اختراق السيادة وشبح المواجهة: لغز “القاعدة الإسرائيلية” في العراق ودورها في العمليات ضد إيران

كتب: الترجمان

تتصاعد في الآونة الأخيرة موجة من الجدل السياسي والأمني داخل الأوساط العراقية والإقليمية، عقب تسريبات صحفية دولية كشفت عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية في قلب الصحراء الغربية للعراق. هذه التقارير، التي فجرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، لم تكن مجرد سبق صحفي عابر، بل مثلت صدمة لمنظومة الأمن القومي العربي، حيث أشارت إلى أن إسرائيل تمكنت من إيجاد موطئ قدم عسكري لها في بلد لا يجمعه بها أي تمثيل دبلوماسي، بل ويعد تاريخيا من ألد خصومها. وتأتي خطورة هذه الأنباء من كونها تزامنت مع فترة شهدت توترات عسكرية مباشرة بين طهران وتل أبيب، مما يضع العراق في قلب عاصفة إقليمية قد تحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

وتشير التفاصيل المتداولة إلى أن هذه القاعدة لم تكن مجرد مركز مراقبة بسيط، بل كانت منشأة لوجستية متكاملة مصممة لدعم العمليات الجوية الإسرائيلية بعيدة المدى. فالهدف الأساسي من إنشائها، حسب المصادر الاستخباراتية، هو توفير نقاط ارتكاز قريبة من الحدود الإيرانية لتقليل المسافات التي تقطعها المقاتلات، وتوفير فرق متخصصة في البحث والإنقاذ قادرة على التدخل الفوري في حال سقوط أي طائرة أو أسر طيارين. هذا المستوى من التخطيط يعكس استراتيجية إسرائيلية جديدة تعتمد على اختراق جغرافيا الخصوم لفرض واقع عسكري يقلل من مخاطر العمليات الهجومية المعقدة.

الراعي الذي كشف المستور: كيف سقط القناع عن العملية السرية؟

في مفارقة تذكرنا بأفلام الجاسوسية العالمية، لم تكن أجهزة الرادار أو الأقمار الصناعية المتطورة هي من كشفت هذا الوجود الغامض في البداية، بل كان راعيا عراقيا بسيطا يرعى أغنامه في تلك المنطقة النائية. فقد لاحظ هذا المواطن تحركات غير طبيعية لآليات عسكرية وهبوطا وصعودا متكررا لمروحيات لا تحمل شارات معروفة، مما دفعه لإبلاغ السلطات المحلية. 

هذا البلاغ العفوي كان الخيط الأول الذي قاد القوات الأمنية العراقية لمحاولة استكشاف المنطقة، لتجد نفسها أمام مواجهة مسلحة غير متوقعة، كشفت لاحقا عن مدى التحصين والحماية التي كانت تتمتع بها تلك المنشأة السرية.

وعندما حاولت دورية من الجيش العراقي، وتحديدا من “وحدة عمليات كربلاء”، الاقتراب من الموقع لاستطلاع الأمر في أوائل شهر مارس/آذار 2026، واجهت ردا عنيفا لم يكن في الحسبان. فقد تعرضت القوة العراقية لقصف جوي مباشر استهدف منعها من الوصول إلى إحداثيات القاعدة، مما أسفر عن استشهاد جندي عراقي وإصابة آخرين، من بينهم قادة ميدانيون. 

هذه الحادثة فتحت الباب أمام تساؤلات قانونية وسيادية كبرى حول الجهة التي تجرأت على قصف القوات الرسمية للدولة فوق أراضيها، وما إذا كان هناك تنسيق مسبق مع قوى دولية كبرى لتوفير غطاء جوي لمثل هذه التحركات المريبة.

Image

التكنولوجيا في مواجهة النفي: الصور الجوية وشهادة “سنتينل”

بالتزامن مع النفي الرسمي أو الصمت المطبق من بعض الجهات، جاءت التكنولوجيا لتقدم أدلة ملموسة تعزز من فرضية وجود القاعدة. فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، الملتقطة عبر نظام “سنتينل”، ملامح مدرج طيران مؤقت تم إنشاؤه على سرير بحيرة جافة في المنطقة الصحراوية بين النجف وكربلاء. ويصل طول هذا المدرج إلى حوالي 1.6 كيلومتر، وهو طول كاف لهبوط طائرات نقل عسكرية أو مروحيات دعم لوجستي. 

هذه الصور لم تكتفِ بتحديد المكان، بل رصدت أيضا وجود خيام ومعدات تقنية تم تجميعها وإزالتها على عجل في منتصف مارس/آذار 2026، مما يشير إلى أن القاعدة كانت “مؤقتة ومتحركة” صُممت لخدمة غرض عسكري محدد ثم الاختفاء.

ويرى المحللون العسكريون أن اختيار هذا الموقع لم يكن عشوائيا، فالإحداثيات المرصودة تقع في منطقة معزولة تماما عن التجمعات السكانية، مما يجعلها مثالية للعمليات “تحت الرادار”. كما أن الطبيعة الجغرافية المسطحة للبحيرة الجافة وفرت مهبطا طبيعيا لم يتطلب أعمالاً إنشائية ضخمة قد تثير الشبهات عبر الأقمار الصناعية لفترات طويلة. 

هذا الربط بين المعطيات الميدانية والصور الفضائية يضع الروايات التي تحاول نفي الواقعة في موقف محرج، خاصة مع تطابق توقيتات الظهور والاختفاء مع ذروة التصعيد العسكري في المنطقة.

Image

الارتباك الرسمي العراقي: بين النفي الأمني والتحرك البرلماني

في المقابل، تعاملت المؤسسة الرسمية العراقية مع هذه الأنباء بنوع من الحذر الممزوج بالارتباك. فقد سارعت قيادة العمليات المشتركة، عبر المتحدث الرسمي سعد معن، إلى نفي وجود أي قواعد أجنبية غير قانونية، معتبرة أن ما حدث في مارس كان اشتباكا مع “مجموعات مسلحة غير معروفة” تحظى بدعم جوي مجهول. 

هذا التصريح، رغم محاولته طمأنة الشارع، إلا أنه أثار تساؤلات أكثر مما قدم إجابات؛ فكيف يمكن لمجموعات مجهولة أن تمتلك غطاء جويا قادرا على ضرب الجيش العراقي دون أن يتم رصد مصدر الطائرات أو هويتها؟

هذا الغموض دفع البرلمان العراقي إلى التحرك بقوة، حيث طالب نواب من كتل سياسية مختلفة باستدعاء وزيري الدفاع والداخلية للوقوف على حقيقة الأمر. ويرى برلمانيون أن السكوت عن مثل هذا الاختراق يمثل “فضيحة أمنية” تمس سيادة البلاد. 

وتتركز المطالبات البرلمانية على ضرورة الكشف عن دور “التحالف الدولي” بقيادة واشنطن في هذه الواقعة، حيث تشير بعض التسريبات إلى أن القاعدة أنشئت بعلم أو بتسهيل أمريكي، وهو ما يضع الحكومة العراقية في مأزق سياسي كبير أمام القوى الوطنية والفصائل التي ترفض أي وجود أجنبي، فكيف إذا كان هذا الوجود إسرائيليا؟

Image

اعترافات غير مباشرة: ما وراء تصريحات القادة الإسرائيليين

من الجانب الآخر، وفي تل أبيب، اتبع المسؤولون سياسة “الغموض الاستراتيجي”، وهي السياسة التقليدية لإسرائيل في العمليات الخارجية الحساسة. ومع ذلك، لم تخلُ تصريحات بعض القادة من تلميحات ذات دلالة؛ فقد أشار قائد القوات الجوية الإسرائيلية، “تومر بار”، في رسالة وجهها لقواته، إلى أن الوحدات الخاصة تنفذ مهاماً “تفوق الخيال” في أماكن بعيدة. 

هذه العبارة اعتبرها مراقبون إشارة ضمنية للعملية في العراق، خاصة وأنها تزامنت مع توقيت رصد القاعدة. كما أن تهرب رئيس الأركان، “إيال زامير”، من الإجابة المباشرة عن أسئلة الصحفيين حول القاعدة العراقية، زاد من قناعة المحللين بأن التقارير لم تكن مجرد ادعاءات صحفية.

ويؤكد خبراء عسكريون إسرائيليون في تقارير نشرتها صحف مثل “معاريف” و”يديعوت أحرونوت”، أن وجود مثل هذه القواعد اللوجستية في دول الجوار الإيراني يمثل “ضرورة عملياتية” لتأمين الطيارين في حال حدوث طوارئ.

فالمسافة بين إسرائيل وإيران طويلة ومعقدة، ووجود نقطة ارتكاز في صحراء العراق الغربية يوفر عمقا استراتيجيا يسمح بالتدخل السريع لإنقاذ أي طيار يسقط، بدلا من تركه يواجه مصير الأسر، وهو ما يفسر وجود فرق “البحث والإنقاذ” المجهزة بأحدث التقنيات في تلك القاعدة السرية.

Image

انعكاسات الحادثة على التوازنات الإقليمية ومستقبل السيادة

إن تداعيات الكشف عن هذه القاعدة تتجاوز حدود العراق لتطال التوازنات الإقليمية الهشة. فإذا ثبت فعليا أن إسرائيل قادرة على العمل عسكريا من داخل الأراضي العراقية، فإن ذلك يعني فشلا ذريعا في منظومة الردع والمراقبة، ليس للعراق فحسب بل لكل حلفاء إيران في المنطقة. 

هذا الواقع قد يدفع الفصائل المسلحة القريبة من طهران إلى تصعيد هجماتها ضد الوجود الأمريكي، باعتباره المظلة التي سمحت بمرور مثل هذا الخرق، مما قد يدخل العراق في دوامة جديدة من العنف المتبادل بين القوى الدولية على أراضيه.

ختاما، تظل قضية “قاعدة الصحراء” لغزا يجمع بين الحقائق التقنية (صور الأقمار الصناعية) والشهادات الميدانية (حادثة استشهاد الجندي والبلاغ الشعبي)، وبين النفي السياسي الرسمي الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى من هيبة السيادة. 

وبين هذا وذاك، يبقى العراق ساحة مفتوحة للتنافس الاستخباراتي والعسكري، في ظل أجواء إقليمية ملبدة بغيوم الحرب، حيث أصبحت الصحراء التي كانت يوما مكانا للعزلة، اليوم مسرحا لعمليات “فوق الخيال” تغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. إن الحقيقة قد لا تظهر كاملة في المدى القريب، لكن ما تسرب حتى الآن كفيل بإعادة صياغة استراتيجيات الدفاع والأمن في المنطقة بأكملها.

كلمات مفتاحية: