- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 8 Views
في إيران، لا تقرأ التعيينات داخل المؤسسات العليا بوصفها إجراءات إدارية عادية، بل تعامل غالبا كمؤشرات تعكس اتجاهات موازين القوى وطبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد. فكل تغيير في المواقع الحساسة يفتح بابا واسعا للتساؤلات حول الرسائل الكامنة خلفه، وحول طبيعة الشخصيات التي يجري الدفع بها إلى الواجهة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات ترتبط مباشرة بعملية صناعة القرار وإدارة التوازنات داخل النظام. وفي ظل التحولات الداخلية والتحديات الخارجية التي تواجهها الدولة الإيرانية، تكتسب التحركات الأخيرة داخل هرم المؤسسات الرسمية أهمية مضاعفة، باعتبارها جزءا من إعادة ترتيب أوسع للأدوار والنفوذ داخل بنية الدولة الإيرانية.
تعيين جديد في قلب المؤسسة السياسية الإيرانية
أعلنت إيران رسميا، السبت 9 مايو/ آيار 2026، تعيين عباس علي كدخدائي مشرفا على الأمانة العامة لمجمع تشخيص مصلحة النظام، في خطوة لاقت اهتماما سياسيا وإعلاميا واسعا داخل البلاد، نظرا للموقع الحساس الذي يشغله المجمع في البنية السياسية للجمهورية الإسلامية، وكذلك بسبب الشخصية التي وقع عليها الاختيار لتولي هذا المنصب.

وجاء الإعلان عبر محسن دهنوي، المتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي أوضح أن التعيين تم بقرار من رئيس المجمع صادق آملي لاريجاني، وأن مراسم تقديم كدخدائي أقيمت بحضور عدد من أعضاء المجمع ومديريه ورؤساء لجانه. ويأتي هذا التعيين بعد انتقال محمد باقر ذو القدر، الذي كان يشغل منصب أمين المجمع، إلى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو انتقال عكس بدوره إعادة ترتيب داخل المؤسسات العليا في النظام الإيراني.

ويعد منصب الأمانة العامة لمجمع تشخيص مصلحة النظام من المواقع المهمة في هيكل الدولة الإيرانية، ليس فقط بسبب الدور الإداري والتنظيمي الذي تضطلع به الأمانة، بل أيضا بسبب طبيعة الملفات السياسية والاستراتيجية التي تمر عبرها. فمجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي تأسس في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، يعتبر هيئة استشارية عليا للمرشد الإيراني، كما يضطلع بدور محوري في حل الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، فضلا عن صياغة السياسات العامة للدولة ومتابعة تنفيذها.
وتتولى الأمانة العامة للمجمع إدارة الاجتماعات واللجان المتخصصة، وإعداد الدراسات والتقارير المتعلقة بالقضايا المطروحة على المجمع، فضلا عن تنسيق أعمال اللجان المختلفة ومتابعة تنفيذ قرارات المجمع وسياساته. كما تلعب دورا في إدارة العلاقة بين المجمع وبقية مؤسسات الدولة، خصوصا البرلمان والحكومة ومجلس صيانة الدستور، ما يجعل منصب المشرف على الأمانة العامة موقعا ذا طبيعة سياسية وإدارية معقدة في آن واحد.

ويكتسب التعيين أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها إيران داخليا وخارجيا، حيث تواجه البلاد تحديات اقتصادية متزايدة، وضغوطا دولية مستمرة، إضافة إلى ملفات داخلية تتعلق بإدارة التوازنات بين التيارات السياسية المختلفة داخل النظام. ومن هنا، فإن اختيار شخصية مثل عباس علي كدخدائي، المعروف بخبرته الطويلة في المؤسسات الدستورية والقانونية الإيرانية، يعكس رغبة في تعزيز الطابع المؤسسي والقانوني داخل المجمع، وربما إعطاء مساحة أكبر للخبرات القانونية في إدارة الملفات الحساسة.
عباس علي كدخدائي… من أصفهان إلى قلب المؤسسات الدستورية
ولد عباس علي كدخدائي عام 1961 في مدينة أصفهان، وبدأ مساره الأكاديمي بدراسة الحقوق في جامعة طهران، حيث حصل عام 1986 على شهادة البكالوريوس من كلية الحقوق والعلوم السياسية. وبعد انتهاء دراسته، التحق بالعمل في وزارة الحرس الثوري السابقة، قبل أن يغادر إلى المملكة المتحدة عقب انتهاء الحرب الإيرانية العراقية لاستكمال دراساته العليا.

في بريطانيا، حصل كدخدائي على درجة الماجستير في القانون الدولي من جامعة هال عام 1992، ثم نال الدكتوراه في التخصص نفسه من جامعة ليدز عام 1997، وهو ما أضفى على شخصيته بعدا أكاديميا وقانونيا ظل حاضرا في مختلف المناصب التي شغلها لاحقا.
وعقب عودته إلى إيران، انضم إلى الهيئة التدريسية في جامعة طهران، حيث أصبح أستاذا في كلية الحقوق والعلوم السياسية، قبل أن يبدأ مسيرته المؤسسية داخل أجهزة الدولة. وقد لمع اسمه بشكل خاص بعد انضمامه إلى مجلس صيانة الدستور ضمن مجموعة الحقوقيين الستة الذين ينتخبون من قبل البرلمان الإيراني بناء على ترشيح رئيس السلطة القضائية.
وخلال سنوات عمله في مجلس صيانة الدستور، شغل كدخدائي مناصب متعددة، أبرزها المتحدث باسم المجلس ونائب أمينه، كما ترأس معهد أبحاث مجلس صيانة الدستور، وتولى لاحقا رئاسة هيئة مطابقة قرارات الحكومة مع القوانين. كما عين عضوا في الهيئة العليا لحل الخلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث بقرار من المرشد الإيراني، وهي هيئة تعنى بالتعامل مع التباينات بين مؤسسات الحكم المختلفة.

