برلماني إيراني سابق: تفعيل آلية الزناد إعلان حرب ونهاية العلاقات الدبلوماسية مع أوروبا

أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الخميس 17 يوليو/تموز 2025، حوارا مع حشمت‌ الله فلاحت‌ بيشه، الأستاذ الجامعي والرئيس السابق للجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، حول التداعيات المحتملة لتهديدات الترويكا الأوروبية بشأن تفعيل آلية الزناد، وانعكاس ذلك على مستقبل العلاقات بين إيران والغرب ومسار المفاوضات النووية.

وفي ما يلي نص الحوار:

هل تسعى الصين، رغم نهجها المحافظ والتوتر القائم في علاقاتها مع الولايات المتحدة بسبب الحرب التجارية، إلى لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن وتمهيد الطريق لتطبيع العلاقات بينهما، كما فعلت في مارس/آذار 2023؟

إن القوى التي لديها خلافات مع الولايات المتحدة والغرب لا يمكنها أن تكون وسطاء حقيقيين بين طهران وواشنطن، لأنهم يستخدمون إيران كورقة تفاوض لتحقيق مصالحهم. فالروس مثلا ضحّوا بإحياء الاتفاق النووي لصالح حرب أوكرانيا، والصين لا تختلف كثيرا في هذا السياق.

والتحدي الأكبر للصين في علاقتها مع الولايات المتحدة حتى 2030 هو ملف تايوان، وقد يتصاعد التوتر حوله بحلول 2027 إذا لم تنشغل واشنطن بأزمة دولية أخرى. ومع تراجع الحاجة الأمريكية للوجود في الشرق الأوسط، زادت تحركاتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي. لذا، اعتبار الصين وسيطا في الملف الإيراني سيحوّل هذا الملف إلى ورقة تفاوضية ثانوية تخدم مصالح بكين لا مصالح طهران.

كما تتمتع دول مثل عمان وقطر بمؤهلات تجعلها الأنسب للوساطة، إذ تركّزان على استقرار المنطقة لما له من أهمية لمصالحهما التنموية، ولا تسعيان وراء مكاسب دبلوماسية دولية. ورغم غياب الإرادة الجادة حاليا للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة، فإن توافرت، فلن يصعب إيجاد وسيط مناسب.

إلى أي مدى يمكن أن تُسهم زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، للصين في تعبئة القدرات الدبلوماسية لمنظمة تعاون شنغهاي لاحتواء الضغوط الغربية على إيران؟

إن منظمة تعاون شنغهاي هي اتحاد متعدد الأطراف تشمل أنشطته جانبا من التعاون الأمني أيضا، إلا أن الدول الأعضاء فيها لم تتوصل بعد، في الظروف الراهنة، إلى آليات تعاون أمني وعسكري مشترك وتُشبه ما هو قائم في حلف الناتو أو بعض الاتحادات الإقليمية الأخرى.

وعراقجي استثمر زيارته للصين لترويج مواقف إيران وكشف الانتهاكات الأمريكية والإسرائيلية في إطار الدبلوماسية العامة، لكن تبقى السياسة الخارجية الإيرانية ضعيفة مقارنة بخصومها الذين أسسوا تحالفات عسكرية فعالة، بينما اكتفت إيران بخطابات تُقدَّم كتعامل استراتيجي دون تنفيذ فعلي.

كما أن التعاون الاستراتيجي مع الصين وروسيا بقي في إطار الخطاب ولم يُختبر في ظروف حرب حقيقية، ما يجعل من غير المرجح أن تساهم هاتان القوتان في دعم إيران، حتى دبلوماسيا، خاصة بعد مواقفهما السلبية في الحرب الأخيرة. 

وإذا حصل توافق إيراني-أمريكي لتخفيف التوتر، فيجب اختيار وسطاء لا يساومون على مصالح إيران. وهنا تبرز عمان وقطر كخيارات موثوقة، إذ سبق لعمان أن سعت للحفاظ على مسار التفاوض، بينما كان لقطر دور مهم في احتواء الحرب الأخيرة.

في ظل المواقف العدائية للولايات المتحدة ونهج إسرائيل الهجومي، هل تسعى واشنطن فعلا إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران، أم أنها تكتفي بإدارة تكاليفها الأمنية في المنطقة أو التماهي مع تل أبيب ضد طهران؟

برأيي، ما دام بإمكان إسرائيل توجيه ضربة إلى بعض القدرات النووية الإيرانية، فإن هذا هو الهمّ الأكبر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما يتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالأخير غالبا ما كان البادئ بالحروب في المنطقة، لكنه لم يتمكن يوما من إنهاء أي أزمة. وإذا ما تم تطبيق هذا النهج التدميري لنتنياهو على الملف الإيراني، فإن مصالح الولايات المتحدة نفسها ستواجه تحديات جدية.

برأيي، إن تركيز ترامب بعد الحرب مع إيران على ملف أوكرانيا وتقريب مواقف واشنطن من أوروبا وأوكرانيا يكشف أن أولويته الحالية هي احتواء روسيا، ويسعى لتجنب التورط في حرب جديدة مع إيران، ما يشير إلى أن احتمال التفاوض بين طهران وواشنطن لا يزال قائما.

ومع ذلك، يجب على إيران تجنب تكرار أخطائها السابقة، إذ أهدرت فرصة ثمينة لإحياء الاتفاق النووي خلال حكومة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، بعدما انجرت نحو صراع أوكرانيا، وهو ما يُعد خطأ دبلوماسيا كبيرا. واليوم، بعكس توقعات بعض المؤيدين لروسيا والصين بأن الهجوم على إيران سيؤدي لتدخل هاتين الدولتين وربما لحرب عالمية، فلقد اتسمت مواقف بكين وموسكو بالخمول، بل كانت أضعف من بعض مواقف دول المنطقة.

باتت الولايات المتحدة وأوروبا تعتبران روسيا التحدي الأكبر المشترك، ويُلاحظ أن تحديد فرنسا لمهلة تفعيل آلية الزناد تزامن مع المهلة التي حددها ترامب لروسيا لوقف إطلاق النار. 

وفي ضوء ذلك، من الأفضل ترك التطورات الدولية تأخذ مجراها، فخلال السنوات الخمس الماضية كان الصراع مع روسيا هو التحدي الأبرز، وفي السنوات القادمة ستتحول الأنظار إلى التنافس مع الصين حول تايوان والهيمنة الاقتصادية. وكان بإمكان إيران استغلال هذا الصراع بين القوى الكبرى لخدمة مصالحها وسط عالم مضطرب.

إلى أي مدى تُعدّ شروط وزارة الخارجية الإيرانية- المتمثلة في مطالبة الولايات المتحدة بتقديم تعهدات والتركيز على ملف التخصيب- ضامنة في ميدان القوة الواقعية، وهل يمكن لطهران أن تثق أصلا بالضمانات التي قد تقدمها واشنطن؟

في الساحة الدولية، لا يضمن الحقوق سوى القوة. فلولا أن إيران ظهرت كمنتصر في الحرب مع إسرائيل، لما طُرح خيار التفاوض معها أصلا. وقد أثبتت إيران قوتها بتوجيه ضربات حاسمة وكشف أسلحة متطورة مع اقتراب نهاية المعركة، مما يؤكد أن القوة وحدها تفرض الاحترام، خاصة في مواجهة شخصية مثل ترامب، الذي يُعد من أكثر الرؤساء إخلالا بالعهود بعد الزعيم السياسي الألماني الأسبق أدولف هتلر.

في ظل هذه الظروف، لا قيمة فعلية للحديث عن الضمانات، فالعبرة الحقيقية تكمن في امتلاك عناصر القوة. ورغم أن الحرب التي استمرت 12 يوما كانت متوقعة وقابلة للتفادي، فإنها قدّمت دروسا مهمة. وإذا التزمت الحكومة الإيرانية بتلك الدروس، فستقترب من امتلاك القوة التي تضمن مصالحها.

تُبرز الحرب الأخيرة ثلاثة دروس أساسية: أولا، وقوف الشعب الإيراني إلى جانب بلاده يفرض على الحكومة أن تكون بدورها إلى جانب شعبها. ثانيا، المتشددون الذين اكتفوا بالوعود وخلق الأزمات ثم صمتوا عند وقف إطلاق النار، لا يمثلون مصدرا حقيقيا للقوة؛ فالقوة تنبع من الشعب. ثالثا، الحفاظ على البنية العسكرية أمر حاسم، ويجب دعم معنويات الجنود وتعزيز القدرات المادية، إذ إن تضحيات الجنود الإيرانيين استثنائية. 

وهذه الرسائل توجّه إنذارا واضحا للولايات المتحدة وإسرائيل، فإذا اندلعت حرب جديدة، سترد إيران بأقصى أدواتها التدميرية، كما أكدتُ سابقا بعد وقف إطلاق النار، محذرا من حرب ستكون الأكثر انتحارا في التاريخ ضد إسرائيل وحلفائها.

في حال قامت الترويكا الأوروبية بتفعيل آلية الزناد وأُعيد فرض قرارات مجلس الأمن، ما خيارات إيران لمواجهة هذا الوضع؟ وهل تمتلك طهران خطة بديلة (خطة B) لمنع تفعيل الآلية من الأساس؟

برأيي، عندما صرّح عراقجي بأن تفعيل آلية الزناد يُعد بمثابة إعلان حرب، كان يقصد أن مثل هذا الإجراء سيُخرج العلاقة بين إيران وأوروبا من الإطار الدبلوماسي. والخروج من هذا الإطار له دلالاته الخاصة؛ فبقدر ما تُهدَّد مصالح إيران من قِبل الدول الأوروبية، فإن مصالح تلك الدول ستكون بدورها معرضة للتهديد.

