- زاد إيران - المحرر
- 413 Views
نشرت وكالة أنباء إيرنا، الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأنه منذ فترة يتناقل الناس على مواقع التواصل الاجتماعي خبرا مؤلما يقول “إن بحيرة أرومية قد اختفت”، وهو خبر محزن بالتأكيد.
وتساءلت الوكالة: “كيف يمكن تصوّر أن بحيرة كانت أمواجها تخطف الأبصار قد اختفت اليوم؟ فقد تحوّلت البحيرة وما حولها إلى مشهد غريب على أهلها، بعد أن كانت عامرة بالمياه، وتتلألأ كالجوهرة، ويهبُّ نسيمها العليل على وجوه السكان، فأصبحت الآن سهلا مالحا لا يُرى فيه سوى الجفاف، ومع كل هبّة ريح تنتشر الملوحة ومرارة الملح”.
وتابعت أنه “في الماضي، كانت البحيرة في مختلف الفصول مقصدا للسائحين؛ فيبحرون في أمواجها على متن السفن أو يسبحون في مياهها، ويدهنون أجسادهم بطينها المالح اعتقادا ببركته في شفاء الآلام والأمراض، أما اليوم فقد جفّت تماما؛ لا ماء فيها لتجدّف فوقه، ولا طينا مالحا لتغتسل به، بل إن البصر لا يقع إلا على أرض بيضاء يابسة من الملح، تُثير رياحها الغبار والملوحة، وتجعل البحث عن حلّ أمرا ملحّا”.
وأردفت أن بحيرة أرومية، هذه الجوهرة الزرقاء لإيران، منذ سنوات وهي تفقد مياهها وجمالها ونظامها البيئي الغني، فهي لم تكن مجرد مشهد طبيعي بديع، بل كانت رمزا لحياة وثقافة الناس الذين عاشوا حولها أجيالا، وما آلت إليه اليوم يوجع كل قلب رأى عظمتها من قبل، ويُشعل في النفوس شعورا بالحسرة والقلق.
وأوضحت أن “فقدان هذه البحيرة لا يعني فقط ضياع مورد مائي، بل يعني أيضا ضياع آمال وتطلعات مستقبلية، ولن يكون أمامنا سوى العمل الجماعي والجهود الصادقة من أجل إحيائها، فبحيرة أرومية ليست مجرد بحيرة، بل هي رمز لوحدتنا في حماية الطبيعة وبيئتنا”.
وأكّدت أنه “في تسعينيات القرن العشرين دقّ ناقوس الخطر بشأن جفاف بحيرة أرومية، تلك البحيرة التي كانت تسع نحو 14.5 مليار متر مكعب من المياه، لكنها اليوم تنتظر السماء عطشى لقطرة ماء، حينها حذّر الخبراء من أن جفافها سيترتب عليه عواقب وخيمة تتجاوز سكان المنطقة لتصل إلى مئات الكيلومترات وحتى طهران”.
وأبرزت أن “من بين تلك العواقب، اندثار أنواع فريدة من النباتات والحيوانات، وانتشار الأمراض التنفسية، وتراجع الإنتاج الزراعي، واختلال توازن الحرارة والرطوبة، وأخيرا موجات هجرة واسعة”.
وبيَّنت أن هذه المخاطر دفعت إلى تأسيس لجنة إحياء بحيرة أرومية عام 2014، التي باشرت أعمالها التنفيذية في 2015، مستهدفة تأمين حصة البحيرة المائية عبر مسارين: برامجي ـ من خلال التوعية ومشاركة المجتمعات المحلية ـ وإنشائي عبر مشاريع هندسية، ورغم التكلفة الباهظة لهذه الإجراءات، إلا أن حال البحيرة يُظهر أن الجهود لم تثمر كما كان مأمولا.
والسؤال المطروح اليوم: لماذا لم تحقق اللجنة، رغم عملها على أعلى المستويات، هدفها الأساسي وهو إنقاذ البحيرة؟
أفادت الوكالة بأنه حتى وقت قريب، كشف نائب رئيس هيئة البيئة البحرية في منظمة حماية البيئة أحمد رضا لاهيجان زاده عن الوضع الحرج لبحيرة أرومية، قائلا، للأسف وصل منسوب المياه في البحيرة إلى أدنى مستوى له، وإذا انخفض أكثر فلن يكون من الممكن حتى تحديد رقم، لأنه بالفعل في الحد الأدنى الممكن، وأوضح أنّ الأرقام المعلنة قد تكون في الواقع أعلى من المستوى الفعلي، وأنّ حرارة الطقس وارتفاع معدلات التبخّر يفاقمان الوضع سوءا.
وأضاف أنّ آخر الإحصاءات في 11 أغسطس/آب 2025 تُظهر أن منسوب البحيرة بلغ 1269.74 متر، ومساحتها 581 كيلومترا مربعا، وحجم مياهها 500 مليون متر مكعب فقط، بينما في أغسطس/آب 2024 كان حجم المياه 2 مليار متر مكعب ومساحتها 1534 كيلومترا مربعا، وبناء على ذلك، توقّع أن تجفّ البحيرة تماما بحلول نهاية صيف 2025، خاصة مع قلّة الأمطار خلال أشهر يوليو/تموز 2025 وأغسطس/آب 2025 وسبتمبر/أيلول 2025.
ولفتت الوكالة إلى أن الدراسات التي أجراها ستاد الإحياء بين 2013 و2016 تناولت جميع السيناريوهات المتشائمة لعدم إنقاذ البحيرة، بما في ذلك الجفاف الكامل وما يترتب عليه من هجرة جماعية، وانتشار أمراض متنوعة، وعواصف ترابية، وانهيار مصادر المعيشة.
الوضع غير المطمئن لبحيرة أرومية
نقلت الوكالة قول أحد خبراء إدارة النظم البيئية للمسطحات المائية علي أروحي، إن بحيرة أرومية كانت قد استعادت بعض مظاهر الحياة في شتاء 2024 بسبب تساقط الأمطار، غير أنّه مع دخول فصل الصيف وبالتحديد مطلع أغسطس/آب 2024، أُعلن تقرير كشف أنّ منسوب المياه انخفض إلى 1267.74 سنتيمترا، أي بفارق 4 أمتار و36 سنتيمترا عن المستوى الإيكولوجي المطلوب وهو 1274.1.
وأكَّد أن التقرير أظهر أنّ مساحة البحيرة تقلّصت إلى نحو 600 كيلومتر مربع فقط، مقارنة بمساحتها الطبيعية البالغة 5000 كيلومتر مربع، أي بخسارة تقارب 4400 كيلومتر مربع، أما حجم الخزان فقد هبط إلى نصف مليار متر مكعب، في حين أنّ سعته الأصلية تبلغ 14.5 مليار متر مكعب، ما يعكس فجوة هائلة تقدر بنحو 14 مليار متر مكعب.
وتابع، أنه منذ مطلع أغسطس/آب 2025 لم تُصدر الجهات المسؤولة أي تقرير جديد، لكن مع اشتداد الحرارة وارتفاع معدلات التبخر، من المتوقع أن تتلاشى الكمية القليلة المتبقية من المياه تدريجيا، لتفقد البحيرة حتى ما تبقّى من مساحتها المائية.
نشر صور الأقمار الصناعية لبحيرة أرومية عبر المراجع الرسمية
بيَّنت الوكالة أن أروحي أظهر أن الصور المنسوبة إلى ناسا لبحيرة أرومية ينبغي أن تُثبتها الجهات الرسمية، موضحا أن نشرها عبر المؤسسات المحلية يمنحها المصداقية ويعزز ثقة الناس، خاصة مع إعلان المسؤولين أنهم يراقبون وضع البحيرة بشكل مستمر، ومن الطبيعي أن تُعرض هذه الصور للرأي العام ليكون مطلعا على الواقع.
وأوضح أن بعض وسائل الإعلام استخدمت تعبير محو بحيرة أرومية، بينما الواقع أنها تمر بجفاف غير مسبوق، وهذا الوصف يبعث برسائل مضللة توحي بانتهاء البحيرة نهائيا، ما قد يقلل على المدى البعيد من الضغط الشعبي للمطالبة بإنقاذها ويضر بمستقبل البيئة.
ونوَّه إلى أن وصف البحيرة كأنها انتهت يتيح للبعض التملص من المسؤولية، مؤكدا أن ما حدث هو بلوغها مرحلة جفاف غير مسبوقة، لكن الأمل في عودتها ما زال قائما، وبيّن أن جفافها بدأ منذ أواخر التسعينيات بسبب سوء إدارة الحوض المائي، وبناء أكثر من مئة سد، وزيادة الزراعة بأكثر من 120%، إضافة إلى تراجع الأمطار وارتفاع الحرارة، ما أدى إلى الوضع الراهن.
أسباب فشل مشاريع إحياء بحيرة أرومية
أشارت الوكالة إلى أن استهلاك المياه في الزراعة بالمناطق العليا ما زال يجري بالنمط نفسه غير المستدام تقريبا، وحتى في الحالات التي ركّزت فيها مشاريع الإحياء على رفع كفاءة الري وتحسين الإنتاجية وأدت إلى توفير المياه، جرى استخدام هذا الوفر لتوسيع المساحات المزروعة وزراعة محاصيل عالية الاستهلاك، وبالتالي لم يتحقق إصلاح فعلي في أنماط الاستهلاك.
وسلَّط أروحي الضوء على أن بحيرة أرومية لم تحصل على حصتها المائية المحددة، سواء 3.1 أو 3.4 مليار متر مكعب، إذ لم تُوفَّر بانتظام بل بشكل متقطع، ما جعل أي تحسّن مؤقت في موسم الأمطار يختفي مع الصيف.
وأردف أن السدود والبنى التحتية، إلى جانب السحب غير القانوني للمياه، أعاقت وصول التدفقات الطبيعية إلى البحيرة، والأخطر أن إدارة الموارد المائية في السدود والأنهار ما زالت تُدار كما في السابق تقريبا، من دون تغيير فعلي يساعد على إنقاذ البحيرة.
