- زاد إيران - المحرر
- 389 Views
في ظلّ تعثّر المفاوضات النووية واستمرار العقوبات الأمريكية، تتصاعد في طهران نبرة الحزم السياسي والدبلوماسي، حيث يبرز خطابٌ جديد يقوم على “الندية والكرامة الوطنية” بدلاً من “الانفتاح المشروط”. ويأتي هذا التحول بعد أعوام من الجهود التي بذلتها إيران لإحياء الاتفاق النووي دون جدوى، لتعلن اليوم بوضوح أنّها لن تعود إلى طاولة التفاوض في ظل ما تصفه بـ”الابتزاز الاقتصادي” و”انعدام الثقة المتراكمة”. وبين خطاب المواجهة ومخاوف الانعزال، تبدو إيران أمام مرحلة جديدة تُعيد فيها تعريف علاقتها بالعالم وفق معادلة القوة والاحترام المتبادل.
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة حازمة أن بلاده لن تعود إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة ما دام جشعها قائماً، مؤكداً أن الحوار لن يُستأنف إلا إذا غيّرت واشنطن نهجها وتخلّت عن سياسة الضغط الأقصى والمطالب غير الواقعية.
وقال عراقجي، عقب وصوله إلى مشهد للمشاركة في مؤتمر الدبلوماسية الإقليمية، في مؤتمر صحفي عقده مساء الأربعاء، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إن “السبب الحقيقي لتوقف المحادثات السابقة هو الغطرسة الأمريكية والطمع السياسي والاقتصادي الذي أفسد أي فرصة للحوار”، مضيفاً أن “إيران لا تفاوض تحت التهديد ولا تقبل أن تُبتز باسم الدبلوماسية”.
ورأى أن عودة بلاده إلى التفاوض تتطلب تغيّراً جذرياً في السلوك الأمريكي، مؤكداً أن “الولايات المتحدة جرّبت طريق الضغط ولم تحقق شيئاً، وإذا أصرت على تكراره فستواجه الفشل ذاته مجدداً”.
مبررات الرفض الإيراني
يعتمد التيار الرافض للمفاوضات على حزمة من المبررات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تساندها مؤسسات الدولة الكبرى، بما فيها مجلس الأمن القومي والحرس الثوري. ويؤكد هذا التيار أن أي مفاوضات بالشروط التي تفرضها واشنطن لا يمكن اعتبارها حواراً متكافئاً بل استسلاماً دبلوماسياً.
وتشير مصادر إيرانية إلى أن أحد أبرز الخلافات يتمحور حول مطالبة واشنطن بتسليم إيران كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪، مقابل تأجيل مؤقت لتفعيل “آلية الزناد” لمدة ثلاثة أشهر فقط، وهو ما تعتبره طهران “عرضاً غير متوازن” يفتقر إلى مبدأ المعاملة بالمثل الذي تتشبث به إيران كشرط لأي اتفاق جديد.
ويرى مراقبون أن هذا التشدد الإيراني يستند أيضاً إلى حسابات داخلية، إذ يخشى صناع القرار من أن أي تنازل في الملف النووي سيُستخدم ضد الحكومة داخلياً، وسيُعدّ إخفاقاً في الدفاع عن السيادة الوطنية.
فشل سياسة الضغط الأقصى
تدافع طهران عن موقفها الرافض للمفاوضات بالاستناد إلى تقييمات اقتصادية دولية تشير إلى فشل العقوبات في تحقيق أهدافها المعلنة.
فبحسب البنك الدولي، أثّرت إعادة فرض العقوبات الأممية بنسبة لا تتجاوز 0.2٪ على معدل النمو الإيراني، في حين أظهر تقرير صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الإيراني “أثبت مرونة نسبية” خلال السنوات الأخيرة، ونجح في إيجاد قنوات تجارية بديلة تقلّل من تأثير العقوبات الغربية.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن استمرار صادرات النفط إلى دول آسيوية مثل الهند والصين، حتى بعد تفعيل آلية الزناد، يثبت محدودية فاعلية “الزر النووي الأمريكي” في عزل الاقتصاد الإيراني.
ويشير هؤلاء إلى أن العقوبات دفعت إيران إلى تطوير شبكة اقتصادية بديلة قائمة على المقايضة واستخدام العملات المحلية، ما أتاح لها الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الداخلي.
فقدان الثقة وتداعيات آلية الزناد
تُعد أزمة الثقة بين طهران وواشنطن العقبة الأكبر أمام أي مسار تفاوضي جديد.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن “ما جرى في ملف آلية الزناد لم يمنع المفاوضات فحسب، بل دمّر الثقة المتبادلة بشكل كامل”، مشيراً إلى أن إيران “أبدت حسن نية في الالتزام ببنود الاتفاق النووي، لكنها واجهت خيانة من الطرف الآخر”.
وأضاف بقائي أن الولايات المتحدة “تتصرف كقوة متسلطة، وتظن أن بإمكانها فرض إرادتها على الآخرين عبر العقوبات والضغوط”، لافتاً إلى أن “العقل والمنطق يقتضيان اليوم تعزيز قدراتنا الذاتية أكثر من أي وقت مضى كخط دفاع استراتيجي ضد هذا النهج”.
ويرى محللون أن الخطاب الإيراني الجديد يسعى إلى تثبيت مفهوم “الردع الدبلوماسي”، أي استخدام الصلابة السياسية كأداة ضغط مضادة، لا كرفض مطلق للحوار.
الأصوات المؤيدة للحل الدبلوماسي
في مقابل التيار المتشدد، يبرز داخل إيران تيار آخر يدعو إلى مقاربة أكثر مرونة.
ويقول الخبير في العلاقات الدولية حسن بهشتيبور إن “العودة إلى طاولة الحوار هي الطريق الوحيد المتبقي أمام إيران والولايات المتحدة لمعالجة خلافاتهما”، موضحاً أن “الخيارات العسكرية لم تعد واردة لدى أي طرف، ما يجعل الدبلوماسية السبيل الأقل تكلفة”.
ويرى بهشتيبور أن “إيران تستطيع عبر التفاوض الذكي أن تحافظ على مكاسبها النووية وتخفف من الأعباء الاقتصادية، دون تقديم تنازلات جوهرية”.
ويمثل هذا الصوت المعتدل شريحة من الأكاديميين والبيروقراطيين الإيرانيين الذين يعتقدون أن تجميد المفاوضات يفاقم عزلة البلاد ويمنح واشنطن مساحة أكبر لبناء تحالفات إقليمية ضد طهران.
انتقادات داخلية للحكومة
لم يخلُ المشهد الداخلي من جدل حول طريقة إدارة الحكومة للملف النووي. فقد وجّهت صحيفة جوان، المحسوبة على التيار المحافظ، انتقادات حادة لوزارة الخارجية، متهمة إياها بـ“المماطلة المتعمدة” وإبقاء المسألة مع الولايات المتحدة في حالة “تعليق دائم”.
وقالت الصحيفة في افتتاحيتها الأخيرة إن “الحديث المستمر عن اتصالات غير مباشرة مع المبعوث الأمريكي، عبر وسطاء، هو وسيلة لإبقاء التوتر قائماً دون حسم، ما يضعف موقف إيران التفاوضي ويزرع الشكوك داخلياً”.
وترى أوساط محافظة أن هذا النهج يعكس “روح الاتفاق بأي ثمن” داخل بعض دوائر الحكومة، وهو توجه تعتبره تلك الأوساط مخالفاً لـ “ثوابت الثورة وأخلاقيات النظام”.
الوسطاء العرب واستمرار قنوات التواصل
على الرغم من التصريحات الحادة، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن لم تُغلق تماماً، بل تغيّر شكلها فقط.
فبعد أن كانت اللقاءات المباشرة بين عراقجي والمبعوث الأمريكي روبرت ويتكوف هي القناة الرئيسية، أصبحت الرسائل اليوم تمر عبر القاهرة وأبوظبي ومسقط، ما يعكس – وفق المراقبين – تحوّلاً نحو “إدارة الأزمة” بدلاً من حلها.
وتؤكد طهران أن استمرار هذه القنوات لا يعني استعدادها للتفاوض، بل هو “إجراء تكتيكي” لضبط التوتر وتفادي التصعيد.
وفي المقابل، قال مسؤول أمريكي لم يُذكر اسمه في تصريحات لوكالة “رويترز” إن بلاده “لا تزال منفتحة على المسار الدبلوماسي متى ما أبدت طهران جدية حقيقية”، مشيراً إلى أن “الكرة الآن في الملعب الإيراني”.
التوازن بين الصمود والانفتاح
يصف بعض المحللين موقف طهران الحالي بأنه “صمود تفاوضي” أكثر منه رفضاً مطلقاً للحوار.
فإيران تسعى إلى الظهور بمظهر الدولة التي لا تُخضع قراراتها للضغوط، لكنها في الوقت ذاته تُبقي على خطوط اتصال محدودة تتيح لها مراقبة الموقف الدولي عن قرب، وربما العودة إلى الطاولة إذا تغيرت الظروف.
تبدو الدبلوماسية الإيرانية اليوم محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين الرفض التكتيكي والانفتاح الحذر. فطهران تراهن على فشل الضغط الأمريكي وعلى متغيرات دولية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
وفي حين يعتقد المتشددون أن الصبر الاستراتيجي سيكسر عزيمة واشنطن، يرى أنصار الحوار أن الوقت وحده لا يكفي، وأن التأخر في العودة إلى المفاوضات قد يضع إيران أمام واقع أكثر تعقيداً.
ومع استمرار التناقضات في المواقف، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تراهن طهران على الزمن لتليين الموقف الأمريكي، أم أنها أغلقت فعلاً باب التفاوض حتى إشعار آخر؟
