للدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، بما في ذلك استهداف مصدر ومنشأ الهجمات.

وفي المقابل، حاولت واشنطن تقديم عملياتها باعتبارها إجراءات دفاعية، إذ قالت سنتكوم إن القوات الأمريكية استهدفت محطة تحكم أرضية عسكرية في قشم بعد رصد نشاط عسكري إيراني يهدد الملاحة الدولية والقوات الأمريكية في المنطقة. لكن التصعيد لم يتوقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما تحولت المواجهة إلى تبادل واسع للضربات الصاروخية والطائرات المسيرة، في أخطر مواجهة مباشرة بين الطرفين منذ سنوات.
الرد الإيراني واستهداف القواعد الأمريكية في البحرين والكويت
بعد ساعات فقط من الهجمات الأمريكية، أعلن الحرس الثوري الإيراني بدء عمليات صاروخية وبالطائرات المسيرة استهدفت قواعد ومواقع عسكرية أمريكية في الخليج، مؤكدا أن الرد جاء أشد وأوسع من أي ردود سابقة، وقال الحرس الثوري إن القوات البحرية التابعة له استهدفت سفينة تدعى بانايا، وصفها بأنها مرتبطة بالعدو الأمريكي الصهيوني حسب وصفه، وذلك ردا على استهداف ناقلة النفط الإيرانية.

لكن التطور الأخطر تمثل في إعلان الحرس الثوري أن القوة الجوفضائية التابعة له شنت هجمات صاروخية وبالمسيرات على قاعدة جوية وقاعدة مروحيات أمريكية في إحدى دول المنطقة، إضافة إلى مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين. وبالتزامن مع ذلك، تحدثت وسائل إعلام خليجية وعربية عن سماع دوي انفجارات وصفارات إنذار في البحرين والكويت، فيما أكدت تقارير محلية تعرض قواعد علي السالم وعريفجان في الكويت لهجمات صاروخية.

وأعلنت وزارة الدفاع الكويتية أن البلاد تعرضت لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة، فيما قالت هيئة الطيران المدني الكويتية إن مبنى الركاب T1في مطار الكويت الدولي تعرض لأضرار نتيجة الهجمات، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية وتحويلها إلى مطارات بديلة.
كما أعلنت الكويت تفعيل خطط الطوارئ وإغلاق المجال الجوي مؤقتا، بينما تحدثت وزارة الصحة الكويتية عن وقوع عشرات الإصابات وإجراء عمليات جراحية عاجلة، وقالت السلطات الكويتية إن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت 13 صاروخا باليستيا و17 طائرة مسيرة، في حين تحدثت تقارير أخرى عن سقوط شظايا صواريخ في مناطق مدنية ومقتل شخص وإصابة عدد من المدنيين.
وفي البحرين، أعلنت وزارة الداخلية تفعيل صفارات الإنذار، وطلبت من السكان التوجه إلى الأماكن الآمنة، فيما تحدثت تقارير عن تعرض مقر الأسطول الخامس الأمريكي وقاعدة الجفير لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة.

كما أفادت وسائل إعلام عراقية وإيرانية بأن أنظمة باتريوت الأمريكية دخلت الخدمة لاعتراض الصواريخ الإيرانية في أجواء البحرين والكويت.
وفي الإمارات، تصاعدت المخاوف بعد تقارير تحدثت عن هجمات استهدفت قواعد أمريكية ومرافق عسكرية قرب الظفرة والمنهاد، إضافة إلى معلومات عن تعليق الرحلات في مطارات دبي وأبو ظبي بسبب اضطرابات الملاحة الجوية.
وأعلنت الكويت والبحرين والإمارات إغلاق مجالاتها الجوية بشكل مؤقت، في خطوة عكست حجم القلق من اتساع رقعة المواجهة العسكرية.
من جهتها، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية اعترضت عدة صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، ونفذت ضربات دفاعية في جزيرة قشم، مشيرة إلى أن الهجمات الإيرانية لم تحقق أهدافها العسكرية، كما أعلنت سنتكوم إسقاط ثلاث طائرات هجومية مسيرة قالت إنها كانت تستهدف سفنا مدنية تعبر المياه الدولية.
غير أن طهران أصرت على أن عملياتها حققت أهدافها، معتبرة أن استهداف القواعد الأمريكية يمثل رسالة واضحة بأن أي اعتداء على إيران سيقابله رد مباشر على الوجود العسكري الأمريكي في الخليج. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عن مصادر إيرانية قولها إن طهران تخلت عن سياسة الرد بالمثل، وإن أي هجوم أمريكي جديد سيقابل برد أقوى بمرة ونصف على الأقل، كما أكد الحرس الثوري أن الإخلال بأمن مضيق هرمز ستكون له تكلفة باهظة على الجيش الأمريكي، في رسالة تهديد مباشرة لواشنطن وحلفائها في المنطقة.
تداعيات سياسية واقتصادية ومخاوف من حرب إقليمية شاملة
لم تبق التطورات الأخيرة آثارها ضمن الإطار العسكري فقط، بل امتدت سريعا إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط تحذيرات دولية من أن المنطقة قد تكون على أعتاب مواجهة إقليمية مفتوحة.
فعلى المستوى السياسي، تصاعدت حدة الخطاب بين واشنطن وطهران بصورة غير مسبوقة. ففي الوقت الذي اتهمت فيه إيران الولايات المتحدة بخرق تفاهمات وقف إطلاق النار وارتكاب أعمال عدوانية، واصلت واشنطن تحميل طهران مسؤولية التصعيد وتهديد الملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، حذرت إيران الكويت والبحرين بشكل مباشر من الاستمرار في تقديم التسهيلات للقوات الأمريكية، معتبرة أن أي دعم لوجستي أو عسكري للعمليات الأمريكية يجعل هذه الدول شريكة في العدوان، كما شددت الخارجية الإيرانية على أن طهران تحتفظ بحقها الكامل في استهداف منشأ ومصدر أي هجمات تتعرض لها، في إشارة واضحة إلى إمكانية توسيع نطاق العمليات العسكرية مستقبلا. في المقابل، أكدت الولايات المتحدة أن عملياتها العسكرية كانت دفاعية، وهدفت إلى حماية القوات الأمريكية وحلفاء واشنطن في الخليج، بالإضافة إلى تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

وأثار التصعيد العسكري الأخير قلقا دوليا واسعا، خصوصا بعد تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن الخطر النووي الإيراني أصبح أكبر بكثير عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة، كما اعتبرت صحف ومراكز أبحاث غربية أن التصعيد قد يؤدي إلى تقويض فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد، خاصة في ظل تصاعد التوتر العسكري وتبادل الاتهامات بين الطرفين.

وفي خضم هذه التطورات، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتماما واسعا، بعدما أقر بأنه وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه مجنون، بسبب استمرار الحرب مع لبنان. وقال ترامب إنه كان منزعجا من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، معتبرا أن هذه الحرب تهدد المفاوضات الجارية مع إيران.

وفي الوقت نفسه، أكد ترامب أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، وأعرب عن رغبته في لقاء القيادة الإيرانية الجديدة، مشيرا إلى أن الأوضاع قد تتجه بسرعة نحو نتيجة إيجابية، لكن هذه التصريحات لم تمنع استمرار التصعيد الميداني، خاصة في ظل التحذيرات المتبادلة والعمليات العسكرية المتواصلة في الخليج.
اقتصاديا، كان مضيق هرمز في قلب العاصفة، فمجرد استهداف ناقلة النفط والهجمات المتبادلة قرب المضيق أدى إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا، حيث تجاوز سعر خام برنت 97 دولارا للبرميل، كما حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يؤثر على معيشة نحو مليار إنسان، خاصة في الدول الفقيرة والاقتصادات الهشة المعتمدة على واردات الطاقة، وقالت تقارير دولية إن تعطيل الملاحة في المضيق سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز عالميا، ما قد يفاقم الضغوط التضخمية ويؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن أحد كبار ملاك السفن العالميين قوله إن دفع رسوم مرتفعة للمرور عبر هرمز أفضل بكثير من إغلاقه أو تعطيله، كما اعتبرت وول ستريت جورنال أن الهجوم الأمريكي على قشم قلل فرص إعادة فتح مضيق هرمز، وساهم في ارتفاع أسعار النفط.

أما على المستوى الإقليمي، فقد أدى التصعيد إلى رفع درجة الاستنفار العسكري والأمني في دول الخليج، مع إغلاق مجالات جوية وتعليق الرحلات في البحرين والكويت والإمارات، وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير عن هجمات استهدفت مواقع للجماعات الكردية في أربيل بإقليم كردستان العراق، ما زاد المخاوف من توسع نطاق المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى.
ورغم أن واشنطن وطهران تؤكدان، ولو بشكل غير مباشر، أنهما لا ترغبان في حرب شاملة، فإن التطورات الميدانية تشير إلى أن هامش السيطرة على التصعيد يضيق بسرعة، فكل ضربة جديدة تفتح الباب أمام رد أعنف، وكل عملية عسكرية تزيد احتمالات الانفجار الإقليمي، في وقت تبدو فيه المنطقة بأسرها واقفة على حافة مواجهة قد تغير شكل الأمن الإقليمي وموازين القوى في الشرق الأوسط لعقود طويلة قادمة.

