دبلوماسية الجوار في مواجهة الأزمات العاصفة: وساطة الهند وباكستان لإعادة صياغة معادلة السلام مع إيران

كتب: الترجمان

تمر منطقة غرب آسيا في هذه المرحلة التاريخية المنعطفة بواحدة من أكثر فتراتها حرجاً وخطورة، حيث تخيم على أجوائها ظلال الحروب الإقليمية المستعرة، والاضطرابات الأمنية المتصاعدة، والتقاطعات الجيوسياسية متعددة الأطراف التي تهدد بحرق الأخضر واليابس. وفي خضم هذه التطورات المتلاحقة والمخاطر المحدقة، تقود إيران تحركات دبلوماسية مكثفة وواسعة النطاق على كافة الأصعدة والمستويات، بهدف كبح جماح الأزمات المتفجرة وشرح مواقفها الاستراتيجية، مما يعكس بوضوح حيوية ومرونة السياسة الخارجية لطهران في مواجهة التحديات الراهنة وضغوطها الدولية.

وفي هذا السياق الحرج، برزت تحركات متزامنة وفائقة الأهمية في كل من الهند وباكستان، وهي تحركات استقطبت اهتمام مراكز صناعة القرار والمراقبين الدوليين على حد سواء، حيث تسعى القوتان النوويتان في شبه القارة الهندية إلى لعب أدوار فاعلة ومكملة لبعضها البعض في ملفات الشرق الأوسط. إذ تبدي نيودلهي استعدادا سياسيا كبيرا وغير مسبوق للمساهمة في استعادة الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الحيوية، في حين تنخرط جارتها اللدود إسلام آباد بكافة ثقلها الأمني والدبلوماسي كوسيط نشط وموثوق بين طهران وواشنطن، مستهدفة فتح قنوات اتصال مباشرة لنزع فتيل الانفجار الشامل الذي لو وقع فلن تقتصر رشقاته على حدود الشرق الأوسط بل ستمتد لتضرب عمق القارة الآسيوية برمتها.

الهند ودورها المتنامي في الهندسة الأمنية الإقليمية لغرب آسيا

جاءت الزيارة الرسمية الهامة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى العاصمة الهندية نيودلهي للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة “بريكس”، لتتجاوز في حقيقتها الأبعاد التقليدية للعمل متعدد الأطراف، وتحول هذه المنصة الدولية إلى بؤرة للمشاورات الثنائية الفائقة الحساسية حول أزمات الشرق الأوسط المعقدة. وتعكس هذه التحركات رغبة واضحة ومتنامية من جانب القيادة السياسية في الهند لإعادة تعريف دورها الإقليمي والدولي، والانتقال الحاسم من مربع الحياد السلبي التقليدي والتفرج على الأزمات، إلى مربع الشراكة الإيجابية الفاعلة والمساهمة في صناعة القرار الأمني.

ويرى الخبراء الاستراتيجيون أن هذا التحول الهندي ينبع من إدراك نيودلهي بأن أمنها القومي واقتصادها الصاعد بقوة مرتبط دستوريّا وبشكل وثيق لا يقبل الانفصام باستقرار الممرات البحرية الحيوية وإمدادات الطاقة المتدفقة من منطقة الخليج وغرب آسيا، فضلا عن حماية استثماراتها المليارية في البنى التحتية الإقليمية التي تربطها بالعالم الخارجي عبر الأراضي الإيرانية.

Image

قمة عراقجي ومودي لرسم آفاق التعاون الاستراتيجي وتثبيت الأمن المشترك

شكل اللقاء الثنائي الرفيع الذي جمع بين وزير الخارجية الإيراني ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، محطة مفصلية بارزة في مسار العلاقات التاريخية بين البلدين، حيث حرص عراقجي منذ البداية على استعراض الجذور الثقافية والحضارية العميقة التي تربط طهران بنيودلهي عبر القرون، معتبرا إياها ركيزة صلبة يمكن التأسيس عليها لتجاوز العواصف الراهنة. وقدم الوزير الإيراني لرئيس الوزراء الهندي شرحاً وافياً ومفصلاً حول الطبيعة المعقدة للحرب الدائرة في المنطقة، مسلطاً الضوء على التداعيات الإنسانية المؤلمة والأثمان الأمنية والاقتصادية الباهظة الناتجة عن استمرار آلة الحرب واستهداف المدنيين والبنى التحتية.

