- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 44 Views
كتب: الترجمان
شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا وجيوسياسيا غير مسبوق في الساعات الماضية، حيث دخلت المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية مرحلة حرجة ومفتوحة على كافة الاحتمالات. وجاء هذا التطور الميداني الخطير بعد أن شنت القوات الأمريكية ضربات صاروخية وجوية واسعة النطاق استهدفت مواقع حيوية في الداخل الإيراني، مما دفع طهران إلى اتخاذ القرار الأكثر خطورة في تاريخ النزاعات البحرية بالمنطقة، وهو الإعلان عن الإغلاق الكامل والشامل لمضيق هرمز أمام كافة أنواع الملاحة البحرية.
هذا القرار وضع الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية في حالة تأهب قصوى، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية الفائقة لهذا الممر المائي الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، مما يهدد بحدوث صدمة طاقة عالمية جديدة إذا ما طال أمد هذا الإغلاق العسكري.
تفاصيل الضربة الأمريكية والرد العسكري الإيراني الفوري
بدأت فصول الدورة الجديدة من الصراع في الساعات الأولى من الليل، عندما نفذت القوات الأمريكية هجوما عسكريا مفاجئا وكثيفا استهدف حزمة من الأهداف الاستراتيجية في عمق الأراضي الإيرانية وفي مناطق تقع بالجنوب الغربي من البلاد. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات متلفزة لشبكة فاکس نيوز أن القوات البحرية والجوية لبلاده أطلقت تسعة وأربعين صاروخا مجنحا من طراز “توماهوك”، بالتزامن مع تحليق مكثف لمقاتلات سلاح الجو الأمريكي التي عملت على تدمير واستهداف منظومات الرادار والدفاع الجوي الإيرانية لمنع أي رد فعل دفاعي.

وبرر ترامب هذه الخطوة بأنها رد على ما وصفه بالخروقات الإيرانية المتكررة، مدعياً في الوقت ذاته أن هجمات بلاده حققت أهدافها وستنتهي قريبا، مشيرا إلى أنه تلقى اتصالات مباشرة من مسؤولين إيرانيين كبار يطالبون بوقف القصف، وهي الادعاءات التي سارعت طهران إلى نفيها وتفنيدها بشكل قاطع.
في المقابل، لم يتأخر الرد الإيراني واكتسب طابعا فوريا وحاسما على الصعيدين العسكري والسياسي من خلال استهداف الخط الملاحي العالمي. حيث أصدر مقر خاتم الأنبياء العسكري بيانا عاجلا أعلن فيه الإغلاق التام لمضيق هرمز منعا لمرور أي نوع من أنواع السفن، سواء كانت ناقلات نفط عملاقة أو سفن تجارية وحاويات.
وأكد البيان أن هذا الإجراء يأتي ردا على ما وصفه بالشرور والاعتداءات الأمريكية المتجاوزة التي استهدفت مناطق في محافظة هرمزغان، معتبراً أن المنطقة باتت غير آمنة تماما، ومحذرا من أن أي قطع بحرية تحاول خرق هذا الحظر وتتجرأ على العبور ستكون هدفاً مشروعاً ومباشراً للصواريخ والطائرات المسيرة التابعة للقوات المسلحة الإيرانية.

تحذيرات مشددة من القوة البحرية للحرس الثوري
عززت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني (ندسا) هذا القرار الصارم بسلسلة من الإجراءات والتحذيرات الميدانية الصارمة التي وجهتها إلى كافة القطع البحرية المتواجدة في مياه الخليج وبحر عمان.
وأصدرت القيادة البحرية للحرس الثوري تعميما عسكريا طالبت فيه جميع ناقلات النفط والسفن التجارية بالبقاء في مرابطها الحالية وعدم التحرك مطلقا حتى إشعار آخر، معتبرة أن أي محاولة للاقتراب من الممر المائي المغلق ستُفسر عسكريا على أنها فعل عدائي وشكل من أشكال التعاون المباشر مع العدو الأمريكي.
وشدد قادة القوة البحرية على أن التعامل مع المخالفين سيكون حازما وقاطعا، مشيرين إلى أن حظر التجوال البحري هذا يهدف في المقام الأول إلى حماية أمن المنطقة وردع أي تحركات عسكرية أمريكية سرية أو علنية تسعى لفرض واقع جديد في الممر المائي.
وترافقت هذه التحذيرات العسكرية مع إعلان الهيئات الرسمية المسؤولة عن إدارة الممر المائي في الخليج عن تعليق التراخيص الممنوحة سابقا للعبور بشكل مؤقت، مطالبة كافة الشركات الملاحية الدولية بالتحلي بالصبر وانتظار التعليمات والتوجيهات الأمنية المحدثة.
وعلى الرغم من التصريحات العسكرية الأمريكية المقابلة التي حاولت التقليل من شأن الإغلاق عبر الادعاء بأن السفن التجارية لا تزال تعبر وأن واشنطن فرضت في أوقات سابقة حظرا بحريا مضادا، إلا أن المشاهد الميدانية والتقارير الواردة من الموانئ الإقليمية أكدت شلل الحركة الملاحية القياسية وخلو المضيق من المسارات المعتادة، مما يشير إلى أن التهديدات الإيرانية أُخذت على محمل الجد من قبل كبرى شركات الشحن والتأمين البحري العالمية التي تخشى خسارة قطعها البحرية في أتون هذه المواجهة.

تفاعل أسواق الطاقة الدولية وتقلبات أسعار النفط
لم تكن أسواق النفط والطاقة العالمية بمعزل عن هذه الأزمة المشتعلة، إذ شهدت ساعات الصباح الأولى قفزات حادة وسريعة في أسعار الخام بمجرد توارد الأنباء عن القصف المتبادل وإغلاق المضيق. وسجلت أسعار مزيج “برنت” العالمي وخام “غرب تكساس الوسيط” الأمريكي ارتفاعات فورية تجاوزت الدولارين للبرميل الواحد، نتيجة للمخاوف الكبيرة من انقطاع سلاسل الإمداد وحدوث عجز حاد في المعروض العالمي.
غير أن الأسواق أظهرت لاحقا سلوكا يتسم بالحذر والترقب، حيث تراجعت الأسعار قليلاً وبنسبة طفيفة لتستقر عند مستويات تقارب اثنين وتسعين دولاراً لبرميل برنت وتسعة وثمانين دولارا للخام الأمريكي، وذلك في محاولة من التجار والمستثمرين لتقييم الحجم الحقيقي والفعلي للاختناق الملاحي ولتجنب المبالغة في تسعير المخاطر قبل اتضاح الرؤية الميدانية.
ودخلت عوامل اقتصادية وهيكلية أخرى على خط لجم الارتفاعات الجنونية للأسعار، وعلى رأسها البيانات القادمة من الصين والتي تشير إلى تراجع ملحوظ في معدلات الطلب واستهلاك الوقود والمحروقات داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم. هذا الانخفاض في الطلب الآسيوي، إلى جانب لجوء بعض ناقلات الغاز الطبيعي المسال والمشتقات النفطية إلى أساليب تكتيكية مثل إغلاق أجهزة التتبع والتعريف الآلي (AIS) للمرور خفية عبر الممرات الفرعية، ساهم جزئيا في تهدئة روع الأسواق.
ومع ذلك، يجمع المحللون الاقتصاديون على أن هذه التهدئة مؤقتة وهشة للغاية، خصوصاً وأن التقارير الرسمية لوزارة الطاقة الأمريكية تؤكد انخفاضاً حاداً في المخزونات الاستراتيجية للولايات المتحدة بأكثر من سبعة ملايين برمیل، بالتزامن مع وصول إنتاج منظمة “أوبك” إلى أدنى مستوياته منذ عقدين، مما يعني أن أي استمرار للإغلاق سيؤدي حتما إلى أزمة إمدادات حقيقية وخانقة خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

المسارات الدبلوماسية الخلفية وفرص احتواء التصعيد
على الرغم من هدير الطائرات ودوي الانفجارات في جبهات القتال، كشفت مصادر دبلوماسية وسياسية مطلعة عن وجود تحركات مكثفة وقنوات اتصال خلفية تجري في الكواليس بين طهران وواشنطن عبر وسطاء دوليين وإقليميين بهدف منع تدحرج الأزمة إلى حرب إقليمية شاملة ومدمرة. وتفيد المعلومات المسربة بأن الطرفين، وبالتوازي مع تبادل الضربات العسكرية والبيانات التصعيدية، يدرسان بجدية مقترحات وصيغا تهدف إلى التوصل لتسوية مؤقتة أو اتفاق أولي لإخماد النيران.
وترتكز هذه المفاوضات السرية على إمكانية إيجاد آلية مالية وقانونية تتيح الإفراج عن جزء من الأرصدة والودائع الإيرانية المجمدة في الخارج مقابل خفض التصعيد العسكري وإعادة فتح مضیق هرمز أمام حركة الملاحة والتجارة الدولية.
وتعكس هذه المفاوضات المعقدة حالة من البراغماتية السياسية التي تحكم سلوك القوتين؛ فالإدارة الأمريكية الحالية تسعى جاهدة لتجنب الانزلاق الكامل في مستنقع حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج قد تعصف بالاقتصاد العالمي وتؤثر سلبا على الأوضاع السياسية الداخلية، ولذا يحاول الرئيس الأمريكي الموازنة بين إظهار القوة العسكرية والحديث عن رغبة في التفاوض السريع ولفت النظر إلى نجاحات سابقة مزعومة لحماية ناقلات النفط.
ومن جهتها، تستخدم إيران ورقة مضيق هرمز باعتبارها أداة ضغط استراتيجية قصوى لفرض شروطها وتفكيك الحصار البحري والاقتصادي المفروض عليها. وبناءً على ذلك، يظل المشهد في المنطقة معلقا بين فوهة بندقية التصعيد الميداني وطاولة الدبلوماسية السرية، حيث ستحدد الساعات والأيام القادمة ما إذا كان العالم متجهاً نحو انفراجة سياسية تعيد الاستقرار للممر المائي، أم نحو مواجهة كبرى تعيد صياغة المعادلات الجيوسياسية في المنطقة بأسرها.

