محاكمة روحاني.. جدل قديم يتجدد في ساحة السياسة الإيرانية

في المشهد السياسي الإيراني، يعود اسم روحاني ليتصدر الجدل مجددا، ليس بصفته رئيسا سابقا فقط، بل كمتهم محتمل في ملفات يثيرها خصومه الأصوليون بين الحين والآخر. الدعوات المتكررة لمحاكمته، وما يرافقها من اتهامات تتراوح بين الفساد والإضرار بالمصالح الوطنية وصولا إلى تهم تصل حد التجسس، تكشف عن صراع سياسي محتدم يتجاوز شخص روحاني ليعكس موازين القوى داخل النظام. وبينما يسعى الأصوليون إلى تجديد حلم محاكمته كأداة لتصفية الحسابات وإحكام قبضتهم، يظل السؤال مطروحا، هل ستتحول هذه الدعوات إلى واقع، أم تبقى ورقة ضغط في لعبة السياسة الإيرانية؟

صرح كامران غضنفري، البرلماني الإيراني الأصولي والمقرب من تيار سعيد جليلي، خلال لقاء مع شبكة إيران 24، الخميس 18 سبتمبر/أيلول 2025، بأن البرلمان السابق رفع ثماني شكاوى إلى السلطة القضائية تتعلق بممارسات حكومة حسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، مشيرا إلى أن بعض هذه الشكاوى تضمنت تهما تساوي الإفساد في الأرض، وهي جريمة عقوبتها الإعدام وفق القوانين الإيرانية. 

كما انتقد غضنفري رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، لعدم البت في هذه الملفات رغم أن القانون يلزمه بالنظر فيها، وقال: “هل تمت محاكمة حسن روحاني؟ هل عوقب أم لا؟ إذا عوقب فاشرحوا، وإذا لم يعاقب فاشرحوا لماذا لم يحاكم ولم يعاقب، إن روحاني، وخلال فترة رئاسته، قد قدم مئات الشكاوى ضد أفراد، وجميعها نظرت فيها السلطة القضائية، لكن إذا قدم أحد شكوى ضده، يطوى الملف جانبا”.

Image

وخلال لقائه، أشار غضنفري إلى أن حكومة إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني السابق، قد أحالت أيضا ملفا آخر ضد روحاني إلى القضاء يتعلق بسرقة 48 سجادة نفيسة من قصر سعد آباد، والمتهم الأول فيها هو روحاني نفسه، كذلك فقد ذكر غضنفري أن هناك 800 ألف شخص قد وقعوا على طلب لمحاكمة روحاني عبر الفضاء الافتراضي.

كما وصف النائب البرلمان الاتفاق النووي الذي أبرم في العام 2015 خلال فترة روحاني مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية بأنه اتفاق فاشل، وتابع: “لقد ألحق، الاتفاق النووي، ما يكفي من الضرر بالبلاد، وحين لا تتم مواجهة روحاني، يبدأ بالكلام ويتحول من موقع المدين إلى موقع الدائن للنظام، ويكثر من التصريحات التي تنتقد من آتوا بعده”، كما طالب روحاني بأن يلتزم الصمت ويستريح في منزله ولا يتدخل في بعض القضايا السياسية المثارة على الساحة، خصوصا ما يتعلق منها بالسياق التفاوضي والنووي.

Image

جدير بالذكر أن المكتب الإعلامي لروحاني، كان قد أصدر بيانا في 17 مايو/أيار 2024، ردا على تلك القضية، وقد جاء في البيان الذي نشر على الموقع الرسمي لروحاني” كان من المتوقع أن تعود الحكومة مرة أخرى إلى ملف اختفاء سجاد مجمع سعد آباد، هذه المرة، ادعى المساعد القانوني لرئيس الجمهورية في الحكومة الثالثة عشرة، محمد دهقان، الكشف عن تفاصيل سرقة سجاد سعد آباد، لكنه لم يقدم أي معلومات جديدة حول هذا الملف، واكتفى بالقول إنه تم استجواب عدد من المتهمين”.

Image

هذا وكان روحاني قد تبنى في الأشهر السابقة نهجا يدعو لفتح باب الحوار والدبلوماسية لحل مشاكل إيران الخارجية، بما فيها الولايات المتحدة، حيث صرح في أغسطس/آب 2025 قائلا: “علينا أن نعزز علاقاتنا مع العالم، فكل من هو مستعد للتفاوض، إذا وجدنا أن التفاوض يصب في مصلحة البلاد والمصالح الوطنية والأمن القومي، ينبغي أن نتحدث معه، حتى التوتر مع أمريكا، إذا أمكننا خفضه وكان ذلك في مصلحتنا، فما المانع؟ لا مانع، بل إنه واجب وضرورة بالنسبة لنا”، الأمر الذي وقع موقع الانتقاد لدى التيار الأصولي، الذي أطلق حملة من الهجوم ضده، معتبرا إياه من أدخل إيران في شرك الاتفاق النووي وآلية العقوبات، سناب باك، الملحقة بها، مطالبا إياه بالسكوت والاعتذار بدل من التبرير والهجوم.

Image
Image

البرلماني المثير للجدل

لم تكن تلك المرة الأولى التي يصدر عن غضنفري مثل تلك التصريحات الجدلية، ففي 17 أغسطس/آب 2025، وبعد تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بشأن التفاوض مع الولايات المتحدة، قال غضنفري خلال مقطع مصور انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي: “لو لم نكن نعلم من هو قائل هذه الكلمات، لقلنا بالتأكيد إنها أقوال عنصر متغلغل وعميل”.

Image

وفي حديث مع صحيفة هم ميهن في التاريخ نفسه، ذكر غضنفري معلقا على موضوع عدم كفاءة الرئيس الإيراني، قائلا: “يجب أن يناقش هذا الموضوع في البرلمان ويطرح على باقي النواب للوصول إلى نتيجة، فعندما يقال إن عددا من النواب أثاروا هذا الموضوع فهذا يعني أن له قاعدة في أوساط بعض النواب، ويجب اتخاذ تصرفا قانونيا حياله، على أنه يجب النقاش في هذا الأمر لمعرفة ما إذا كانت الظروف مهيأة لطرحه في الجلسة العامة أم لا، فحاليا هناك بعض الأحاديث التمهيدية ولم يطرح بعد رسميا”.

Image

وعن موقفه الشخصي من استمرار بقاء بزشكيان، قال: “هناك أسئلة يجب أن يجيب عنها الرئيس أمام النواب، نحن نشهد اختلالات كبيرة في الإدارة ليست ناجمة عن نقص الإمكانيات، بل عن سوء إدارة، لذا يجب أن يقدم توضيحات، حينها ننتقل إلى المرحلة التالية لتقرير ما يجب فعله”.

وعن وصف بزشكيان بالخائن من قبل النواب رغم تصريح الأخير بأن جميع القرارات تتخذ بالتنسيق مع المرشد الإيراني، على خامنئي، قال” لا أعرف أي نائب استخدم لفظ الخائن لوصف بزشكيان، لكن ادعاءه التنسيق الدائم مع المرشد غير صحيح. الاختلالات والمشكلات التي نراها لا يمكن القول إنها منسقة مع المرشد، بل إن بعض مواقفه وتصريحاته عكس 180 درجة من مواقف القيادة”.

على أن تلك التصريحات لم تمر مرور الكرام، فقد أعلن عضو هيئة رئاسة لجنة الرقابة على سلوك النواب، محمد بيات، في 20 أغسطس/آب 2025، عن بدء النظر في تصريحات غضنفري التي اتهم فيها رئيس الجمهورية بالتجسس، مؤكدا أنه سيتم استدعاؤه للاستماع إلى آرائه، وأوضح أن من الضروري مراجعة المقطع المصور المثير للجدل بشكل كامل ومن دون تقطيع، مشيرا إلى أن القضية ستتابع بجدية.

Image

وتابع بيات أن أي شخص، مهما كان موقعه، لا يحق له إطلاق اتهامات من دون دليل، مشددا على أن الهيئة ستفحص الأمر بدقة، وستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة وفق النظام الداخلي إن اقتضى الأمر، وأضاف أن غضنفري لديه قضايا أخرى سابقة بعضها أغلق، كما بين بيات أن البرلمان لا يسعى إلا لمساعدة الحكومة والنظام، لكنه لن يتهاون مع من يتجاوز الخطوط الحمراء، مؤكدا أن القانون حدّد بوضوح نطاق الرقابة والتنفيذ.

وأضاف: “من يدلي بتصريحات بلا أساس سنواجهه، لا ينبغي اتهام الجميع بلا برهان. كل حكومة تسعى لتقديم خدمات، وواجبنا أن نوفر لها البيئة القانونية. إن لم نكن عونا فلا نكن عبئا”، وأكد أن النقد يجب أن يكون في إطاره وباحترام، موضحا أن استدعاء الرئيس لسماع آرائه مشروع، لكن اللجوء إلى لغة الإقصاء لا يؤدي إلى نتيجة، وختم تصريحاته بأن: “هدفنا دعم الحكومة لا تصيد أخطائها، حتى إن وجدت ثغرات، فالتذكير المحترم والبناء هو السبيل، أما الاستقطاب والصراع فهو مجرد مادة دعائية للإعلام المعادي”.

محاكمة روحاني.. حلم أصولي يتجدد

منذ خروجه من قصر الباستور لم تكن حياة روحاني السياسية سهلة على الأطلاق، فبعد سلسلة من الاتهامات التي وُجهت إليه من شخصيات محسوبة على التيار الأصولي، أبرزها اتهامات التجسس التي أطلقها حسن رحيم‌ بور أزغدي عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية، في مايو/أيار 2023 والتي قال فيها:: “إن محيط روحاني ما زال يضم جواسيس، وإذا لم يكن روحاني نفسه جاسوسا”، ارتفعت الأصوات المطالبة بإحالة روحاني إلى القضاء، هذه التصريحات والاتهامات لم تقرأ بوصفها آراء شخصية، بل بدت كجزء من مشروع سياسي يسعى خصوم روحاني إلى تفعيله، خصوصا وأن الإعلام الرسمي والمقرب من الأصوليين منحها مساحة واسعة.

Image

روحاني، الذي شغل مناصب حساسة على مدى عقود، من أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي ورئاسة فريق المفاوضات النووية إلى رئاسة الجمهورية لثماني سنوات، رد على تلك الاتهامات بخطوة قضائية، حيث بعث برسالة رسمية إلى السلطة القضائية طالب فيها بمتابعة تصريحات أزغدي التي وصفها بالكاذبة والمسيئة له ولحكومته السابقة، ورغم ذلك، بدا روحاني أكثر ثقة بأن هذه الملفات لن تصل إلى محاكمة فعلية، بل قد يرى في حال حدوثها فرصة لكشف العراقيل التي وضعت أمام إدارته في سنوات ولايته.

وبالنظر إلى السياق السياسي، يرى المحللون أن الدعوات لمحاكمة روحاني تقرأ كجزء من محاولة للهروب إلى الأمام من قبل بعض الأوساط الأصولية، في ظل تزايد الانتقادات التي تطال حكومة رئيسي والأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي عاشتها يوما بعد يوما، ومع أن الحديث عن محاكمة روحاني ليس جديدا، إذ سبق أن طرحت شكاوى مماثلة في البرلمان، إلا أن تجددها اليوم يعكس رغبة لدى بعض الأطراف في استخدام الملف لتصفية حسابات سياسية أو لإفشال مشروع حالي بالتفاوض مرة أخرى مع الغرب، وبينما يتعامل روحاني مع هذه الدعوات بخطوات محسوبة، يبدو أن حلم الأصوليين بمحاكمته لا يزال يتجدد كلما تعقدت المفاوضات.

Image