ومن جانبه، أبدى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تفهما كبيرا وعميقا لخطورة الموقف الجيوسياسي الراهن، مؤكدا على الأهمية الاستراتيجية القصوى التي توليها بلاده للحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع إيران وتطويرها في كافة المجالات الحيوية. وأعرب مودي في هذا اللقاء المصيري عن قلق بلاده البالغ من استمرار تصاعد حدة العنف وتمدد الصراعات، معلنا بشكل رسمي وصريح عن استعداد الهند التام لوضع ثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها الدولية الجيدة في خدمة مساعي إرساء دعائم الأمن المشترك، وإنهاء النزاعات المسلحة، وإعادة الاستقرار إلى منطقة غرب آسيا التي تعتبرها نيودلهي الامتداد الأمني الحيوي للقارة الآسيوية بأكملها.

Image

محادثات دوال وعراقجي لبحث الأبعاد التقنية والاستراتيجية للملفات الشائكة

وفي ذات السياق الدبلوماسي المكثف، عقد الوزير الإيراني جلسة مباحثات موسعة ومعمقة مع مستشار الأمن القومي الهندي النافذ، أجيت دوال، ركزت بشكل أساسي على الأبعاد التقنية والاستراتيجية للأمن الإقليمي وبحث آليات عملية لخفض التصعيد. وشهد اللقاء مراجعة شاملة لواقع ومستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث شدد الطرفان على ضرورة تسريع وتيرة التعاون المشترك في قطاعات التجارة والنقل والطاقة والاستثمار، مع التركيز الخاص على المشاريع الممرية العملاقة وعلى رأسها تطوير وإدارة ميناء تشابهار الإيراني الاستراتيجي الذي يمثل بوابة الهند نحو أسواق آسيا الوسطى وروسيا.

وتطرق الحديث بين عراقجي ودوال إلى التطورات الميدانية الأخيرة في الشرق الأوسط، حيث كان هناك تطابق ملحوظ في الرؤى بشأن ضرورة وجود تحرك جماعي جاد وفعال من قبل المجتمع الدولي والدول المؤثرة لوقف الأعمال العدائية فورا ومحاصرة بؤر التوتر قبل فوات الأوان. وأكد مستشار الأمن القومي الهندي في هذا الصدد أن بلاده لن تدخر جهدا في استخدام كافة قنواتها الدبلوماسية وعلاقاتها الطيبة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لدعم جهود السلام، مشيرا إلى أن تكتل “بريكس” يمثل إطارا مثاليا ومتعدد الأطراف يمكن من خلاله صياغة حلول مبتكرة للأزمات الدولية بعيدا عن سياسات القطب الواحد التي أثبتت عجزها في كثير من الأحيان عن فرض الاستقرار المستدام.

Image

إسلام آباد وتحركاتها الجسورة في اللحظات الأخيرة 

على الجانب الآخر من معادلة شبه القارة الهندية، تشهد العاصمة الباكستانية إسلام آباد حراكا سياسيا وأمنيا غير مسبوق في تاريخها الحديث، بهدف القيام بدور الوسيط الفاعل والمنقذ في واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الدولية على الإطلاق، والمتمثلة في الصراع المزمن والتنافر الاستراتيجي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

وتتحرك الدبلوماسية الباكستانية في هذا المضمار الشائك بخطوات مدروسة وجسورة، مستندة إلى شبكة تحالفاتها وعلاقاتها العسكرية والسياسية التقليدية والعميقة مع واشنطن من جهة، وروابط الجوار الجغرافي والديني والتاريخي الوثيق مع طهران من جهة أخرى، محاولة استغلال رصيد الثقة النادر والمتميز الذي تمتلكه لدى قيادتي البلدين، فضلا عن علاقاتها الطيبة مع دول مجلس التعاون الخليجي، من أجل إحداث خرق دبلوماسي حقيقي يؤدي إلى صياغة تفاهمات شاملة وتأسيس سلام دائم يقي المنطقة خطر التدمير الذاتي.

مساعي شهباز شريف الحثيثة لجمع ترامب وبزشكيان 

أفصح رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، في مقابلة صحفية حظيت باهتمام دولي واسع مع صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، عن تفاصيل الجهود الكبيرة والاتصالات السرية التي تجريها حكومته من أجل عقد جولة جديدة وحاسمة من المفاوضات المباشرة بين طهران وواشنطن على أرض باكستانية. 

وأوضح شهباز شريف في حديثه المليء بالرسائل السياسية المشفرة أن صناعة السلام في هذه الظروف الدولية المعقدة ليست بالأمر الهين على الإطلاق، بل هي عملية شاقة تتطلب نفساً طويلاً والكثير من الصبر والحكمة السياسية، فضلاً عن القدرة العالية على المناورة وإدارة الملفات الشائكة وسط حقول الألغام السياسية وتبادل التهديدات العلنية بين الخصوم.

وأعرب رئيس الوزراء الباكستاني في المقابلة عن امتنانه البالغ وشكره العميق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لقبولهما المبدئي وشجاعتهما في الاستجابة للدعوة الباكستانية الرسمية الرامية إلى الجلوس على طاولة الحوار المباشر وتجاوز تركة الماضي الثقيلة. 

وأكد شريف أن أجهزة الدولة الباكستانية، الدبلوماسية منها والأمنية، تعمل على مدار الساعة وفي هذه اللحظات بالتحديد، لترتيب وتأمين كافة التفاصيل اللوجستية والسياسية اللازمة لإنجاح هذه القمة المرتقبة في إسلام آباد، مشددا على أن بلاده تضع كل ثقلها وتاريخها الدبلوماسي لإنجاح هذا المسعى الذي تعتبره واجبا أخلاقيا واستراتيجيا تجاه جيرانها والعالم، معربا عن أمله في أن تتوج هذه الجهود باتفاق سلام شامل ينهي عقوداً من العداء والتوتر.

Image

هل تنجح الدبلوماسية الآسيوية في تفكيك العقد المستعصية؟

تظهر المعطيات والمؤشرات الدبلوماسية المتلاحقة القادمة من مختلف عواصم المنطقة أن آلة العمل السياسي والدبلوماسي وراء الكواليس وفي الغرف المغلقة تتحرك بسرعة فائقة وغير مسبوقة لسباق الزمن، ومحاولة قطع الطريق أمام السيناريوهات الكارثية والانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة قد تغير وجه العالم.

وقد نجحت الدبلوماسية الإيرانية من خلال الجولات المكثفة لوزير خارجيتها عباس عراقجي في بناء شبكة أمان وتوافق آسيوي وإقليمي عريض، تجسد بوضوح في المواقف الإيجابية والاستعداد العملي الصادر من نيودلهي، والتحركات الجسورة التي تقودها إسلام آباد عبر قنواتها السياسية والأمنية الرفيعة لتقريب وجهات النظر وتجسير الهوة السحيقة بين الإدارة الأمريكية الجديدة والرئاسة الإيرانية.

ومع ترقب العواصم العالمية للقرارات والخطوات المقبلة التي سيتخذها البيت الأبيض تحت إدارة ترامب العائد بقوة، يبقى الرهان الأساسي والمصيري معقودا على مدى قدرة وحنكة هذه الوساطات الآسيوية في شبه القارة الهندية على صياغة تفاهمات عملية ومعادلة متوازنة تلبي الهواجس الأمنية لكافة الأطراف وتضمن حقوقها الاستراتيجية المشروعة. 

إن الأيام والأسابيع القليلة القادمة ستكون بلا شك حاسمة وفي غاية الأهمية لتحديد ما إذا كان حراك الجارين اللدودين، الهند وباكستان، سينجح في تبديد غيوم الحرب الداكنة وفتح صفحة جديدة من السلام والازدهار لغرب آسيا، أم أن تعقيدات الملفات المفتوحة وصوت الرصاص ستفرض مسارات أخرى أكثر قتامة وصعوبة على المنطقة والعالم بأسره.