- زاد إيران - المحرر
- 337 Views
كتب: الترجمان
منذ أن رفع الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان شعار «الوفاق الوطني» خلال حملته الانتخابية عام 2024، بدا وكأنه يقدّم وصفة سياسية جديدة للخروج من حالة الاستقطاب التي هيمنت على الحياة السياسية الإيرانية طوال السنوات الماضية. غير أن الأشهر الأولى من عمر حكومته كشفت أن الطريق بين الشعار والتطبيق مليء بالتعقيدات، وأن تحويل الوفاق إلى منهج حكم مستقر يواجه تحديات بنيوية عميقة داخل النظام السياسي.
شعار جذاب… وتوقعات مرتفعة
قدّم بزشکیان نفسه باعتباره رئيسا يؤمن بالحوار وتجاوز الخلافات. دعا إلى «عدم التخاصم» والسعي إلى مشاركة كل القوى السياسية في إدارة الدولة، انطلاقا من قناعة مفادها أن مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تتطلب تعاونا واسعا لا يقف عند خطوط الانقسام التقليدية بين المحافظين والإصلاحيين.
لكن هذا النهج سرعان ما واجه عقبة أساسية: غياب الشريك السياسي الذي يتبنى الرؤية ذاتها. فقد تعاملت التيارات المتشددة مع خطاب الوفاق باعتباره فرصة لتعميق نفوذها في المؤسسات التنفيذية، وليس كدعوة جادة لبناء شراكة وطنية.
برلمان لا يريد الشراكة
رغم حصول الحكومة على ثقة البرلمان في البداية، فإن الجلسات اللاحقة كشفت عن توجه تصادمي واضح. فقد بدأ نواب من التيار المتشدد بتوجيه انتقادات حادة لاختيارات الرئيس في المناصب العليا، ثم تحولت هذه الانتقادات إلى استجوابات متكررة. وكانت إقالة وزير الاقتصاد عبدالناصر همتي، بعد أشهر قليلة من توليه منصبه، إشارة واضحة إلى أن البرلمان عازم على إضعاف الحكومة والحد من قدرتها على تنفيذ برنامجها الاقتصادي.
هذا السلوك يتطابق مع نمط معروف في السياسة الإيرانية، حيث تسعى بعض القوى إلى منع أي حكومة معتدلة من تشكيل مركز نفوذ مستقل قد يغيّر موازين القوى داخل النظام.
استقالات تكشف عمق التوترات
مع تصاعد الضغط السياسي، بدأت الشخصيات البارزة في الفريق الحكومي بالتساقط واحدة تلو الأخرى. فاستقال وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف تحت ضغط مباشر من التيار المتشدد، تلتها استقالة الخبير الاقتصادي علي طیب نیا بسبب خلافات داخلية.
ثم تفاقمت الأزمة داخل المجلس الإعلامي للحكومة باستقالة عضوين بارزين، فياض زاهد ومحمد مهاجري، احتجاجا على تعيين إسماعیل سقّاب اصفهانی، المحسوب على جبهة بايداری، نائبا للرئيس.
هذه التطورات لم تُقرأ باعتبارها خلافات إدارية، بل كدليل على تراجع الخط السياسي الذي وعد به الرئيس، وتزايد قدرة القوى المتشددة على فرض رؤيتها داخل الحكومة.
وفاق من طرف واحد
تحوّل شعار «الوفاق الوطني» تدريجيا إلى مسار أحادي الاتجاه. فالحكومة تلتزم بالتهدئة وعدم الدخول في صدام، بينما تعمل القوى المتشددة على استغلال هذا النهج لتحقيق مكاسب سياسية أكبر. ومع مرور الوقت، أصبحت الحكومة تظهر بمظهر الطرف الأضعف، غير القادر على حماية كوادره أو فرض خياراته.
ويرى محللون أن رئیس الجمهورية أخطأ حين ركّز في بداية ولايته على كسب رضا خصومه السياسيين بدلاً من بناء تحالف صلب مع القاعدة الشعبية التي أوصلته إلى السلطة.
تراجع الثقة الشعبية
أخطر ما واجهته الحكومة في الأشهر الماضية هو الانخفاض التدريجي في الثقة العامة. فالجمهور الذي راهن على بزشکیان كان ينتظر خطوات ملموسة في ملفات رئيسية، أبرزها رفع القيود عن الإنترنت، وتحسين الوضع المعيشي، وخفض حدّة القيود الاجتماعية.
إلا أن استمرار التنازلات السياسية من دون نتائج واضحة أضعف علاقة الحكومة بقاعدتها الشعبية، وأثار تساؤلات واسعة حول قدرتها على الاستمرار في تنفيذ برنامجها الإصلاحي.
وقد عبّر فياض زاهد، أحد أبرز الداعمين السابقين للحكومة، عن هذا الشعور حين كتب في رسالة استقالته: “هذا ليس وفاقا وطنيا“.
خيارات صعبة أمام الحكومة
بحسب محللين، تقف حكومة بزشکیان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما الاستمرار في نهج التهدئة مع المتشددين على أمل تقليل المواجهة بمرور الوقت، وهو خيار لا يبدو أنه يحقّق مكاسب سياسية أو شعبية.
أو إعادة توجيه مفهوم الوفاق نحو الشعب أولا، عبر اتخاذ خطوات جريئة تعيد الثقة إلى القاعدة الاجتماعية التي منحت الرئيس شرعيته.
ويرى متخصصون في الشأن الإيراني أن تقوية الظهر الشعبي هو المسار الوحيد القادر على منح الحكومة قدرة حقيقية على مواجهة الضغوط داخل المؤسسات الأخرى، وإعادة التوازن إلى المشهد السياسي.
تظهر تجربة الأشهر الأولى من حكم بزشکیان أن «الوفاق الوطني» لم يتحوّل بعد إلى إطار سياسي متوازن، بل أصبح في كثير من الأحيان نقطة ضعف تستغلها القوى المنافسة. وبينما يتعمق الضغط البرلماني وتستمر الاستقالات داخل الفريق الحكومي، تتزايد الحاجة إلى إعادة صياغة هذا النهج بما يضمن أن يصبح «الوفاق» شراكة فعلية لا عبئا سياسيا.
وإذا لم تنجح الحكومة في تحويل شعارها الانتخابي إلى استراتيجية عملية تعيد بناء الثقة الشعبية، فإن الأشهر المقبلة قد تحمل مزيدا من التحديات في المشهد الإيراني، وربما مزيداً من الانقسام داخل الحكومة نفسها.

