إدراج الحرس على قائمة الإرهاب الأوروبية… قرار غير مسبوق وتداعيات مفتوحة

Image

يشهد المشهد السياسي الدولي في الآونة الأخيرة تصعيدا متسارعا في طبيعة التفاعلات بين القوى الإقليمية والدولية، في ظل تداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والقانونية. وفي هذا السياق، تتزايد القرارات ذات الطابع الحاد التي لا تقتصر آثارها على إطارها المباشر، بل تمتد لتطال موازين النفوذ، وأنماط العلاقات الدبلوماسية، ومستقبل الاستقرار في مناطق حساسة من العالم. يأتي هذا التطور في لحظة تشهد فيها المنطقة توترات متشابكة، ما يجعل تداعيات أي خطوة دولية موضع نقاش واسع وتحليل معمق نظرا لما تحمله من انعكاسات على الأمن الإقليمي والنظام الدولي برمته.

خطوة أوروبية غير مسبوقة… إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب

ففي خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي، قرر وزراء خارجية دول الاتحاد، الخميس 29 يناير/كانون الثاني 2026، إدراج الحرس الثوري الإيراني بكامل تشكيلاته العسكرية والتنظيمية على قائمة المنظمات الإرهابية التابعة للاتحاد، في قرار يعد الأول من نوعه الذي يشمل مؤسسة عسكرية رسمية تابعة لدولة ذات سيادة، ما منح القرار بعدا سياسيا وقانونيا يتجاوز الإطار التقليدي للعقوبات الأوروبية السابقة المفروضة على طهران.

Image

القرار الأوروبي جاء بعد سنوات من الجدل الداخلي والانقسام بين الدول الأعضاء، حيث كانت بعض العواصم، وعلى رأسها باريس، تعارض الذهاب إلى هذا التصنيف لما يحمله من تبعات قانونية وأمنية معقدة، غير أن ما وصفه الأعضاء بالتطورات الأخيرة في إيران لا سيما القمع العنيف للاحتجاجات الشعبية وسقوط أعداد كبيرة من القتلى، شكلت عاملا حاسما في توحيد الموقف الأوروبي ودفعه نحو اتخاذ هذه الخطوة.

من جانبها، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن القرار اتّخذ في إطار ما وصفته بالتحرك الحازم، مؤكدة أن ما جرى في إيران لا يمكن أن يبقى بلا رد، وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي لم يكن في البداية على دراية كاملة بحجم القمع، إلا أن تَكشّف المعطيات لاحقا فرض ضرورة الرد السياسي والقانوني.

Image

وفي هذا الإطار، أفاد خبراء بأن إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب الأوروبية يضعه في خانة واحدة مع تنظيمات مثل القاعدة وداعش وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، الأمر الذي يمنح القرار دلالة رمزية قوية تتجاوز تأثيراته العملية المباشرة. فالمسألة لم تعد مقتصرة على عقوبات قطاعية أو فردية، بل باتت تمس أحد أعمدة بنية السلطة العسكرية والأمنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومن الناحية القانونية، يعني هذا التصنيف إخضاع الحرس الثوري لإطار مكافحة الإرهاب المعمول به في الاتحاد الأوروبي منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، ذلك استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1373، ويترتب على ذلك تجميد جميع الأصول المالية المرتبطة بالحرس داخل دول الاتحاد، ومنع أي شكل من أشكال التمويل أو الدعم المباشر أو غير المباشر، فضلا عن تعزيز التعاون القضائي والأمني بين الدول الأعضاء لتتبع الشبكات المرتبطة به.

Image

وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان قد فرض في السنوات السابقة عقوبات واسعة على قادة في الحرس الثوري وعلى كيانات مرتبطة به، فإن إدراجه كمنظمة إرهابية يوسع من نطاق التداعيات المحتملة، خصوصا فيما يتعلق بالملاحقات الجنائية المحتملة ضد أفراد أو شركات يشتبه في تعاملها معه، حتى وإن كان ذلك عبر وسطاء أو شركات واجهة.

ردود الفعل الرسمية في الداخل الإيراني

على الجانب الأخر، قوبل القرار الأوروبي بسيل من ردود الفعل الغاضبة داخل إيران، عكست مستوى عال من التماسك الرسمي بين مختلف مؤسسات الدولة، السياسية والعسكرية والقضائي، فقد اعتبرت طهران الخطوة الأوروبية تصعيدا خطيرا واستفزازا مباشرا يمس أمنها القومي وسيادتها.

فبدوره، وصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، القرار بأنه خطأ استراتيجي كبير، معتبرا أن أوروبا ستدرك قريبا أنها أساءت التقدير في تعاملها مع إيران، هذا فيما قارن عراقجي هذه الخطوة بما وصفه بالخطأ الأوروبي السابق في ملف سناب باك، آلية العقوبات المرتبطة بالاتفاق النووي والتي أعاد مجلس الأمن تفعيلها في أغسطس/ آب 2025، والذي أدى، بحسب تعبيره، إلى تهميش الدور الأوروبي في قضايا المنطقة.

Image

كما أشار وزير الخارجية الإيراني إلى أن أوروبا قارة آخذة في الأفول، وأن قراراتها الأخيرة تعكس غياب الفهم الحقيقي للواقع الدولي والإقليمي، فضلا عن عدم إدراكها لمصالحها الذاتية، مضيفا أن هذا القرار لن يعزز من نفوذ أوروبا، بل سيؤدي إلى مزيد من تراجع دورها في الشرق الأوسط.

من جهته، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، خلال تغريدة الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2025، أن البرلمان الإيراني سبق أن أقر تشريعا يعتبر جيوش الدول التي تصنف الحرس الثوري منظمة إرهابية، جيوشا إرهابية بالمقابل، مؤكدا أن تبعات هذا القرار ستقع على عاتق الدول الأوروبية التي أقدمت عليه.

Image

السلطة القضائية الإيرانية دخلت بدورها على خط الرد، حيث حذر رئيسها، محسنى إيجئي، من أن هذا الإجراء لن يمر دون رد، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي اتخذ قراره في انسجام كامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومتهما أوروبا بازدواجية المعايير في ملف مكافحة الإرهاب

Image

وأشار محسني إيجئي إلى دور الحرس الثوري في محاربة تنظيم داعش، ولا سيما خلال المرحلة التي كان فيها التنظيم يشكل تهديدا واسعا للمنطقة، معتبرا أن تصنيف الحرس كمنظمة إرهابية يتجاهل هذا الدور بشكل متعمد.

على الصعيد العسكري، أصدر جيش الإيراني بيانا شديد اللهجة، أكد فيه أن الدول الأوروبية التي دعمت نظام صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية، بين أعوام 1980 و1988، ووفرت ملاذا لجماعات مسلحة معارضة لطهران، لا تملك، بحسب البيان، أي مصداقية في الحديث عن مكافحة الإرهاب، وشدد البيان على أن القوات المسلحة الإيرانية ستواصل الوقوف في وجه الإرهاب المدعوم من الغرب.

Image

كما أصدرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة بيانا اعتبرت فيه القرار الأوروبي غير منطقي وغير مسؤول، محذرة من أن تبعاته الخطِرة ستتحملها العواصم الأوروبية نفسها، وأكدت الهيئة أن الحرس الثوري مؤسسة قانونية ورسمية، وأنها كانت ولا تزال في طليعة مواجهة ما وصفته بإرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتحدة وحلفاؤها.

Image

في السياق ذاته، رأى محللون وخبراء مقربون من المؤسسات الرسمية أن الخطوة الأوروبية تمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، فقد اعتبر الخبير في الشؤون الدولية حسن هاني‌ زاده أن إدراج مؤسسة عسكرية رسمية على قائمة الإرهاب يشكل تهديدا مباشرا للأمن والسلم العالميين، ويعكس ازدواجية واضحة في التعاطي الغربي مع مفهوم الإرهاب.

Image

التداعيات المحتملة على الحرس… وكيف يمكن لإيران أن ترد؟

من الناحية العملية، يرى عدد من المراقبين أن التأثير الاقتصادي المباشر للقرار قد يكون محدودا نسبيا، نظرا إلى أن الحرس الثوري وشبكاته يخضعون بالفعل لعقوبات أميركية وأوروبية واسعة، إلا أن إدخاله في إطار مكافحة الإرهاب يفتح الباب أمام تبعات قانونية أوسع، خصوصا في الدول الأوروبية التي تجرم أي دعم أو تعامل مع الكيانات المصنفة إرهابية.

Image

ويؤكد الخبراء أن القرار من شأنه أن يرفع مستوى مخاطر الامتثال أمام البنوك والشركات الأوروبية، ما سيدفعها إلى تجنب أي تعامل، ولو غير مباشر، مع الاقتصاد الإيراني، خشية التعرض للمساءلة القانونية، وهو ما قد يؤدي عمليا إلى مزيد من التضييق على القنوات المالية والتجارية المرتبطة بإيران.

في المقابل، تمتلك إيران مجموعة من الخيارات للرد، بعضها طرح بالفعل في وسائل الإعلام الإيرانية، فقد تحدثت مصادر مطلعة عن مقترحات تشمل إعادة النظر في ترتيبات حماية البعثات الدبلوماسية الأوروبية في طهران، وتشديد إجراءات التفتيش في الموانئ والمطارات، وصولا إلى طرد ملحقين عسكريين أوروبيين.

Image

كما يلوح بعض المسؤولين بإمكانية تفعيل مبدأ المعاملة بالمثل عبر تصنيف مؤسسات أو قوات عسكرية أوروبية كمنظمات إرهابية، ذلك استنادا إلى التشريعات الإيرانية الداخلية. ورغم أن طهران لم تعلن رسميا تبني هذا الخيار، فإن التلويح به يعكس مستوى التصعيد السياسي المحتمل.

على المستوى الرمزي، يشكل القرار الأوروبي ضربة جديدة لمكانة الحرس الثوري في الساحة الدولية، ويعمق أزمة الشرعية التي تواجهها إيران بصبغتها الجمهورية الإسلامية في أعين عدد متزايد من الدول الغربية، لكنه في الوقت ذاته يعزز داخليا، خطاب الاستهداف الخارجي الذي لطالما استخدمته السلطات الإيرانية لحشد التأييد الداخلي وتوحيد الصفوف.

في المحصلة، فإن إدراج الاتحاد الأوروبي للحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية يمثل نقطة تحول في مسار العلاقات بين الجانبين، ليس فقط بسبب تبعاته القانونية والاقتصادية، بل أيضا لما يحمله من دلالات سياسية عميقة، وبينما ترى أوروبا في القرار أداة ضغط سياسية وأخلاقية، تعتبره طهران تصعيدا عدائيا ستكون له، وفق تصريحات مسؤوليها، تبعات متبادلة تتجاوز حدود القرار ذاته.