“صواريخ الترشيد” في مواجهة “حصار البحر”.. قراءة في استراتيجية قالیباف للمرحلة الجديدة من الحرب

كتب: الترجمان

في لحظة تاريخية مفصلية، وفي ظل تشابك التعقيدات الجيوسياسية التي تحيط بإيران، اختار رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قالیباف، أن يطل عبر رسالة صوتية هي الثانية من نوعها، ليصيغ تعريفا جديدا لما أسماه “الدورة الجديدة من الحرب”. لم تكن هذه الرسالة مجرد بيان سياسي عابر، بل جاءت كوثيقة استراتيجية متكاملة الأركان، تحاول الربط بين الصمود الاقتصادي، التماسك الاجتماعي، والتحول الجيوسياسي الذي يطمح لوضع إيران في مصاف اللاعبين المؤثرين دوليا. إن هذا التقرير يحلل أبعاد هذه الرؤية التي تمزج بين لغة الميدان العسكري وأدوات الإدارة الجهادية، في محاولة لرسم ملامح الانتصار في معركة يراها قالیباف وجودية.

فلسفة المواجهة: من الميدان العسكري إلى الحرب على “الانسجام”

ينطلق قالیباف في تحليله من قراءة دقيقة للتحولات في سلوك الخصم، مؤكدا أن العدو، وبعد فشله في المواجهات التقليدية، انتقل إلى “تصميم جديد” يعتمد بشكل أساسي على المحاصرة البحرية والضغط الاقتصادي المكثف، معززا بجهاز إعلامي ضخم يهدف إلى ضرب “الانسجام الوطني”. 

يرى رئيس البرلمان الإيراني أن التصرفات الأمريكية الأخيرة في مضيق هرمز والخليج العربي ليست مجرد استعراض قوة، بل هي محاولات لخلق واقع معيشي ضاغط يؤدي في النهاية إلى “إضعاف إيران من الداخل”. هذا التحول في الاستراتيجية المعادية يعكس، من وجهة نظر قالیباف، حالة من اليأس لدى الخصم الذي بات يراهن على “تآكل الصبر الشعبي” كبديل عن الحسم العسكري الذي يدرك كلفته العالية.

ومع ذلك، لا يقلل قالیباف من شأن التهديدات الأمنية المباشرة، حيث يشير بوضوح إلى أن احتمال وقوع هجمات عسكرية، وتحديدا العمليات الإرهابية، يظل قائما ومطروحا بقوة. لكنه يشدد على أن “الوعي التاريخي” للشعب الإيراني يمثل الدرع الأقوى؛ فالإيرانيون، بحسب قوله، يدركون أنهم في مرحلة حساسة من تاريخهم، وأن أي تراجع الآن يعني ضياع تطلعات أجيال المستقبل. 

إن الربط بين “عزة الوطن” و”الاستقلال الديني” يشكل النواة الصلبة التي تمنع الانهيار تحت وطأة العقوبات، وهو ما يفسر تعجبه من استمرار الأعداء في بناء حساباتهم على تقارير مغلوطة تتجاهل طبيعة الشخصية الإيرانية المقاومة.

Image

مسؤولية الدولة: الإدارة الجهادية والمكاشفة الشعبية

في الشق الإداري من الرسالة، يضع قالیباف الحكومة والأجهزة التنفيذية أمام مسؤوليات تاريخية، مؤكدا أن الحرب في دورتها الجديدة تتطلب نمطا مختلفا من الإدارة يتجاوز الروتين البيروقراطي. هو يطالب بالعودة إلى “إدارة مرحلة الحرب”، حيث يتميز العمل بالسرعة، والدقة، والروح الجهادية. 

وفي لفتة برلمانية لافتة، أكد أن البرلمان يمارس دوره الرقابي والداعم في جلسات غير معلنة لملاحقة قضايا الغلاء وتدهور القوة الشرائية، مشدداً على أن الهدف هو مساعدة الحكومة وليس مجرد انتقادها، لكنه في الوقت ذاته وجه نداء صريحا للحكومة بضرورة “إطلاع الناس” على خططها وإجراءاتها.

إن هذه المطالبة بالشفافية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي تكتيك لامتصاص القلق الشعبي. يرى قالیباف أن صمت المسؤولين حيال التحديات الاقتصادية يفسح المجال للشائعات والإعلام المعادي، بينما الشرح الصادق والشفاف للخطط المتبعة يمنح المواطن “راحة البال” ويجعله شريكا في تحمل المسؤولية. 

وهنا التركيز على أن ركائز الضغط الاقتصادي تعود لسببين: مشكلات قديمة مزمنة في هيكل الاقتصاد، وظروف الحرب الحالية؛ ومعالجة هذين الأمرين تتطلب تكاتفا بين كافة السلطات لضمان وصول الدعم لمستحقيه وتخفيف وطأة الغلاء التي باتت تؤرق الأسر الإيرانية.

Image

“صاروخ الترشيد”: تحويل الاستهلاك إلى فعل مقاوم

لعل أكثر المفاهيم ابتكارا في خطاب قالیباف هو تحويل “الترشيد والادخار” من سلوك اقتصادي إلى “سلاح عسكري”. بوصفه للترشيد بأنه “أكثر الصواريخ تأثيرا في قلب العدو”، فإنه يحاول عسكرة الوعي الاقتصادي للمواطن. 

في ظل الحصار البحري ومحاولات خنق الصادرات والواردات، يصبح تقنين الاستهلاك وتوجيه الموارد نحو الضروريات فقط بمثابة خط دفاع استراتيجي يمنع العدو من تحقيق أهدافه في شل حركة الدولة. هذه الدعوة ليست موجهة للفقراء فقط، بل هي “حكم عام” يطالب المجتمع بأسره بالانضباط المالي لتعزيز صمود الاقتصاد الكلي.