إصرار ستاد إحياء بحيرة أرومية على الحلول الإنشائية
ذكرت الوكالة أن أروحي قال إن من بين المشاريع الإحيائية المثيرة للجدل التي نفذها ستاد الإحياء كان مشروع نفق وخط نقل مياه كاني سيب، ولكنه وفّر للبحيرة كميات أقل بكثير مما وُعِد به.
وأكَّد أنه في البداية قُدرت طاقته بـ600 مليون متر مكعب، ثم خُفِّضت إلى 300 مليون، وقيل لاحقا إن الحد الأقصى 480 مليون متر مكعب، ومع ذلك لم تحصل البحيرة على هذه الكمية بشكل دائم، إذ إن بعض السنوات لم يُنقل إليها شيء، وفي أخرى تراوحت الكمية بين 130 و220 مليون متر مكعب فقط.
وأشار إلى أن مشروع إعادة تدوير ومعالجة مياه الصرف الصحي في محافظتي أذربيجان الغربية والشرقية لم يُستكمل بعد، أو لم تُنقل المياه المعالجة إلى البحيرة حتى الآن، ويثير هذا تساؤلا حول سبب إصرار ستاد الإحياء على الحلول الإنشائية، فبينما يُعدّ إعادة التدوير خيارا منطقيا، فقد رافق مشروع نقل مياه كاني سيب العديد من التناقضات، وفي النهاية لم تصل للبحيرة الكمية المتوقعة منه.
الإدارة المجزأة والاقتصاد السياسي للمياه أوصلا بحيرة أرومية إلى هذا الوضع
أوضحت الوكالة أن أروحي بيَّن أن القوانين وحدها لم تكف لإنقاذ بحيرة أرومية بسبب الإدارة المجزأة، وتضارب المصالح، والاقتصاد السياسي للمياه، ما أفقد ستاد الإحياء القدرة على ضمان إطلاق الحصة المائية، ورأى أن أداءه لم يكن نجاحا كاملا ولا فشلا مطلقا، لكنه عانى من التركيز المفرط على الحلول الإنشائية بدل إصلاح الاستهلاك.
واعتقد أن نفق كاني سيب ومشاريع إعادة التدوير حتى بأقصى طاقتها لا توفر سوى مليار متر مكعب، مقابل حاجة البحيرة إلى 3.4 مليارات، أي بعجز يتجاوز ملياري متر مكعب، ما يفرض إصلاح أنماط الاستهلاك، وأضاف أن تغليب المصالح القطاعية على القوانين، والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية وهبوط الأراضي، كلها فاقمت الأزمة وأضعفت قدرة النظام البيئي على التعافي، وهو ما حال دون نجاح مشاريع الإحياء.
هل فقدنا بحيرة أرومية
أكَّدت الوكالة أن أروحي أبرز أن مستقبل بحيرة أرومية يقترح سيناريوهين، الأول استمرار الوضع الحالي، حيث يؤدي نقص خفض السحب المائي وتخصيص الحصة المستدامة إلى تقلب مؤقت في مستوى المياه يتبعه جفاف متزايد، واستنزاف المياه الجوفية، وارتفاع الهبوط الأرضي، وتبلور الأملاح، مما يصعّب إعادة إحيائها.
وبيَّن أن السيناريو الثاني يتمثل في إصلاح استهلاك المياه الزراعية وضمان تخصيص منتظم ومستدام للحصة البيئية للبحيرة، بحيث إذا ضُخّت سنويا 3.4 مليار متر مكعب وتمت إدارة السحب الزراعي بكفاءة، يمكن للبحيرة أن تعود تدريجيا، مع تبخر نحو ملياري متر مكعب سنويا وبقاء 1.5 مليار متر مكعب صافي، ما يمكّن البحيرة من استعادة حجمها البالغ 14.5 مليار متر مكعب خلال حوالي عشر سنوات.
ضرورة تعزيز القدرة البيئية لبحيرة أرومية والتكيّف مع الظروف المناخية
أوردت الوكالة أن أروحي نبَّه إلى أن تغيّر المناخ والجفاف يفرضان ضرورة رفع القدرة البيئية لبحيرة أرومية والتكيّف مع الظروف الجديدة، غير أن خطوات جدية لم تُنجز بعد، وصرَّح أن السيول الموسمية الأخيرة لم تصل للبحيرة بسبب السحوبات غير المشروعة وضعف إدارة المسارات المائية، ما أضاع فرصة تغذيتها.
وأكد أن إدارة هذه السيول يمكن أن تحد من آثار الجفاف والمناخ المتغير، كما أشار إلى أن تراجع الأمطار هذا العام بنسبة 40% لا يبرر التخفيض الأكبر بكثير في حصة البحيرة، معتبرا أن السبب الرئيسي هو غياب الحوكمة الموحدة وسوء إدارة الموارد المائية وأنماط الاستهلاك.

