نائب وزير الداخلية الإيراني الأسبق: الإذاعة والتلفزيون تُدار بعقلية مغلقة تضر بالمجتمع والنظام

Ad 4nxehjt0zcsnhzulo8 lw trhrsnkmdrxxiwhqsv6ejxqh2jgme77rdmwfzccgrgqxuomnsnfzs 1zyxa8fhqzgkg5n ftwrnan86bzk8nzmfgg9crzkuwyz3x fbd336 lmuthcpuakeyuoy7j4a0rpsbimnpoveb0g

أجرت صحيفة هم‌ ميهن الإصلاحية، السبت 12 يوليو/تموز 2025، حوارا مع مرتضى مبلغ، نائب وزير الداخلية في حكومة محمد خاتمي، حول أداء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وضرورة إجراء تغييرات جذرية في سياساتها بعد وقف إطلاق النار.

وفي ما يلي نص الحوار:

في ظل استمرار التهديدات، كيف ترى ضرورة إصلاح الخطاب الإعلامي الرسمي الذي تحول من أداة للوحدة الوطنية إلى مصدر للانقسام عبر تصريحات مثيرة للجدل؟

للأسف، نحن نواجه في إيران منظومة من الكوارث على مستوى الحكم والإدارة تُثير الاستغراب بكل معنى الكلمة. ومن المثير للتساؤل أن العقلاء في النظام، ورؤساء السلطات، وكبار المسؤولين في الدولة، والذين لا شك أنهم يدركون مثل هذه القضايا، لا يولونها الاهتمام اللازم، ويتركون هذه الكوارث تستمر.

إن إحدى أبرز هذه الكوارث هي تفرد وتسلط القوى المتشددة والجامدة والرجعية، التي مع الأسف، تتركز بشكل أساسي في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون؛ وهي وسيلة إعلامية كان يفترض أن تكون واجهة للنظام، وتجسيدا لعقلانية الحكم، بل وعقلانية المجتمع. لكننا نرى أنها تحوّلت إلى القاعدة الأساسية لهذه التيارات الجاهلة وغير المسؤولة.

ولو افترضنا عدم وجود تيارات مشبوهة خلف بعض هذه الممارسات — رغم أن ذلك احتمال وارد — فإن المؤكد أن بعض الأفراد يقعون تحت تأثير تلك التيارات. وقد برز هذا النفوذ بوضوح خلال الحرب التي استمرت 12 يوما، وما خلّفه من نتائج كارثية. والمدهش حقا هو استمرار السماح بهذا النهج حتى اليوم.

أليس من غير المقبول أن يتحمّل الشعب كلفة مواقف وخطابات تُبث عبر الإذاعة والتلفزيون؟

إن إصلاح هذا الوضع يُعد من البديهيات، إذ إن الاستمرار في هذا المسار لا يجلب لإيران سوى الكوارث والمخاطر والأثمان الباهظة. ومن المؤسف حقا أنه حتى بعد هذه الحرب الكارثية والعدوان الوحشي على إيران، لا يزال البعض مصرّين على التمسك بالنهج السابق.

ومن الطبيعي أن نجد في إيران بعض الأشخاص الذين يتخذون مواقف متطرفة على المستوى الشخصي، فكل فرد حرّ في ما يقوله لنفسه. لكن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والمنابر العامة التي تُعتبر واجهة للدولة والنظام، لا يحق لها أن تُحمّل الشعب كلفة هذه المواقف. ولا ينبغي لها أن تفرض على إيران رؤاها الخاطئة، غير الفعالة، والمتزمتة.

أليس من المدهش أن رؤساء السلطات يظهرون هذا القدر من اللامبالاة تجاه مؤسسة الإذاعة والتلفزيون؟

من المستغرب حقا كيف يمكن لرؤساء السلطات، الذين يملك كلّ منهم عضوين مشرفين في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، أن يكونوا بهذا القدر من اللامبالاة تجاه هذه القضايا. ولا يُظهرون هذا الحدّ الأدنى من الاهتمام. ولا تتم المتابعة والرقابة على البرامج. ولا يبادرون إلى مراقبة برامج هذه المؤسسة الحيوية لمنع التجاوزات. ويُسمح بوجود هذا النمط من الإدارة على رأس الإذاعة والتلفزيون من قبل الحُكم.

وأنا واثق أن الكوادر الداخلية في المؤسسة، وكثيرا من مديريها المجتهدين، غير راضين عن هذا المسار ويشعرون بالضيق منه. ولكن حين تسمح القيادات العليا بفتح المجال أمام نشر أفكار خاطئة، منحرفة، متطرفة، وواهمة، فإن النتيجة لن تكون إلا المزيد من الأزمات والمصائب التي يدفع الوطن ثمنها.


