السلطات الثلاث في إيران تتحرك لوقف الغلاء العشوائي.. مواجهة مشتركة لجريمة تهدد معيشة المواطنين

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين

نشرت صحيفة “مشرق نيوز” الإيرانية الأصولية، الخميس 11 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرضت فيه أبعاد أزمة الغلاء العشوائي في إيران، مبيّنا كيف تقوّض جشع بعض التجار جهود الحكومة في ضبط الأسعار وتحسين معيشة المواطنين، كما سلّط الضوء على تنسيق السلطات الثلاث؛ التنفيذية والتشريعية والقضائية، لمواجهة هذه الظاهرة باعتبارها جريمة منظمة تهدد الاستقرار المعيشي.

الغلاء العشوائي يهدد استقرار المعيشة

ذكرت الصحيفة أنّ حدثا بعينه قد يُطيح بجهود المسؤولين ويبدّدها، ويتمثل في موجة الغلاء غير المنضبط أو العشوائي، والذي يُعَدّ سلوكا عدائيا صريحا ومناقضا لكافة المبادئ التنافسية والاقتصادية، بحيث يمكن أن يُصيب آمال الناس بانتكاسة ويقضي في الوقت ذاته على جهود المسؤولين.

وتابعت موضحة أنّ الدفاع عن معيشة المواطنين قد تحوّل إلى صوت واحد يجمع المسؤولين في البلاد، وهو ما يعكس إجماعا رسميا على خطورة هذا الملف.

وبيّنت أنّ هذا الأمر كان واضحا خلال اللقاء الأخير الذي جمع المرشد الإيراني علي خامنئي، مع أعضاء مجلس الوزراء، حيث شدّد بشكل خاص على هذه القضية، وطالب الحكومة بشكل صريح بفرض الانضباط اللازم على الأسواق ومنع الغلاء العشوائي.

وأردفت الصحيفة أنّ البرلمان الإيراني بدوره دخل على خط المواجهة عبر ما عُرف بـ “قانون القسيمة التموينية”، مؤكدة أنّ البرلمان شدّد على ضرورة تسريع وتيرة هذا القانون وتنفيذه بشكل دقيق، الأمر الذي بعث آمالا واسعة بتحسين مستوى معيشة المواطنين.

وأضافت أنّ الحكومة، بوصفها السلطة التنفيذية الرئيسية في الدولة، ومن خلال سياستها القائمة على منح إعفاءات ضريبية لأصحاب الدخل المحدود، حققت نجاحات ملموسة في تطبيق “قانون القسيمة التموينية”، وتمكنت من استقطاب ترحيب شعبي واسع بهذا القانون المهم.

وأشارت إلى أنّ حكومة مسعود بزشكيان، إلى جانب نجاحها في خفض معدل التضخم بنحو 10% واتخاذها إجراءات للحد من الارتفاع غير المنضبط للأسعار؛ وضعت أيضا خطة جديدة لحماية معيشة المواطنين ما زالت قيد البحث والتنفيذ.

وكشفت الصحيفة أنّه استنادا إلى هذه الخطة، أعلن الرئيس بزشكيان خلال لقائه مع المرشد الإيراني عن برنامج يقضي بمنح قسائم تموينية حكومية بشكل شهري لسبعة شرائح دخلية من المجتمع.

وأكدت أنّه من المنتظر، في ظل هذا الاهتمام وتركيز كبار المسؤولين في البلاد على هذه القضية المحورية، أن تتراجع المشكلات الاقتصادية والمعيشية تدريجيا، وأن يبتعد سلة احتياجات الأسر عن أزمات وتقلبات الأسعار.

واستدركت الصحيفة مشيرة إلى أنّ ثمة عائقا كبيرا ما يزال يهدّد هذا المسار، وهو “الغلاء غير المنضبط” أو ما يُسمى “الغلاء العشوائي”.

وتابعت إنّ هذا النوع من الغلاء يُعدّ سلوكا عدائيا كاملا ومناقضا لكل القواعد الاقتصادية والتنافسية، إذ من شأنه أن يُضعف ثقة المواطنين ويُبدّد في الوقت ذاته جهود المسؤولين.

Image

إجماع السلطات على مواجهة الأزمة

ذكرت الصحيفة أنّ ما حدث مؤخرا في ملف أسعار الأرز يُجسّد بوضوحٍ خطورة الغلاء العشوائي، حيث تبيّن كيف أفسد هذا الغلاء جانبا من جهود الحكومة بعد أن وفرت تسهيلات خاصة لاستيراد الأرز، إذ كان يفترض أن يُطرح في الأسواق بسعر مناسب، لكنه وصل إلى المستهلكين بسعر مضاعف تقريبا.

وتابعت موضحة أنّ هذا السعر المرتفع لا يستند إلى أي قاعدة مرتبطة بالدولار أو بالسوق أو بالعقوبات أو حتى بالتضخم، بل نتج فقط عن الجشع والرغبة في الربح المفرط لدى بعض المستوردين.

وبيّنت أنّه رغم إعلان السلطات الرقابية والتعزيرية في الحكومة أنها أحالت ملف هذه القضية إلى السلطة القضائية، فإنه يجب التذكير بأن الأثر النفسي والاجتماعي لجريمة الغلاء العشوائي كبير للغاية، الأمر الذي يستدعي مواجهته بأدوات أقوى وعقوبات أشد حتى يُقتلع من جذوره.

وأردفت الصحيفة أن رئيس السلطة القضائية شدّد، في كلمة ألقاها خلال اجتماع المجلس الأعلى للقضاء، على ما أكّده المرشد الإيراني بشأن أهمية صون معيشة المواطنين، مبيّنا أن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع السلطات وأجهزة الدولة اتخاذ خطوات أكبر لتحسين أوضاع الشعب المعيشية. 

واعتبر أنّ الأعداء يراهنون بقوة على الضغوط الاقتصادية ويعملون عبر حرب مركّبة لإضعاف البلاد، ما يفرض التحرك السريع بتدابير عاجلة تعزز معيشة الناس وتُفشل رهانات الخصوم.

Image

القسائم التموينية أداة لدعم المواطنين

أضافت الصحيفة أن حجّة الإسلام محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية، أوضح أنّ مسؤولية ضبط الأسواق ومواجهة الغلاء تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة والأجهزة الرقابية، إلا أنّ السلطة القضائية ستكون شريكا داعما للجهاز التنفيذي في هذا المسار. 

وأكد أنّها لن تسمح للمستغلين باستغلال الظروف الراهنة أو التضييق على المواطنين في الحصول على احتياجاتهم الأساسية وسط الحرب الاقتصادية المفروضة على البلاد.

وتابعت أنّ رئيس القضاء أشار أيضا إلى أهمية قانون القسيمة التموينية الذي أقرّه البرلمان، مؤكدا أنّ على الحكومة أن تبذل مزيدا من الجهد لتأمين السلع الأساسية للمواطنين عبر القسائم التموينية، بحيث تُطرح هذه السلع بأسعار ثابتة تتناسب مع القدرة الشرائية للناس، لا سيما الشرائح ذات الدخل المحدود.

القضاء يدخل معركة ضبط الأسواق

أشارت الصحيفة إلى أنّ دخول السلطة القضائية على خط مواجهة الغلاء يُمكن أن يشكّل محرّكا مهما، بل وعاملا داعما في حال قصور دور الحكومة في الرقابة، حيث يمكن لهذه السلطة أن تتحرك باعتبارها المدّعي العام للدفاع عن المواطنين وملاحقة الغلاء باعتباره جريمة تمسّ الناس ظلما وعدوانا.

وأوضحت أنّ هذه التطورات تعكس معالم “نموذج حكومي” جديد يتجه لخوض معركة مفتوحة ضد الغلاء العشوائي، حيث اجتمعت السلطات الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، في مسار واحد لوقف ما وصفته الصحيفة بـ”جريمة كبرى”.

وأكدت أنّ هذه الجريمة لم تؤد فقط إلى إضعاف مستوى المعيشة لدى المواطنين، بل ألحقت كذلك ضررا بسمعة المسؤولين وجهودهم المبذولة في هذا المجال.

وشدّدت الصحيفة في ختام تقريرها، على أنّ الغلاء العشوائي ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو جريمة بحد ذاتها لا تخضع لأي قاعدة موضوعية، وإنما تنشأ فقط بسبب غياب الرقابة عن الأسواق، حيث يتجاهل بعض المتلاعبين جميع القواعد التنافسية ويحدّدون الأسعار وفق نزعة الجشع، لتتحول معيشة الناس إلى ساحة مفتوحة أمام أطماعهم.

وتابعت أنّ حصيلة هذه الوقائع تفرض التأكيد بأنّ الغلاء غير المنضبط لا يمكن معالجته إلا عبر تدخل سلطوي وحكومي صارم، وإن بقيت مواقف السلطات الثلاث عند حدود الأقوال دون الأفعال، فسيكون على المواطنين الاستعداد لموجات جديدة من ارتفاع الأسعار والغلاء العشوائي.