وإلى جانب أدواره السياسية والقانونية، احتفظ كدخدائي بحضور أكاديمي واضح، إذ تولى رئاسة معهد الدراسات القانونية العامة بجامعة طهران، وشارك في إعداد ونشر عدد كبير من الكتب والدراسات المتعلقة بالقانون الدستوري والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
ورغم أن صورته ارتبطت لسنوات طويلة بمجلس صيانة الدستور، الذي ينظر إليه باعتباره أحد أكثر المؤسسات تأثيرا في الحياة السياسية الإيرانية، فإن كدخدائي حاول في أكثر من مناسبة تقديم نفسه بوصفه رجل قانون قبل أن يكون رجل سياسة. وقد ظهر ذلك في تصريحاته المتعددة بشأن قرارات المجلس المتعلقة بالانتخابات وملفات أهلية المرشحين.
ففي إحدى المقابلات، تحدث بصراحة عن شعوره بالانزعاج من بعض قرارات رفض الأهلية التي أصدرها المجلس، قائلا إنه كان يشعر بالحزن عندما لا يحصل بعض المرشحين على الأصوات اللازمة داخل المجلس، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أعضاء المجلس ملزمون بتطبيق القانون. كما عرف عنه استخدام لغة هادئة نسبيا مقارنة ببعض الشخصيات المحافظة الأخرى، حتى في أوقات التوتر السياسي.

وبرز اسمه أيضا خلال الجدل الذي رافق استبعاد شخصيات بارزة من الانتخابات الرئاسية الإيرانية، مثل علي لاريجاني وهاشمي رفسنجاني، حيث دافع عن قرارات المجلس، لكنه حاول في الوقت ذاته نفي الاتهامات المتعلقة بالهندسة السياسية للانتخابات، مستخدما عبارات ساخرة أحيانا للتخفيف من حدة الانتقادات.
وفي عام 2020، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه إلى جانب عدد من أعضاء مجلس صيانة الدستور، بحجة المساهمة في تقويض الانتخابات الحرة، وهو ما رفضته طهران بشدة، معتبرة أن العقوبات تدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.
كما عرف كدخدائي بمواقفه المنتقدة للعقوبات الغربية على إيران، حيث صرح في إحدى المناسبات بأن العقوبات الاقتصادية والعلمية وحتى الرياضية تحد من الفرص الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للشعب الإيراني، معتبرا أنها تتعارض مع القانون الدولي وتمثل شكلا من أشكال التضييق على حقوق الشعوب.
ماذا يعني تعيين كدخدائي في هذا التوقيت؟
يحمل تعيين عباس علي كدخدائي على رأس الأمانة العامة لمجمع تشخيص مصلحة النظام جملة من الدلالات السياسية والمؤسساتية، خصوصا إذا ما أخذ بعين الاعتبار المسار الطويل الذي جمعه برئيس المجمع الحالي صادق آملي لاريجاني داخل مجلس صيانة الدستور.

فعلى مدى سنوات، عمل الرجلان جنبا إلى جنب داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في النظام الإيراني، ورغم أن العلاقة بينهما لم تكن دائما خالية من التوتر، خصوصا خلال الجدل الذي أعقب استبعاد علي لاريجاني من الانتخابات الرئاسية عام 2021، فإن تعيين كدخدائي اليوم من قبل آملي لاريجاني يشير إلى وجود قدر كبير من الثقة السياسية والمؤسساتية بين الطرفين.
كما يمكن النظر إلى التعيين باعتباره مؤشرا على استمرار الاعتماد على الشخصيات ذات الخلفية القانونية والدستورية في إدارة المؤسسات العليا للدولة، في وقت تسعى فيه إيران إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الأجنحة السياسية المختلفة داخل النظام. فكدخدائي لا يصنف ضمن الشخصيات الصدامية، بل ينظر إليه غالبا كشخصية محافظة ذات طابع مؤسساتي، قادرة على العمل داخل الهياكل الرسمية للدولة دون إثارة الكثير من الجدل المباشر.

ومن جهة أخرى، فإن نقل محمد باقر ذو القدر إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، وتعيين كدخدائي بدلا منه، يعكس أيضا نوعا من إعادة توزيع الأدوار بين الشخصيات المقربة من مراكز القرار في الجمهورية الإسلامية، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها إيران.
ويرى مراقبون أن وجود شخصية مثل كدخدائي في هذا الموقع قد يمنح الأمانة العامة للمجمع طابعا قانونيا وتنظيميا أكبر، خاصة أن الرجل يمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات الدستورية والتشريعية، إضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات داخل مؤسسات الدولة المختلفة.
وفي الوقت نفسه، فإن تعيينه قد يقرأ بوصفه محاولة لتعزيز التنسيق بين مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، وهما مؤسستان ترتبطان بشكل مباشر بعملية صناعة القرار في إيران، سواء على مستوى التشريعات أو السياسات العامة أو إدارة الخلافات بين السلطات.
وفي المحصلة، فإن وصول عباس علي كدخدائي إلى رئاسة الأمانة العامة لمجمع تشخيص مصلحة النظام لا يبدو مجرد تغيير إداري عابر، بل خطوة تعكس توجها أوسع داخل النظام الإيراني نحو تعزيز حضور الشخصيات القانونية والمؤسساتية في مواقع القرار، في مرحلة تتسم بحساسية سياسية واقتصادية متزايدة، وتحتاج فيها طهران إلى إدارة دقيقة للتوازنات الداخلية والخارجية على حد سواء.