أليست معالجة وضع إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون اليوم أهم حتى من لقمة العيش؟

إن معالجة أسلوب إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في أسرع وقت ممكن، ضرورة تفوق حتى أهمية لقمة العيش. ففي هذا الظرف الداخلي والدولي بالغ الحساسية، لا بد من إعادة هذه المؤسسة إلى المسار الصحيح، وتصحيح الانحرافات والخلل القائم فيها، والابتعاد عن الأشخاص الذين يفتقرون إلى فهم الواقع الداخلي، والظروف الدولية، والقضايا السياسية؛ لأن هؤلاء هم من يسببون الضرر والتكلفة المتكررة للمجتمع، وللوطن، وللنظام، وللسلطة.

في الأيام الماضية، كثر الحديث عن ضرورة تغيّر سلوك النظام في مختلف المجالات. برأيك، هل تلمس وجود عقلانية أو إرادة حقيقية للتغيير، خصوصا داخل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون؟

في نهاية المطاف، لا شك أن هناك قدر ا من العقلانية داخل بنية الحُكم. فخلال الأشهر الماضية، شهدنا مسارا إيجابيا في ملف التفاوض والعلاقات الدولية، ولم تكن الحكومة وحدها هي الفاعلة في هذا الاتجاه، بل كانت في الواجهة، في حين أن كامل بنية الحكم كانت تقف خلف هذا المسار.

لكن المؤسف أن هناك جهات خفية يبدو أنها تعرقل تفعيل هذه العقلانية في مجالات أخرى، وهو ما يدعو فعلا إلى القلق. وإلا فإن العقلاء في النظام، من قادة ومسؤولين كبار، يدركون جيدا أهمية هذه القضايا، والانتباه إليها يُفترض أن يكون من البديهيات.

أليست تحليلات الإذاعة والتلفزيون السطحية سببا في إلحاق الخسارة بإيران بدلا من تقديم فائدة حقيقية؟

برأيي، الجميع يدركون هذه القضايا، لكنهم لا يولونها الاهتمام الكافي. ويُسمح لهذا المسار الخاطئ أن يستمر رغم وضوح مخاطره. وهناك أسباب غامضة تقف خلف هذا الإهمال، وقد تكون اعتبارات أو تيارات معينة هي التي تؤثر في القرار. وهذه أمور تثير القلق بشكل حقيقي.

إن أي شخص يملك الحد الأدنى من الوعي بواقع المجتمع والظروف الدولية يعرف أن بعض المواقف والتحليلات السطحية التي تُطرح في الإذاعة والتلفزيون وغيرها لا تجلب إلا الخسائر. فالمشكلة ليست محصورة في الإعلام، بل تمتد إلى مجالات أخرى أيضا.

وحين يُقال إن الانسجام الوطني أنقذ إيران، فهذا يعني أن الشعب نفسه كان الحصن الأقوى. وصحيح أن القدرة الدفاعية كانت مهمة، لكن وحدة المجتمع كانت الأهم، والنظام ذاته يعترف بذلك. وهذا الانسجام لا بد أن يُصان، لأنه يعني أن الوطن ملك للجميع، لا لفئة متشددة بعينها. ومشاركة جميع الأصوات والتيارات هي ما يمنح الاستقرار الحقيقي.

ولكن المؤسف أنه ما إن تهدأ الأزمة، حتى ننسى أهمية هذا المناخ الوطني، ونعود للسلوكيات الضيقة التي تهدده.

ألسنا اليوم بحاجة إلى تغيير في النهج على جميع المستويات؟

نحن فعلا بحاجة إلى تغيير جذري في النهج، وهذه الحاجة باتت مفهومة لدى الجميع، حتى لدى أبسط المواطنين. والمطلوب أن تبدأ السلطات هذا المسار بجدية، وتجتمع وتتخذ قرارات واضحة، وإذا لزم الأمر، تلجأ إلى القيادة للحصول على الإذن اللازم، ثم تتحرك بعقلانية في كل الملفات، من السياسية والاجتماعية إلى قضية السجناء السياسيين.

فالوقت مناسب للإفراج عن من لم يرتكبوا جرائم بل سُجنوا بسبب آرائهم، وكذلك لتصحيح الأخطاء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذا النوع من التغيير، إن جاء في وقته وبحكمة، سيعزز ثقة الناس ويرفع من مكانة النظام. لكن ما يحيرني ويقلقني هو هذا التباطؤ غير المبرر، وكأن الأمور لا تؤخذ بالجدية التي تستحقها.

 شكّل وقف إطلاق النار فرصة حقيقية لإحداث تغيير في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، كيف تقيّمون أداء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون خلال الأيام الـ12 من الحرب؟

لا يمكن تقييم أداء المؤسسة بشكل موحّد ومطلق. فبعض الأقسام قدّمت أداء جيدا، صحيحا، وبنّاء، لكن في أقسام أخرى، حتى خلال أيام الحرب، ظهرت مشكلات واضحة. فعلى سبيل المثال، كانت الدعوة إلى التحليل والتفسير تقتصر بشكل احتكاري على مجموعة محددة من الأشخاص، وهو نهج تعرّض للنقد حتى في تلك الفترة. وبالطبع، لا يمكن إنكار وجود أعمال جيدة وبارزة أيضا. لذلك، لا يمكن إطلاق حكم عام ومطلق على الأداء.

أليست التيارات الأخرى تُستدعى إلى الإذاعة والتلفزيون بشكل مؤقت ومحدود، ولأغراض توظيفية فقط؟

نعم، لكن الأهم من ذلك هو أن وقف إطلاق النار خلق فرصة كي تدخل الإذاعة والتلفزيون في مسار التغيير، وهذه الفرصة ما زالت قائمة. للأسف، وتحت وطأة بعض الضغوط، تقوم المؤسسة أحيانا بدعوة بضعة أشخاص من ذوي الآراء المختلفة، لكن حتى ذلك يكون غالبا مؤقتا، وضمن إطار مرسوم مسبقا من قبلها؛ أي أنه لا يكون حقيقيا، ولا نابعا من انفتاح فعلي تجاه المجتمع.

إنه أقرب إلى استغلال ظرفي لبعض التيارات لتمرير أجنداتهم، لا أكثر. وهذه ليست الطريقة الصحيحة. فالنهج الصحيح هو أن تسود المؤسسة إدارة بنّاءة ومنفتحة، تليق بها كمؤسسة تمثل النظام والدولة، إدارة تستفيد من آراء الخبراء الموثوقين وذوي الكفاءة في إيران، لتضع لهذه المؤسسة الكبرى نهجا واضحا ومسارا سليما.

وهذا لا يقتصر على صدا وسيما فقط، بل ينطبق على سائر المؤسسات، إلا أن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، بسبب موقعها الحساس، تأتي في مقدمة الأولويات من حيث الضرورة والإلحاح.

هل تعتقدون إذا أنه حتى خلال الأيام الـ12 من الحرب، لم تعكس الإذاعة والتلفزيون ذلك التلاحم الوطني الذي كان واضحا بين الناس؟ هل هذا صحيح؟

كان ذلك واضحا تماما. فحتى في تلك الفترة، ورغم وجود بعض البرامج الجيدة والمناسبة التي كانت تُبث في إطار التعبئة ورفع معنويات الناس بسبب ظروف الحرب، إلا أن نظرة أدق تكشف أن تشكيلة الخبراء المدعوين كانت ضيّقة للغاية ومغلقة على تيار واحد.

أليس من اللافت أن الاحتكار في اختيار الضيوف والخبراء في الإذاعة والتلفزيون كان خلال الحرب أشد من فترة ما بعد وقف إطلاق النار؟ ومن أين أصلا يأتي هؤلاء الخبراء؟ وعلى أي أساس يتم اختيارهم؟

كانت هناك فرصة حقيقية للاستفادة من شخصيات وطنية تعزز التلاحم الشعبي وتمنح المشاركة طابعا أعمق، لكن للأسف، لم يُستفد منها إطلاقا. فالذين دُعوا لتحليل الأحداث كانوا من فئة محددة، وكثير منهم غير معروفين، ولا يُعرف ما خلفياتهم أو مدى مصداقية تحليلاتهم. وإذا رجعنا إلى تلك البرامج، نلاحظ أن هذه المشكلة كانت موجودة بوضوح، بل إنها بعد وقف إطلاق النار أصبحت أسوأ. 

وبعض التيارات أصابها نوع من الغرور، وظنت أن الأمور قد حُسمت، فعادت لتكرار نفس المسار بدلا من فتح المجال لوجهات النظر المختلفة. وللأسف، هذا السلوك نواجهه كثيرا، والمشكلة الأكبر أن الساحة تُترك فعليا لقوى متشددة وجاهلة، بعضها بات اليوم مصدر تهديد حقيقي لإيران.

ألا يُلاحظ غياب الإرادة الحقيقية لتهميش وإزاحة الأفكار الخاطئة من الساحة؟

لا نعلم ما الذي يجري خلف الكواليس، ولا كيف يتحرك تيار النفوذ تحديدا، أو ما الدور الفعلي الذي تلعبه التيارات المتطرفة. لكن ما هو ظاهر للعيان يبعث على القلق، وما يزيد الأمر أسفا هو غياب إرادة جادة لتهميش هذه الأفكار الخاطئة والخطيرة.

وما يدهشني هو أن النظام، الذي أثبت خلال الأشهر الماضية قدرته على اتخاذ قرارات بنّاءة في بعض الملفات، يُبدي فتورا أو تجاهلا في قضايا بهذه الدرجة من الخطورة.

والجدير بالملاحظة أن الوقت الآن مناسب للتصحيح. ومن الضروري أن تُمنح الشخصيات الوطنية مساحة حقيقية للمشاركة، وأن تُدعى إلى ساحة الفعل والحوار، من أجل ترميم الثقة العامة. فالحضور الشعبي الواسع والداعم، بحد ذاته، هو رسالة قوية إلى أطراف معتدية مثل إسرائيل وأمريكا، بأن المجتمع الإيراني متماسك وقادر على الوقوف كجدار منيع.

وفي النهاية، لا نملك إلا أن نُعبر عن الأمل، ونُوصي، ونناشد المسؤولين الكبار أن يعالجوا هذه القضايا الجذرية بأقصى سرعة، وبكل جدية، لما فيه مصلحة إيران.