هذه الاستراتيجية تتكامل مع دعوة قالیباف لإحياء التكافل الاجتماعي عبر حملات شعبية مثل “إيران همدل” (إيران المتضامنة). يستند رئيس البرلمان هنا إلى تجربة جائحة كورونا الناجحة، حيث استطاع التكافل الشعبي سد الثغرات التي عجزت عنها الأجهزة الرسمية. 

إن الهدف هو تحويل الضغط الاقتصادي إلى فرصة لتعزيز اللحمة الاجتماعية، بحيث يشعر المواطن أن “جاره” هو سنده الأول قبل الدولة، مما يحبط خطة العدو في تمزيق النسيج الاجتماعي وإثارة النزاعات الداخلية حول الموارد المحدودة.

الباسیج والنخب: القوة الناعمة والصلبة في خدمة المجتمع

في ملامح الدورة الجديدة من الحرب، يعيد قالیباف تعريف أدوار المؤسسات الثورية والعلمية. هو يرى في قوات “الباسیج” بمساجدهم ومقراتهم في الأحياء، الأداة الأكثر قدرة على حل مشكلات الناس اليومية. الطلب الموجه للباسيج هو أن يكونوا “ملجأ الناس” والوسطاء بين المواطن والمسؤول. 

إن قدرة البسيج على التشخيص الميداني للاحتياجات تجعل منهم “جهاز استشعار” مبكر للأزمات، وهو دور يفوق في كفاءته الأجهزة الحكومية المركزية. هذه الرؤية تهدف إلى جعل “المسجد” مركزاً للإدارة المحلية والخدمية، مما يعيد للعمل الثوري وهجه الشعبي في مواجهة الأزمات المعيشية.

وعلى الضفة الأخرى، يفتح قالیباف الباب على مصراعيه للنخب الفكرية والأكاديمية، مطالبا إياهم بعدم انتظار “دعوة رسمية” للمشاركة. الرسالة واضحة: الحرب الاقتصادية والتقنية تحتاج إلى عقول مبتكرة بقدر حاجتها إلى سواعد ميدانية. بتكليفه لمركز أبحاث المجلس بفتح قنوات لاستقبال مقترحات النخب، يحاول قالیباف جسر الهوة بين “القرار السياسي” و”البحث العلمي”. 

هو يؤمن بأن الحلول المستدامة لمشكلات مثل التضخم وتراجع الإنتاج لا تأتي فقط من الأوامر الإدارية، بل من الأفكار الإبداعية التي تمتلكها الكوادر العلمية الإيرانية القادرة على التحايل على العقوبات وابتكار طرق جديدة للتنمية.

Image

المغتربون كعمق استراتيجي: إعادة تعريف الهوية الوطنية

من أكثر النقاط جرأة في خطاب قالیباف هو توجهه المباشر للإيرانيين المقيمين في الخارج، معتبراً إياهم “أحد أكبر أركان هزيمة العدو”. في هذا الطرح، يتجاوز رئيس المجلس الحدود الجغرافية لإيران، ليرسم حدودا “هوياتية” تشمل كل من يحمل هما وطنيا. 

هو لا يطلب منهم مجرد الدعم المعنوي، بل يدعوهم لاستخدام “قدراتهم الاقتصادية، وخبراتهم، وعلاقاتهم الدولية” لكسر الحصار المفروض على بلدهم. إنها دعوة لتحويل “إيران المهجر” إلى قوة ناعمة واقتصادية مساندة للداخل، قادرة على فتح مسارات تجارية ودبلوماسية موازية بعيداً عن أيدي العقوبات الأمريكية.

واللافت هنا هو لغة “الإجبار” التي استخدمها قالیباف؛ حيث طالب المغتربين بأن “يجبروا” المسؤولين والسفارات على الاستفادة من طاقاتهم. هذا الاعتراف بوجود عوائق بيروقراطية قديمة كانت تصد المغتربين، يمثل نقدا ذاتيا ضمنيا ورغبة حقيقية في تغيير النهج. 

رؤية قالیباف تقوم على أن الإيراني في الخارج، رغم بعده آلاف الكيلومترات، هو جندي في هذه المعركة، وأن نجاح إيران في أن تصبح “لاعباً مؤثراً في النظام الدولي” يعتمد بشكل كبير على كيفية استثمار هذه العقول والرساميل المهاجرة التي تظل، رغم كل شيء، مرتبطة بجذورها وحريصة على عزة وطنها.

نحو أفق جيوسياسي جديد

تختتم الرسالة الصوتية بجرعة مكثفة من الأمل الممزوج بالواقعية؛ فالأوضاع الصعبة والمشقة التي تمر بها البلاد حاليا هي، في نظر قالیباف، “مخاض الولادة” لإيران الجديدة. إيران التي ستخرج من هذه الحرب الاقتصادية ليس فقط صامدة، بل “لاعباً مؤثراً” يفرض شروطه في الساحة الدولية. 

الشكر الذي وجهه لكل المواطنين، باختلاف مشاربهم السياسية والدينية، يعكس رغبة في بناء “كتلة وطنية صلبة” تدرك أن مصير الجميع مرتبط بنجاح هذه الاستراتيجية. في النهاية، يقدم قالیباف رؤية تتجاوز مجرد إدارة الأزمة، إلى محاولة استغلال الأزمة لصياغة مستقبل تكون فيه إيران أكثر قوة، استقلالاً، وكرامة، معتمداً في ذلك على “مثلث ذهبي” أضلاعه: القيادة الجهادية، التكافل الشعبي، والابتكار النخبوي.

كلمات مفتاحية: