وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل.. نهاية حرب أم بداية مواجهة جديدة؟

بعد اثني عشر يوما من الحرب المفتوحة بين إيران وإسرائيل أُعلن عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، ليسدل الستار، مؤقتا على الأقل، على واحدة من أكثر المواجهات دموية وتصعيدا في تاريخ الصراع بين الطرفين. إعلان لم يجب عن الأسئلة الكبرى مثل: من المنتصر؟ هل انتهت الحرب فعلا؟ وهل يمكن الوثوق بالتزام إسرائيل بهذا القرار؟

قرار وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل

جاء إعلان وقف إطلاق النار في وقت كانت فيه مؤشرات التصعيد قد بلغت ذروتها، وتجاوزت العمليات العسكرية حدود الاستهدافات المتبادلة لتطال منشآت حيوية، ومدنا كبرى، وحتى مراكز أبحاث نووية، حيث أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال منشور على منصة تروث سوشيال الثلاثاء 24 يونيو/حزيران 2025، أن الحرب بين إيران وإسرائيل ستنتهي خلال ساعات، حيث كتب ترامب: “إنَّ وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ في غضون 6 ساعات تقريبا”، مضيفا أن وقف إطلاق النار يدوم أولا 12 ساعة ثم ستعتبر الحرب منتهية رسميا، ليأتي ويؤكد في منشور آخر أن الطائرات الإسرائيلية ستعود لحظائرها بعد أن تؤدي ما سماه تحية ودية.

على الجانب الإيراني، لم يصدر بيان رسمي بتفاصيل الاتفاق، لكن الرسائل السياسية من طهران كانت واضحة، فإيران قد وافقت على وقف إطلاق النار؛ حفاظا على السمعة الأخلاقية للدولة، كما صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى كارثة إنسانية يصعب احتواؤها، في المقابل، أعلنت تل أبيب قبولها المشروط بوقف العمليات العسكرية، مبررة ذلك بتحقيق الأهداف، رغم تضارب التقارير التي تفيد بمدى تحقيق هذا الهدف.

اليوم الأول من وقف إطلاق النار.. هدوء هش وسط الشكوك

رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حيز التنفيذ، فإن أجواء التوتر لم تغب عن اليوم الأول من الهدنة التي أعقبت 12 يوما من التصعيد العسكري العنيف بين الطرفين، فعلى الرغم من أن الساعات الأولى بدت أكثر هدوءا مقارنة بالأيام السابقة، حيث كانت تشن إيران هجماتها ليلا بينما ترد تل أبيب في ساعات الصباح الأولى، فإن ذلك لم يمنع وقوع حوادث إطلاق صواريخ وتحليق طائرات مسيرة، لتظل الهُدنة في مهب الريح.

فمع بداية يوم الثلاثاء 24 يونيو/حزيران، وبعد دقائق من سريان الاتفاق، قامت إسرائيل بمهاجمة العاصمة طهران، في خرق واضح لوقف إطلاق النار، لتفيد وسائل إعلام عبرية بعدها باعتراض صاروخ في أجواء إسرائيل، ما دفع السلطات الإسرائيلية إلى توجيه اتهامات مباشرة لطهران، متهمة إياها بخرق الهدنة، وفي وقت لاحق من المساء، أعلن الجيش الإسرائيلي عن رصد وإسقاط طائرتين مسيّرتين قال إنهما أُطلقتا باتجاه الأراضي المحتلة.

في المقابل، ردت إسرائيل بإطلاق نار باتجاه مدينة بابلسر الواقعة شمالي إيران، فيما فعَّلت أنظمة الدفاع الجوي في العاصمة طهران ومدن أخرى مثل تبريز ورشت، وأوضحت مصادر عسكرية إيرانية أن هذه الأنظمة تصدت لتحركات جوية مشبوهة، يُعتقد أنها مسيّرات صغيرة، دون أن تشير إلى وقوع هجوم فعلي مباشر.

الشكوك الإيرانية.. هل تلتزم إسرائيل بالهدنة؟

لا تنطلق المخاوف الإيرانية من نقض إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار من فراغ، فالتاريخ العسكري لإسرائيل حافل بسوابق في خرق اتفاقيات الهدنة، سواء في غزة أو جنوب لبنان أو حتى في صراعاته مع سوريا، ويستشهد مراقبون بالضربة التي نفذتها إسرائيل على طهران قبيل ساعات من بدء الهدنة، وهو ما وصفه دونالد ترامب في تصريحات لاحقة بأنه تصرف غير حكيم، إذ أكد الرئيس الأمريكي السابق أنه غير راض عن قصف إسرائيل لطهران قبيل سريان الهدنة، وهو ما رأى فيه الإيرانيون مؤشرا على عدم صدقية الطرف الآخر.

هذا وقد ذكر موقع خبر فوري، الأربعاء 25 يونيو/حزيران 2025، أن إسرائيل استخدمت تكتيكا مشابها مع مصر خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حيث ذكر أنه “في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حققت مصر وسوريا مكاسب ميدانية مبكرة، لكن إسرائيل رفضت الهدنة ووسّعت الهجوم، خاصة على الجبهة السورية. عندما تدخلت مصر مجددا لدعم سوريا، تعرّضت قواتها لخسائر فادحة نتيجة الخروج من مظلة الدفاع الجوي. وفي ظل تعادل ميداني وضغوط دولية، تم إعلان وقف إطلاق النار. إلا أن إسرائيل استغلّت الهدنة، فاجتازت قناة السويس من الخلف بقيادة أريئيل شارون، وحاصرت قوات مصرية، ما أجبر القاهرة على التفاوض من موقع ضعف”.

تلك المخاوف عبرت عنها شخصيات هامة كذلك، كالرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، الذي حذر في خطاب وجهه للشعب بعد انتشار أخبار وقف إطلاق النار، من مغبة الاطمئنان لاتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، مؤكدا أن الهدنة لا تعني نهاية التهديد، واعتبر روحاني في بيانه، أن وقف إطلاق النار قد يكون وسيلة للخداع والمراوغة، داعيا إلى الحفاظ على الجاهزية التامة على المستويات الاستخباراتية والدفاعية والأمنية، مؤكدا أن تجارب سابقة، كما في لبنان، أظهرت أن العدو قد يستغل الهدوء المؤقت للتحضير لهجوم جديد، مشددا على ضرورة عدم الانخداع بالكلمات، بل مراقبة الأفعال، لأن الثقة بأعداء إيران خطأ استراتيجي.

من فاز بالحرب؟ ومن يمسك بزمام المبادرة؟

السؤال الأبرز بعد نهاية كل حرب يبقى: من انتصر؟ والإجابة في هذا السياق ليست بالضرورة عسكرية بحتة، بل تشمل الرمزية، والمعنويات، والقدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة.

بحسب تقرير نشرته وكالة دانشجو الإيرانية، فإن الكفة تميل بوضوح لصالح إيران، فالحرب التي بدأت بمفاجأة إسرائيلية، انتهت بردٍّ صاروخي من طهران، استهدف تل أبيب، وحيفا، وديمونا، ومراكز حيوية أخرى، وقد كشف هذا الرد هشاشة القبة الحديدية، وأثبت، وفق الإيرانيين، أن قدرتهم على الردع لا تزال قائمة، ورغم سقوط أكثر من 600 قتيل إيراني، وخسائر مادية جسيمة، فإن القيادة الإيرانية تعتبر أن الحرب كانت فرصة لإعادة التموضع السياسي والعسكري، وإعادة صياغة المعادلات الإقليمية.

في المقابل، فإن تل أبيب لم تحقق أيا من أهدافها المعلنة أو غير المعلنة، سواء في تدمير المواقع النووية الإيرانية، كما فشلت خططها في خلق حالة من الفوضى الداخلية في إيران والتي ستهدف في الأخير إلى إسقاط النظام.

على الجانب الآخر، فقد تكبدت إيران خسائر كبيرة منذ فجر الجمعة 13 يونيو/حزيران، تمثلت في فشل أنظمة الدفاع الجوي في التصدي للهجمة الإسرائيلية الأولى، ومقتل عدد من العلماء النوويين والقادة العسكريين، وبروز الوجود الواضح لشبكة التجسس الإسرائيلية المزروعة بعناية ومنذ فترة طويلة في الداخل الإيراني، غير ما لحق بالمواقع النووية الإيرانية بأضرار.

ورغم سريان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، فإن أجواء الحرب لا تزال حاضرة، والقلق من عودة المواجهة لم يختفِ. فبين تصعيد لم يُحقق أهدافه، وهدنة تبدو هشة، يبقى الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية، هل تكون هذه الحرب نهاية مرحلة وبداية توازن ردع جديد؟ أم مجرد جولة في صراع طويل الأمد؟ ما هو مؤكد أن الطرفين، خاصةً إيران، خرجا من المعركة برسائل واضحة وهي أن الردع باقٍ، والمعادلات تتغير.

كلمات مفتاحية: