تصريحات ترامب بعد الصين.. هل تقترب واشنطن من جولة جديدة مع إيران؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة واسعة قد تكون لها تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية. وفي الوقت الذي تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية، تتزايد المؤشرات على أن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات مهمة في طبيعة الصراع القائم وآليات التعامل معه. كما تعكس التحركات الدبلوماسية الأخيرة حجم القلق الدولي من اتساع دائرة الأزمة، في ظل استمرار تبادل الرسائل السياسية والتلويح بخيارات متعددة قد تعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي خلال الفترة المقبلة.

تصعيد أمريكي ورسائل تهديد جديدة تجاه طهران

أعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجر السبت 16 مايو/ آيار 2026، عقب انتهاء زيارته الرسمية إلى الصين، فتح باب التكهنات حول احتمالات عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من التوتر الحاد والقلق المتصاعد بشأن مستقبل الملف النووي الإيراني ومصير التفاهمات غير المعلنة التي سادت خلال الأشهر الماضية. حيث لم يكتف الرئيس الأمريكي بإطلاق تحذيرات سياسية ودبلوماسية، بل تحدث بلغة عسكرية مباشرة، مستخدما تعبيرات حادة بشأن ما وصفه بضرورة استكمال العمل ضد إيران، مؤكدا أن واشنطن قد تضطر إلى تنفيذ عمليات تنظيف جديدة داخل الأراضي الإيرانية، في إشارة أثارت مخاوف واسعة من احتمال عودة الضربات العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية.

Image

ترامب، الذي تحدث إلى الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية إير فورس وان خلال عودته من بكين، قال إن الولايات المتحدة أنجزت نحو 75% من المهمة عسكريا في إيران، لكنه أضاف أن كل شيء لم ينته بعد، وأن بلاده قد تعود لاستكمال المهمة وربما أكثر من ذلك، كما أكد أن واشنطن قد تدخل إيران لاستخراج المواد النووية إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات تضمن منع طهران من امتلاك سلاح نووي. بل وذهب ترامب أبعد من ذلك عندما قال إن الولايات المتحدة قادرة على تدمير محطات الطاقة الإيرانية خلال يومين، وإن بلاده لن تسمح تحت أي ظرف لإيران بامتلاك سلاح نووي.

وفي إطار الضغوط السياسية، شدد الرئيس الأمريكي على رفضه أي مقترح إيراني يتضمن استمرار تخصيب اليورانيوم حتى ولو بصورة محدودة، مؤكدا أنه لن يقرأ أي عرض يتضمن التخصيب. كما قال إنه لا يمانع تعليق البرنامج النووي الإيراني لمدة عشرين عاما، لكن بشرط أن يكون ذلك التزاما حقيقيا، معتبرا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الثقة بين الطرفين، ومتهما الإيرانيين بأنهم يوافقون على التفاهمات ثم ينكرونها في اليوم التالي على حد تعبيره.

Image

كما كرر ترامب مزاعمه بشأن نتائج العمليات العسكرية السابقة ضد إيران، مدعيا أن الولايات المتحدة دمرت 80% من القدرات الصاروخية الإيرانية، وأن سلاح الجو الإيراني تم القضاء عليه بالكامل، إضافة إلى تدمير البنية الصناعية العسكرية الإيرانية. إلا أن هذه التصريحات قوبلت بتشكيك واسع، خصوصا في ظل تقارير أمريكية وإسرائيلية تحدثت لاحقا عن استعادة إيران جانبا كبيرا من قدراتها الصاروخية والعملياتية خلال فترة قصيرة.

Image

وفي جانب آخر من تصريحاته، حاول ترامب تقديم نفسه باعتباره رئيسا يسعى إلى تجنب الحرب الشاملة، قائلا إنه يفضل الحلول غير العنيفة، لكنه أضاف في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة ستفعل ما تراه صحيحا، في إشارة إلى أن الخيار العسكري ما يزال مطروحا بقوة. كما قال إن وقف إطلاق النار السابق جاء بطلب من دول أخرى، موضحا أنه لم يكن متحمسا له، لكنه وافق عليه مجاملة لباكستان.

Image

ولم تقتصر تصريحات ترامب على الجانب العسكري فقط، بل امتدت إلى الملف الاقتصادي والطاقة، حيث أكد أن الولايات المتحدة تعمدت عدم استهداف بعض المنشآت النفطية الإيرانية، وخاصة في جزيرة خارك، لأن تدميرها كان سيؤدي إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط. وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة سيكون قصير الأمد، وأن أسعار الطاقة ستنهار كالحجر بعد انتهاء الأزمة.

إيران على طاولة المباحثات الأمريكية الصينية

رغم أن الزيارة الرسمية التي قام بها ترامب إلى الصين ركزت بصورة أساسية على الملفات التجارية والاقتصادية، فإن الملف الإيراني كان حاضرا بقوة في المحادثات الأمريكية الصينية، سواء بشكل مباشر أو عبر الرسائل السياسية المتبادلة بين الجانبين. فقد حاول ترامب خلال زيارته إظهار وجود تقارب كبير بين واشنطن وبكين بشأن ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مؤكدا أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يتفق معه في هذا الهدف.

وبحسب تصريحات ترامب، فإن الرئيس الصيني أبدى رغبة في الحفاظ على استقرار المنطقة وضمان استمرار فتح مضيق هرمز، خاصة أن الصين تعتمد بصورة كبيرة على النفط والطاقة القادمين عبر هذا الممر البحري الحيوي، كما أشار ترامب إلى أن الصين تحصل على نحو 40% من احتياجاتها النفطية عبر مضيق هرمز، ما يجعل استقرار المنطقة مسألة حيوية بالنسبة لبكين.

ورغم ذلك، حرص ترامب على التأكيد أنه لم يطلب رسميا من شي جين بينغ الضغط على إيران، قائلا إنه لا يطلب معروفا من أحد”، لكنه أضاف في الوقت نفسه أنه يعتقد أن الصين “ستقوم بذلك بنفسها، لأنها لا تريد تعطيل تدفق النفط والطاقة. غير أن هذه الرواية الأمريكية لم تجد صدى واضحا في المواقف الصينية الرسمية، حيث شددت بكين في بياناتها وتصريحات مسؤوليها على ضرورة إنهاء الحرب ورفض التصعيد العسكري، دون الحديث عن ممارسة ضغوط على إيران.

Image

وفي هذا السياق، ذكرت تقارير صحافية غربية، من بينها صحيفة ذا جارديان، أن الحديث عن تفاهم أمريكي صيني بشأن إيران ما يزال بعيدا عن التحقق، وأن الصين لا ترى نفسها مسؤولة عن حل الأزمة الإيرانية. ونقلت الصحيفة عن خبير عسكري صيني متقاعد قوله إن واشنطن تبدو وكأنها تحاول تحميل بكين مسؤولية أزمة لم تتسبب فيها.

كما برز خلال الزيارة ملف العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني، حيث قال ترامب إنه يدرس رفع العقوبات عن بعض شركات النفط الصينية، وسيعلن قراره قريبا. وينظر إلى هذا التصريح باعتباره تحولا نسبيا في لهجة الإدارة الأمريكية، خصوصا أن واشنطن فرضت مؤخرا عقوبات على عدد من المصافي الصينية بسبب تعاملها مع النفط الإيراني.

Image

في المقابل، سعت الصين إلى إبقاء موقفها متوازنا، فهي من جهة لا ترغب في التصعيد مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى لا تريد خسارة علاقتها الاستراتيجية مع إيران، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على النفط الإيراني وحاجتها إلى استقرار خطوط التجارة والطاقة في الخليج.

كما تناولت المحادثات الأمريكية الصينية قضية مضيق هرمز، إذ أكدت تقارير إعلامية أن واشنطن كانت تأمل في أن تستخدم بكين نفوذها الاقتصادي والسياسي لدفع إيران نحو إبقاء المضيق مفتوحا وعدم استخدامه كورقة ضغط في حال تجدد الحرب. لكن الصين، وفق مراقبين، بدت أكثر ميلا إلى الدعوة للتهدئة والحلول السياسية بدلا من الانخراط في سياسة الضغوط الأمريكية.

Image

ولم يكن الملف الإيراني القضية الوحيدة الحساسة خلال الزيارة، إذ ناقش الطرفان أيضا قضية تايوان، والتوترات التجارية، وملفات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية، إلا أن إيران بقيت إحدى أبرز النقاط التي عكست حجم التباين بين القوتين العالميتين، رغم محاولات ترامب إظهار وجود تفاهمات واسعة مع بكين.

كيف يمكن أن ترد إيران إذا عادت الحرب؟

في مقابل التصعيد الأمريكي المتزايد، تؤكد التقديرات الإيرانية أن طهران تمتلك أوراق ردع قوية تجعل أي مواجهة عسكرية جديدة مكلفة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، فتشير تحليلات سياسية وعسكرية إيرانية إلى أن إيران استعادت خلال الفترة الماضية جزءا كبيرا من قدراتها الصاروخية والعملياتية، رغم الضربات التي تعرضت لها سابقا.

وتتحدث التقديرات الإيرانية عن عدة سيناريوهات محتملة للرد في حال استئناف الحرب. أول هذه السيناريوهات يتمثل في شن هجمات صاروخية واسعة باستخدام صواريخ متطورة مثل خرمشهر 4 وسجيل، وهي صواريخ بعيدة المدى وقادرة على حمل رؤوس شديدة التدمير. ويرى خبراء إيرانيون أن هذه الصواريخ يمكن أن تستهدف قواعد أمريكية ومواقع استراتيجية في المنطقة.

Image

أما السيناريو الثاني، فيتعلق بإغلاق مضيق هرمز، وهو الخيار الذي تعتبره إيران أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية لديها، فالمضيق يمثل شريانا رئيسيا للطاقة العالمية، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط والغاز، وإلى اضطرابات اقتصادية عالمية واسعة.

كما تشير بعض التحليلات الإيرانية إلى احتمال فتح جبهة جديدة في باب المندب، بما يعني توسيع نطاق المواجهة إلى البحر الأحمر وإدخال أطراف إقليمية أخرى، وعلى رأسها اليمن، في دائرة الصراع. وينظر إلى هذا السيناريو باعتباره تهديدا مباشرا لحركة التجارة الدولية وخطوط الملاحة البحرية.

ومن بين السيناريوهات المطروحة أيضا استهداف البنية التحتية النفطية في المنطقة، سواء عبر هجمات مباشرة أو عبر حلفاء إيران الإقليميين، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية معقدة تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

Image

سياسيا، يمكن أن تلجأ إيران إلى خطوات تصعيدية في الملف النووي، مثل الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، أو رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 90%، وهي خطوات من شأنها زيادة الضغوط الدولية ورفع مستوى التوتر مع الغرب. كما تتحدث التحليلات الإيرانية عن إمكانية تفعيل الجبهة العراقية، في إشارة إلى احتمال استهداف القوات الأمريكية الموجودة في العراق وسوريا عبر الفصائل المسلحة الحليفة لطهران، وهو ما قد يؤدي إلى خسائر بشرية وعسكرية كبيرة للقوات الأمريكية.

ورغم كل هذه السيناريوهات، يبدو أن إيران تحاول حتى الآن الحفاظ على هامش للتحرك السياسي والدبلوماسي، مع إبقاء خيار الرد العسكري قائما في حال تعرضها لهجوم جديد. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن أي مواجهة شاملة مع إيران لن تكون عملية عسكرية محدودة، بل صراعا إقليميا واسعا قد يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، والتوازنات السياسية في الشرق الأوسط بأكمله.

وبين التصعيد الكلامي، والضغوط السياسية، والتحركات العسكرية، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث يبدو أن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران سيتحدد خلال الأسابيع المقبلة، إما عبر عودة المفاوضات والتفاهمات، أو عبر انزلاق جديد نحو مواجهة قد تكون الأخطر منذ سنوات طويلة.