هل تحول البرلمان الإيراني إلى “منصة احتجاج” شعبية؟

Image

في مشهد نادر يعكس تداخل السياسة بالمعيشة، بدت جلسات البرلمان الإيراني خلال الأيام الأخيرة أقرب إلى مرآة للاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة في الشارع. فمقر البرلمان، لم يعد مجرد ساحة للتشريع أو الرقابة، بل تحوّل إلى منصة مفتوحة لتفريغ الغضب الشعبي، مع سعي عدد من النواب إلى إظهار تضامنهم مع المواطنين، عبر توجيه انتقادات حادة للحكومة والرئاسة على خلفية تفاقم الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

تأتي هذه التطورات في ظل ضغط معيشي غير مسبوق تشهده إيران، حيث باتت أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية تتصدر واجهة النقاش السياسي، موجِّهة سهام الانتقاد مجددا نحو «الباستور»، مقر الرئاسة الإيرانية. فحكومة الرئيس مسعود بزشكيان، التي تولّت السلطة وسط أزمات داخلية وخارجية متراكمة، لم تفلح حتى الآن في تقديم حلول ملموسة تخفف من وطأة الغلاء، رغم اعتمادها أدوات مثل «البطاقة التموينية الإلكترونية» أو تقديم معونات معيشية محدودة. غير أن هذه الإجراءات، وفق تقييم برلماني واسع، لم تنجح في كبح جماح الأسعار، بل تزامنت مع موجات تضخم جديدة.

السلع الأساسية في صدارة الجدل

داخل قبة البرلمان، تصاعدت الانتقادات مع الحديث عن الارتفاع الحاد في أسعار زيت الطعام والدواجن والبيض. وفي هذا السياق، وجّه النائب رحمة الله نوروزي، إنذارا دستوريا استند فيه إلى مواد تؤكد ضرورة تحقيق اقتصاد عادل ورفع الفقر والحرمان. 

وتساءل بلهجة لافتة: ما الجدوى من بطاقة تموينية بقيمة 10 مليون ريال، في وقت تتضاعف فيه أسعار السلع الأساسية؟ وأين ذهبت مليارات الدولارات المخصصة لاستيراد الأدوية والمواد الحيوية، ومئات الآلاف من المليارات التي رُصدت لتسهيلات خلق فرص العمل؟

هذا الخطاب لم يكن معزولا، إذ عبّر النائب الأصولي الشهير حميد رسائي، عن إحباط أوسع داخل المؤسسة التشريعية، معتبرا أن البرلمان بات بلا سلطة حقيقية أمام القرارات الاقتصادية الكبرى. 

وانتقد لجوء الحكومة إلى اجتماعات رؤساء القوى الثلاث لحل الأزمات، ساخرا من أن أسعار الزيت قد تتضاعف بين جلسة وأخرى، بل ذهب إلى حد اقتراح إغلاق البرلمان وصرف ميزانيته مباشرة على الناس، في إشارة رمزية إلى عجز الأدوات التقليدية عن معالجة الأزمة.

Image

المافيا الاقتصادية وتجار العقوبات

لم تقتصر الانتقادات على الأداء الحكومي، بل امتدت إلى ما وصفه النواب بـ«المافيا الاقتصادية» أو «تجار العقوبات»، الذين يستفيدون من القيود الخارجية لإعادة إنتاج الفساد داخليا. 

النائب روح الله إيزد خواه حذّر من أن الحكومة دخلت في «جراحة اقتصادية كبيرة وخطيرة»، لكنها ستفشل ما لم تترافق مع جراحة موازية تستهدف الشبكات شبه الحكومية المسيطرة على مفاصل الاقتصاد.

وتساءل إيزد خواه عن أسباب إقصاء الشعب من المشاركة في تطوير الحقول النفطية، وعن استمرار المتاجرة بالدولار داخل «بورصة السلع»، رغم امتلاك البلاد، نظريا، لسلاسل إنتاج مكتفية ذاتيا. 

هذا الطرح يعكس قناعة متنامية داخل البرلمان بأن الأزمة ليست مجرد نتيجة للعقوبات، بل نتاج خلل بنيوي وهيمنة مصالح ضيقة.

مطالب بالمحاسبة ودور القضاء

في موازاة ذلك، ارتفعت الأصوات المطالبة بتدخل حازم من السلطة القضائية. فقد دعا النائب أحد بيوتة، إلى محاكمة المتسببين في الإخلال بالنظام الاقتصادي، محذراً من إفلاتهم من العقاب عبر الاستقالات الشكلية. وتساءل عن قدرة المتقاعدين والموظفين على تحمّل تضخم «يقصم الظهر»، منتقداً في الوقت ذاته بقاء بعض المديرين في مناصبهم لسنوات طويلة، ما يعيق ضخ دماء جديدة في الإدارة.

بين الاحتجاج والحوار

في خضم هذا التصعيد، شددت النائبة زهراء سعيدي على ضرورة التمييز بين المحتجين وأعمال الشغب، داعية إلى فتح قنوات حوار حقيقية مع الشارع. وهاجمت استمرار تعيين متقاعدين في مجالس إدارة الشركات الكبرى، رغم وجود قوانين تمنع ذلك، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تمس كرامة المواطنين وتعمّق فجوة الثقة بين المجتمع والدولة.

Image

ما جرى تحت قبة البرلمان الإيراني لا يمكن قراءته باعتباره مجرد سجال برلماني عابر أو تنفيسا لفظيا عن غضب مؤقت، بل يعكس انتقال الأزمة الاقتصادية في إيران إلى مستوى مؤسسي مكشوف. فحين يتبنى نواب البرلمان، بصفتهم جزءا من بنية الحكم، خطاب الاحتجاج ذاته الذي يرفعه الشارع، فإن ذلك يشير إلى تصدّع في منظومة إدارة الأزمة، وإلى اتساع الفجوة بين السياسات المعلنة والواقع المعيشي اليومي للمواطنين.

الأخطر في المشهد ليس فقط الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية، بل الشعور المتنامي داخل المؤسسة التشريعية نفسها بأن أدوات التدخل التقليدية فقدت فعاليتها. فالدعم النقدي، والبطاقات التموينية، واجتماعات الطوارئ بين رؤساء السلطات، تبدو في نظر كثيرين حلولا إسعافية لا تمس جوهر الأزمة، ولا تعالج شبكات المصالح والاحتكار التي ترسّخت خلال سنوات العقوبات وسوء الإدارة. ومع استمرار هذا النهج، يتحول الدعم من وسيلة لتخفيف العبء إلى عامل نفسي يزيد من إحباط الشارع حين يتزامن مع موجات غلاء جديدة.

كما تكشف دعوات النواب إلى «جراحة اقتصادية» شاملة، وإلى محاسبة المافيا الاقتصادية، عن إدراك متزايد بأن العقوبات الخارجية لم تعد التفسير الوحيد للاختناق المعيشي. فثمة قناعة تتشكل بأن جزءاً كبيراً من الأزمة نابع من اختلالات داخلية، وغياب الشفافية في إدارة الموارد، واستمرار تدوير النخب الإدارية ذاتها، بما يحول دون تجديد الدماء أو إشراك المجتمع في الحلول.

في هذا السياق، تبرز أهمية دور السلطة القضائية ليس فقط كأداة عقاب، بل كعنصر حاسم في استعادة الثقة العامة، إذا ما اقترنت المحاسبة بإجراءات واضحة ومعلنة تطال كبار المفسدين، لا الحلقات الأضعف فحسب. فغياب هذه الرسائل الحاسمة يكرّس الانطباع السائد بأن كلفة الأزمة تُنقل بالكامل إلى كاهل الفئات الوسطى والفقيرة.

يبدو أن الحكومة تقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الانتقال من إدارة الأزمة بمنطق الاحتواء المؤقت إلى مقاربة إصلاحية شاملة تضع مكافحة الفساد والشفافية في صلبها، أو الاستمرار في دوامة الحلول الجزئية التي تُبقي البرلمان والشارع معاً في حالة احتجاج دائم. وبين هذين الخيارين، يبقى البرلمان مؤشرا مبكرا على ما قد تشهده الساحة الإيرانية في المرحلة المقبلة، حيث لم يعد الغضب محصورا خارج المؤسسات، بل بات يتردد صداه في قلبها.