هل تتجه واشنطن وتل أبيب إلى حرب جديدة مع طهران؟ بين تحليلات التصعيد ومؤشرات الردع

تعيش المنطقة على إيقاع سؤال يتكرر منذ انتهاء حرب الـ 12 يوما ثم حرب رمضان: هل تتجه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جولة عسكرية جديدة ضد إيران، أم أن ميزان الردع المتبادل يؤجل المواجهة إلى أجل غير مسمى؟ التقارير والتحليلات الصادرة عن وسائل إعلام إيرانية وعبرية وأمريكية تعكس حالة من الضبابية الاستراتيجية، حيث تتقاطع مؤشرات الاستعداد العسكري مع حسابات سياسية معقدة داخل واشنطن وتل أبيب، في وقت تؤكد فيه طهران أنها أعادت بناء جزء من قدراتها الصاروخية وترفض شروطا تعتبرها إملاءات.

سردية «كيهان»: حرب بقاء لم تتحقق أهدافها

في تحليل مطول نشرته صحيفة كيهان، الأصولية المتشددة، اعتبرت أن الحرب الأولى انطلقت وفق تصور إسرائيلي يقوم على توجيه ضربات جوية مركزة تستهدف القيادات والبنية الصاروخية الإيرانية، بهدف وضع إيران أمام خيارين: البقاء بشروط مقيدة أو الانهيار التدريجي.

ويذهب التحليل إلى أن إسرائيل، بدعم أمريكي، أعدت لسيناريو الحرب على مدى سنوات، بما في ذلك تدريبات ومحاكاة عملياتية، وتكثيف التعاون مع القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”. وترى الصحيفة أن تل أبيب نجحت دفاعياً في تقليل خسائرها، لكنها فشلت هجومياً في تحقيق هدف «كسر الإرادة الإيرانية». 

وتؤكد أن طهران اعتمدت استراتيجية «إطالة أمد المعركة»، مستندة إلى قدرتها على ترميم بنيتها العسكرية أثناء القتال، ما حوّل الحرب إلى معركة استنزاف لا تخدم الطرفين الداعمين لإسرائيل.

التحليل يخلص إلى أن احتمال تجدد الحرب قائم «في أفق غير بعيد»، لكنه مرهون بثلاثة عناصر: استمرار أسباب الحرب، وبقاء عوامل الفشل السابقة، وإمكانية تكرار قرار «المغامرة» لدى خصوم إيران.

Image

تهديدات ترامب: التصعيد اللفظي أم تمهيد لقرار؟

في موازاة ذلك، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى لهجة التهديد، مؤكدا في مقابلات إعلامية أن إيران ستواجه عواقب وخيمة إذا لم توافق على اتفاق جديد، ومشيرا إلى أنه لن يصبر طويلا. 

وبحسب تقارير بثتها وسائل إعلام، شدد ترامب على أن الخيار أمام طهران هو «الاتفاق أو الدمار»، مع حديث عن إمكانية «تنظيف» الوضع عسكرياً إذا لزم الأمر.

هذا الخطاب التصعيدي يتزامن مع تسريبات أوردتها The New York Times عن إعداد خطط مشتركة أمريكية-إسرائيلية لاستئناف الضربات، مع بقاء القرار النهائي بيد البيت الأبيض.

لكن الملاحظ أن التصريحات الأمريكية لم تحسم خيار الحرب، بل تركته في دائرة الاحتمال، ما يعكس انقساما داخليا في واشنطن بين دعاة الردع المشدد وأنصار تجنب حرب مفتوحة قد تمتد لسنوات.

Image

الإعلام العبري: جاهزية كاملة وتحفظ سياسي

من الجانب الإسرائيلي، نقلت تقارير عن القناة 13  أن الجيش الإسرائيلي في حالة «تأهب كامل» لاحتمال استئناف القتال، مع خطط تستهدف البنية التحتية الوطنية ومرافق الطاقة وربما شخصيات قيادية.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران قد تطلق عشرات الصواريخ يوميا في الأيام الأولى، قبل أن يتراجع المعدل تدريجيا، وفقا لنمط المواجهة السابقة.

غير أن مصادر عبرية، من بينها تقارير في  يديعوت أحرونوت، قدرت احتمال استئناف الحرب بأنه «متساو» مع احتمال عدمه، مؤكدة أن طهران أعادت بناء جزء من قدراتها الصاروخية ولا تبدو مستعدة لقبول شروط أمريكية جديدة.

هذا التقييم يعكس إدراكا إسرائيليا بأن أي مواجهة مقبلة لن تكون قصيرة أو منخفضة الكلفة، وأن استمرارها قد يرتبط بعوامل إقليمية ودولية، بينها سوق الطاقة وحسابات القوى الكبرى.

Image

قراءة إيرانية: ثقة متزايدة وردع ممتد

في المقابل، تؤكد تحليلات إيرانية، من بينها مقالات نشرها موقع جهان نيوز أن نتائج «حرب رمضان» عززت الثقة الداخلية، وأثبتت قدرة إيران على الصمود وإدارة المعركة سياسيا وعسكريً.
ويشدد نواب ومسؤولون إيرانيون على أن الولايات المتحدة حشدت بالفعل قوات وإمكانات في المنطقة، لكن «المتغيرات السياسية والاستخباراتية» هي الحاسمة في قرار الحرب، لا الجاهزية العسكرية وحدها.

الرواية الإيرانية تعتبر أن تجربة المواجهة المباشرة مع واشنطن وتل أبيب أزالت «وهم التفوق المطلق»، وأن أي حرب جديدة ستتحول سريعا إلى معركة استنزاف إقليمية تتسع رقعتها، وهو ما يُفترض أنه يردع الطرف الآخر عن المبادرة.

Image

عوامل تدفع نحو الحرب

تتعدد المؤشرات التي قد تدفع واشنطن وتل أبيب نحو خيار المواجهة العسكرية مجددا. في مقدمة هذه العوامل استمرار الخلاف حول الملف النووي الإيراني، إذ إن تعثر التوصل إلى اتفاق جديد يعيد الأزمة إلى مربع التصعيد، خاصة في ظل انعدام الثقة المتبادل واتهامات كل طرف للآخر بعدم الجدية. 

كما تلعب الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة دورا مهما؛ فالإدارات الأمريكية، وخصوصاً في أوقات التحديات الاقتصادية أو التراجع الشعبي، قد تلجأ إلى التصعيد الخارجي لتعزيز موقعها الداخلي أو إعادة صياغة أولويات الرأي العام.

إلى جانب ذلك، ترى دوائر إسرائيلية أن ترك إيران تواصل تعزيز قدراتها العسكرية، ولا سيما الصاروخية، قد يفاقم التهديد مستقبلا ويجعل كلفته أعلى، ما يدفع باتجاه خيار الضربة الاستباقية. وتدعم هذا الاتجاه تقارير عن حشد عسكري أمريكي في المنطقة، وزيادة الدوريات الجوية والبحرية، وهي مؤشرات تعكس استعدادا ميدانيا يمكن تفعيله بسرعة إذا اتُّخذ القرار السياسي.

عوامل تكبح المواجهة

في المقابل، ثمة محددات قوية قد تحول دون الانزلاق إلى حرب جديدة. أول هذه العوامل الكلفة المتوقعة لأي صراع طويل الأمد، إذ تشير تجارب الحروب السابقة في المنطقة إلى أن النزاعات لا تبقى محدودة زمنياً كما يُخطط لها في بدايتها. تصريحات الرئيس الأمريكي التي قارن فيها النزاع المحتمل بحروب امتدت سنوات، تعكس إدراكا ضمنيا لصعوبة التحكم في مسار الحرب إذا اندلعت.

كذلك يشكل استقرار سوق الطاقة العالمي عاملا ضاغطا على صناع القرار؛ فأي تصعيد واسع في الخليج سيؤثر فورا في أسعار النفط وحركة الملاحة، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره. كما أن تعاظم قدرات الردع الإيرانية، وإعلان طهران إعادة بناء جزء من منظومتها الصاروخية، يزيد من كلفة أي ضربة أولى ويجعل نتائجها غير مضمونة.

Image

ميزان القوى في حال اندلاع حرب جديدة

إذا اندلعت مواجهة جديدة، فإن طبيعتها ستعتمد إلى حد بعيد على أهداف الأطراف وحدودها السياسية. هناك احتمال لسيناريو ضربة محدودة تستهدف منشآت عسكرية بعينها بهدف الضغط التفاوضي دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الضربات المحدودة قد تتدحرج سريعا إلى تصعيد متبادل، خاصة إذا تعرضت البنية التحتية الحيوية أو القيادات العسكرية للاستهداف.

السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد متدرج يتحول إلى حرب استنزاف، وهو نمط يراهن عليه بعض المحللين الإيرانيين باعتباره أكثر ملاءمة لطهران التي تؤكد امتلاكها «نَفَسا أطول» في الصراعات الممتدة. 

أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في اتساع رقعة المواجهة لتشمل ساحات إقليمية متعددة، ما قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أمن الملاحة والطاقة ويجذب أطرافاً دولية إضافية إلى ساحة الصراع.

ضباب كثيف واحتمال غير مستبعد

المعطيات الحالية تشير إلى أن احتمال الحرب ليس صفرا، لكنه ليس حتميا أيضا. التصعيد اللفظي المرتفع يقابله إدراك متبادل لحجم المخاطر. واشنطن وتل أبيب تدرسان كلفة القرار، فيما تراهن طهران على الردع وإطالة أمد أي مواجهة.

في ميزان السياسة، تبدو الحرب خيارا مكلفا للجميع، لكن في مناخ إقليمي متوتر، قد يكفي خطأ حسابي واحد أو قرار سياسي متسرع لتحويل الاحتمال إلى واقع. وحتى ذلك الحين، ستبقى المنطقة في حالة «تأهب استراتيجي» مفتوح، حيث تتجاور الاستعدادات العسكرية مع رهانات التفاوض، ويظل السؤال معلقا: هل يغلب منطق القوة أم منطق الكلفة؟