إيران على حافة الانهيار الصناعي.. آلات صدئة تهدد بإطفاء عجلة الإنتاج وتهدد الاقتصاد المحلي!

تُعدّ التكنولوجيا الحديثة ركيزة أساسية للتنافسية والإنتاجية الصناعية، إلا أن العديد من الوحدات الصناعية الإيرانية تُواجه تحديا كبيرا يتمثل في التحدي، وتُشير إحصاءات مُقلقة إلى أن نسبة كبيرة من هذه الوحدات، بسبب تقادم التكنولوجيا ونقص السيولة، تعمل بطاقةٍ أقل بكثير من المطلوب، بل إنها خرجت تماما من دورة الإنتاج. ويُعدّ هذا الوضع نذير شؤمٍ على النمو الاقتصادي للبلاد في العقد المُقبل.

وفقا لوكالة أنباء آنا، فإن الصناعات الصغيرة في إيران، وهي المحرك الرئيسي للاقتصاد غير النفطي، تمر اليوم بمرحلة حرجة، وقد دقّت الإحصاءات المقلقة لانخفاض الطاقة الإنتاجية وتزايد إغلاق الوحدات الصناعية ناقوس خطر جديد يهدد الإنتاج الوطني.

فهل ستتمكن هذه الصناعات، من خلال تبني مناهج جديدة ودعم مُوجّه، من تحديث نفسها وإنعاش نفسها، أم ستختفي تدريجيا من المشهد الإقتصادي للبلاد في دوامة الإرهاق والركود؟

في قلب طهران، حيث كانت المصانع تدوي بصوت الإنتاج، يتردد اليوم صدى التراجع، تخيل لو أن آلات عملاقة، كانت يوما رمزا للقوة الإنتاجية، تحولت إلى أشباح صدئة تئن تحت وطأة الزمن والعقوبات. 

وفقا للتقارير المتاحة، تعمل 32% من الوحدات الصناعية الصغيرة في إيران بأقل من 50% من طاقتها الإنتاجية بسبب تقادم تقنيات الإنتاج، تشير هذه الإحصائية، إلى جانب الزيادة المستمرة في عدد الوحدات الصناعية غير النشطة خلال العقد الماضي، إلى عمق الأزمة، ومن الأسباب الرئيسية لهذه الإغلاقات وانخفاض الطاقة الإنتاجية نقص السيولة ، وتقادم الآلات ، وضعف التكنولوجيا.

Image

هذا ليس سيناريو خياليا، بل واقع مرير يواجه الاقتصاد الإيراني في عام 2025، ووفقا لتقرير حديث صادر عن  مركز الأبحاث التابع للبرلمان أصبحت أزمة الآلات المتهالكة قنبلة موقوتة، تهدد بتفجير آمال النمو وإغراق البلاد في ركود عميق. مع انخفاض الاستثمار بنسب مذهلة وارتفاع تكاليف التجديد، يعمل ثلث الوحدات الصناعية بأقل من نصف طاقتها، مما يعيق التنافسية العالمية ويضعف الإنتاج المحلي، لكن هل هناك بارقة أمل في مشاريع قوانين جديدة؟ 

انهيار الاستثمار تحت وطأة العقوبات

منذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية في 2018، شهد القطاع الصناعي الإيراني تراجعا كارثيا، إحصاءات البنك المركزي تكشف عن انخفاض صافي الاستثمار بنسبة 98% بين عامي 2011 و2021، من 3.450 تريليون ريال إلى مجرد 90 تريليون ريال. 