رغم ذلك، يبدو أن خطوة الترويكا الأوروبية تهدف بالأساس لإيصال رسالة تفاوضية إلى إيران. غير أن تفعيل آلية الزناد سيُعد اعتداء على مصالح الشعب الإيراني، وستكون لطهران قدرة على الرد، دون أن يكون الرد بالضرورة عسكريا. 

فمثل هذه الخطوة ستنهي نحو 40 عاما من العلاقات الدبلوماسية بين إيران وأوروبا، وسيُقابل الضرر الذي يلحق بإيران بأضرار متزايدة في المصالح الأوروبية بالمنطقة.

إلى أي مدى يمكن أن يكون دور الصين وروسيا واقعيا وفعّالا في احتواء الآثار القانونية والأمنية المترتبة على تفعيل آلية الزناد؟

هناك مساران لإحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن: الأول عبر قرار من مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن لم تلجأ إليه الدول الأوروبية لأن الصين وروسيا يمكنهما استخدام الفيتو لعرقلة أي قرار ضد إيران.

أما المسار الثاني، وهو ما تستخدمه أوروبا كأداة ضغط، فهو تفعيل آلية الزناد، والتي لا تتطلب قرارا جديدا من مجلس الأمن، بل قرارا لمنع إعادة العقوبات، وهنا يمكن للولايات المتحدة وأوروبا استخدام الفيتو ضد أي تحرك لصالح إيران، ما يجعل الصين وروسيا عاجزتين عن تقديم دعم فعّال.

هل تملك إيران، في حال تصاعد المواجهة بين المسار الدبلوماسي والضغوط الغربية المتعددة الأطراف، مساحة للانتقال من مرحلة المقاومة الدبلوماسية إلى مرحلة الردع الفعّال؟

رغم الضغوط الغربية والأمريكية، لا تبدو إيران في الوقت الراهن القضية المحورية على الساحة الدولية. ومن خلال قدر من الحكمة الدبلوماسية، يمكن تجنّب تحولها إلى بؤرة جديدة للصراع، وهو أمر قابل للتحقيق. فالمهلة التي حددتها فرنسا والدول الأوروبية والولايات المتحدة لتفعيل آلية الزناد تعكس رغبتها بالتفاوض، رغم أن نتائج هذه المفاوضات تبقى غير مضمونة. 

وبرأيي، الأولوية الحالية للغرب هي أزمة أوكرانيا، وإذا تجنبت إيران الدخول كجبهة جديدة في الصراع بين الشرق والغرب، فقد يُتاح التوصل إلى مسار غير تصادمي يخدم مصالحها الوطنية.

هل يمكن اعتبار تعليق التعاون مع الهيئات الرقابية أو تأجيل المشاورات خيارات ردع محتملة في ظل تمسك الترويكا الأوروبية بتفعيل آلية الزناد وتهديدات النظام الإسرائيلي؟

برأيي إن إطلاق تصريحات دون خطوات عملية لا يزيد إلا من التهديدات ضد إيران، فقد سبق أن طُرحت مزاعم كثيرة دون تنفيذ فعلي، فلا أُغلق مضيق هرمز، ولا صُنعت قنبلة نووية، ولا انسحبت إيران من معاهدة عدم الانتشار. 

وأعتقد، أن أكثر ما تعرّض للظلم في السياسة الخارجية الإيرانية هو البرنامج النووي، الذي كان سلميا بالكامل، إذ إن أكثر من 20٪ من عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال العقدين الأخيرين تمت في إيران، ورغم ذلك بقي البرنامج نظيفا.

لكن الادعاءات غير المدروسة، التي استغلها شخصيات مثل نتنياهو وترامب، أضرت كثيرا بالبرنامج النووي الإيراني. وبحسب القوانين الدولية، يحق لإيران امتلاك دورة وقود نووي كاملة، ويمكن التفاوض حول هذا الحق ضمن جدول زمني ومستويات التخصيب، وهو الإطار الذي يجب أن يُعالج فيه هذا الملف.

إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقاعست عن أداء دورها، إذ لم تُدن الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، ما يفقدها الآن مبرر التنصل من مسؤولياتها تجاه إيران كعضو في معاهدة عدم الانتشار. لإيران حقوق بموجب المعاهدة يجب احترامها، وإذا قدّمت الوكالة خطة عادلة تعترف بهذه الحقوق، يمكن التوصل لاتفاق بشأن التفتيش. أما في غياب هذا الاعتراف العملي، فلا يوجد أساس حقيقي للتعاون.