وفي العام الحالي 2025، يستمر هذا الانهيار، حيث انكمشت مؤشرات الإنتاج الصناعي بنسبة 4.5% في الربع الأخير من العام الماضي 2024 مع انخفاض المبيعات بنسبة 2.2% مقارنة بالعام السابق، هذا التراجع ليس مجرد أرقام؛ إنه يعكس كيف أن غالبية الاستثمارات تذهب الآن لتعويض الاستهلاك المتسارع للآلات، دون إضافة طاقة إنتاجية جديدة، أضف إلى ذلك نمو الإنتاجية السلبي، الذي قدره المركز بنسبة -0.2% في العقد الماضي، في 2025، يتفاقم الوضع بسبب تقلبات العملة، حيث انخفضت قيمة الريال الإيراني بشكل حاد، مما زاد تكاليف استيراد المعدات بنسب تصل إلى 300% في بعض الحالات، على سبيل المثال، في صناعة السيارات، التي كانت تشكل عماد الاقتصاد، أدى نقص قطع الغيار إلى توقف خطوط إنتاج كبرى، مما أثر على آلاف الوظائف وأدى إلى ارتفاع أسعار السيارات المحلية بنسبة 40% خلال العام الماضي.

وتظهر بيانات المركز الإحصائي الإيراني أن النمو السلبي لتكوين رأس المال الثابت المحلي الإجمالي في الآلات في نصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك نمو سلبي بنسبة 38.9% في عام 2012، ونمو سلبي بنسبة 33.6% في عام 2018، ونمو سلبي بنسبة 19.5% في عام 2019، يعني أن تكاليف الاستهلاك تتجاوز الاستثمارات الجديدة ويشير إلى عدم وجود دافع للاستثمار في تجديد المعدات البالية.

مصانع تعمل على “نصف بخار”

الصورة أكثر قتامة عند النظر إلى الوحدات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل عمود الفقري للاقتصاد الإيراني، يعمل أكثر من ثلث هذه الوحدات بأقل من 50% من طاقتها، بسبب تآكل الآلات ونقص السيولة، إحصاءات هيئة الصناعات الصغيرة تظهر أن من بين 52 ألف وحدة في المناطق الصناعية، هناك 6,589 وحدة معطلة تماما، فقط 31% تعمل بأكثر من 70% طاقة، بينما 32% تكافح تحت النصف.

Image

في محافظات مثل أصفهان وزنجان، بلغت نسبة الإغلاق 47-48%، مدفوعة بنقص المواد الخام وتقادم المعدات هنا، أصبحت المشكلة اجتماعية أيضا؛ فقد أدى إغلاق مصانع النسيج في مازندران إلى بطالة جماعية، مما أثار احتجاجات عمالية في أوائل 2025، مطالبين بتدخل حكومي عاجل، كما أن انخفاض الطلب في السوق، الذي يمثل 16.9% من أسباب الإغلاق، يعكس كيف أن الاقتصاد الإيراني يدور في حلقة مفرغة: آلات قديمة تنتج منتجات غير تنافسية، مما يقلل الطلب ويزيد الركود.

تقلبات العملة

مع ارتفاع التضخم إلى أكثر من 35-40% في منتصف 2025 أصبحت تقلبات سعر الصرف كابوسا للصناعيين، زادت تكاليف استبدال الآلات عدة أضعاف، خاصة مع اعتماد إيران على الاستيراد من الصين وروسيا. الآلات القديمة لا تقلل الإنتاج فحسب، بل تزيد تكاليف الطاقة والصيانة، مما يهدد الربحية، في قطاع الطاقة، على سبيل المثال، أدى انخفاض قيمة الريال إلى زيادة تكاليف واردات الوقود، مما أثر على الصناعات الثقيلة مثل البتروكيماويات، التي شهدت انخفاضا في الإنتاج بنسبة 15% هذا العام.

العقوبات وإغلاق الوحدات

أفادت منظمة الصناعات الصغيرة والمجمعات الصناعية في إيران بأنه من بين أكثر من 52 ألف وحدة صناعية عاملة في المجمعات الصناعية، هناك حوالي 45,498 وحدة عاملة و6,589 وحدة غير عاملة. 

وتعمل 31% من الوحدات العاملة بأكثر من 70% من طاقتها، و38% منها تعمل بطاقة تتراوح بين 50 و70%، و32% منها تعمل بطاقة تقل عن 50% وخلال النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، ازداد عدد الوحدات الصناعية غير النشطة بشكل ملحوظ. 

من بين 6,588 وحدة غير نشطة، أُغلقت حوالي 3,696 وحدة (56%) منذ عام 2017، وقد أدت عودة العقوبات، وعدم استقرار بيئة الأعمال، وتقلبات الأسعار والعملة، ونقص توريد المواد الخام، وتآكل الآلات، إلى إغلاق العديد من وحدات الإنتاج أو تشغيلها بأقل من طاقتها الإنتاجية المثلى.

الأسباب الرئيسية لإغلاق الوحدات الصناعية

Image

أعلن مركز البحوث البرلمانية عن أهم ثمانية أسباب إغلاق الوحدات الصناعية في المدن وهي:

1. نقص السيولة: 53.6%

2. نقص الطلب في السوق: 16.9%

3. الفرق بين الشركاء: 4%

4. نقص إمدادات المواد الخام: 4%

5. تآكل الآلات والضعف التكنولوجي: 1.3%

6. مشاكل البنية التحتية: 0.9%

7. المشاكل القضائية: 0.8%

8. مجموعة من المشاكل: 20%

طريق الإنقاذ

وسط هذه العاصفة، يقترح مركز الأبحاث مشروع قانون “دعم إعادة إعمار وتجديد الصناعات الرائدة” كحبل نجاة. 

يركز على أربعة محاور: الجدوى الفنية، الاقتصادية، المالية، والتكنولوجية. 

من الحلول المبتكرة:

• إعادة توجيه صندوق الصناعات المتقدمة لدعم تحديث الآلات في القطاعات الاستراتيجية مثل السيارات والدواء.

• تخصيص موارد من الصندوق الوطني للتنمية لاستيراد معدات حديثة، مع التركيز على الشراكات مع دول مثل الصين.

• إدخال تمويل متسلسل وإعفاءات جمركية للآلات الجديدة، مما قد يقلل التكاليف بنسبة 20-30%.

• حوافز ضريبية تشمل خصومات على مصاريف الاستهلاك الإضافية للاستثمارات في التجديد.

رغم التحديات، يشير تقرير من معهد كوينسي إلى أن الاقتصاد الإيراني نما بنسبة 17% بين 2020-2024، مع إضافة 1.2 مليون وظيفة، مما يدل على قدرة على التكيف.

حلول أخرى مبتكرة 

لتحقيق نجاح مستدام في تجديد الوحدات الصناعية، يجب ضمان الجدوى الفنية والاقتصادية والمالية، مع تعزيز القدرة على تبني التقنيات الحديثة. تحديد الصناعات ذات الأولوية للدعم يُعد خطوة حاسمة، لكن تعقيد القوانين الحالية وغياب ضمانات التنفيذ يعيقان تقديم الدعم الكافي.

Image

لتجاوز هذه العقبات، يُقترح إقرار “قانون دعم تجديد الصناعات الرائدة” بتعهدات تنفيذية واضحة، يتضمن تقسيما دقيقا للمسؤوليات بين الجهات المعنية، مثل منظمة تطوير الصناعة الإيرانية (IDRO)، ومنظمة الصناعات الصغيرة وحركة إحياء الوحدات الاقتصادية، مع تعيين مسؤول رئيسي للإشراف.

ولمواجهة تحدي التمويل المستدام، ينبغي للقانون أن يشمل آليات دعم متنوعة، مثل:

• إعادة توجيه صندوق الصناعات المتقدمة لتحديث الآلات.

• تخصيص حصة من تسهيلات النقد الأجنبي لاستيراد التكنولوجيا.

• ابتكار أدوات تمويل جديدة، مثل التمويل المتسلسل.

• تحويل الموارد المالية إلى ميزانيات سنوية ثابتة.

• توسيع حوافز قانون القفزة الإنتاجية لتطوير خطوط الإنتاج.

• إعفاءات جمركية على استيراد الآلات عالية التقنية.

إذا نُفذت هذه الإصلاحات، قد يتحول الاقتصاد من حالة الركود إلى نمو مستدام، لكن الوقت ينفذ.. في النهاية، أزمة الآلات المتهالكة ليست مجرد مشكلة فنية؛ إنها تهديد وجودي لمستقبل إيران، مع الإصرار على الابتكار والدعم الحكومي، يمكن تجاوزها، لكن التأخير قد يكلف غاليا.