- زاد إيران - المحرر
- سياسة خارجية, سياسة داخلية, متميز
- 306 Views
تحولت مشاركة رياضية عادية في بطولة قارية إلى قضية سياسية وإعلامية واسعة النطاق شغلت الرأي العام الدولي. فخلال أيام قليلة فقط، تصاعدت الأحداث وتضاربت الروايات بين حكومات ووسائل إعلام ومسؤولين رياضيين، لتتحول القصة إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في عالم الرياضة. وبين بيانات رسمية وتصريحات متناقضة، أصبحت الواقعة مثالا واضحا على التداخل المعقد بين الرياضة والسياسة والاعتبارات الإنسانية.
بداية القصة… بطولة قارية تتحول إلى قضية سياسية
في مارس/ آذار ٢٠٢٦ تحولت مشاركة منتخب إيران لكرة القدم للسيدات في بطولة كأس آسيا المقامة في أستراليا إلى واحدة من أكثر القضايا الرياضية والسياسية إثارة للجدل في ذلك العام، بعدما تصاعدت الأخبار حول احتمال لجوء عدد من اللاعبات إلى أستراليا ورفض العودة إلى إيران. ومع توالي التصريحات الرسمية والتقارير الإعلامية من جهات مختلفة، ظهرت روايات متباينة حول ما حدث بالفعل داخل بعثة المنتخب الإيراني، الأمر الذي جعل القضية تتحول من حدث رياضي إلى أزمة سياسية وإعلامية ذات أبعاد دولية.
بدأت القصة مع وصول المنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم للسيدات إلى أستراليا للمشاركة في نهائيات كأس آسيا للسيدات، وكان هذا التأهل يمثل إنجازا مهما للكرة النسائية في إيران، إذ تمكن المنتخب من الوصول إلى المرحلة النهائية للبطولة للمرة الثانية في تاريخه. غير أن هذه المشاركة جاءت في ظروف سياسية حساسة، إذ تزامنت مع تصاعد التوترات الإقليمية والضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وهو ما أضفى على حضور الفريق في البطولة أبعادا تتجاوز الجانب الرياضي.

منذ الأيام الأولى للبطولة بدأت بوادر الجدل تظهر عندما خاض المنتخب الإيراني مباراته الأولى في دور المجموعات أمام منتخب كوريا الجنوبية، فخلال مراسم عزف نشيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل انطلاق المباراة، التزمت بعض اللاعبات الصمت ولم يقمن بترديد النشيد، وهو تصرف التقطته عدسات الكاميرات وانتشر سريعا على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد اعتبر كثيرون هذا الموقف تعبيرا عن احتجاج سياسي، بينما رأت جهات رسمية وإعلامية في إيران أنه تصرف غير مقبول.

بعد انتشار هذه المشاهد، بدأت وسائل إعلام مختلفة داخل إيران وخارجها بتناول الموضوع بشكل واسع، حيث تحدثت بعض التقارير عن احتمال تعرض اللاعبات لضغوط في حال عودتهن إلى البلاد. وفي المقابل وصفت بعض وسائل الإعلام الحكومية في إيران هذا التصرف بأنه عمل غير وطني، بل وصل الأمر إلى حد وصف اللاعبات بأنهن خائنات في زمن الحرب، وهو توصيف أثار مخاوف متزايدة بشأن مصيرهن بعد انتهاء البطولة.
ومع تصاعد الجدل، شهدت المباراتان الثانية والثالثة للمنتخب الإيراني أمام كل من أستراليا والفلبين تغييرا في سلوك الفريق أثناء عزف النشيد الوطني. ففي هاتين المباراتين قامت اللاعبات بترديد النشيد وأدين التحية العسكرية قبل بداية اللقاء، وهو ما فسره البعض بأنه محاولة لتخفيف الضغوط السياسية والإعلامية التي تصاعدت بعد المباراة الأولى.

على الصعيد الرياضي لم يتمكن المنتخب الإيراني من تحقيق نتائج إيجابية في البطولة، إذ خسر مبارياته الثلاث في دور المجموعات أمام كوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين، ليخرج من المنافسات من دون تسجيل أي هدف. غير أن خروج الفريق من البطولة لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة جديدة من الجدل السياسي والإعلامي حول مستقبل بعض اللاعبات.
أزمة اللجوء وتضارب الروايات الدولية
بعد انتهاء المباراة الثالثة للمنتخب الإيراني بدأت التقارير تتحدث عن اختفاء عدد من اللاعبات من مقر إقامة الفريق في الفندق بمدينة غولد كوست الأسترالية، وذكرت مصادر إعلامية أن خمس لاعبات غادرن الفندق بشكل سري من الباب الخلفي بمرافقة الشرطة الأسترالية، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول احتمال تقدمهن بطلب اللجوء السياسي في أستراليا.
وفي هذا السياق قالت فريدة شجاعي، نائبة رئيس قسم كرة القدم النسائية في الاتحاد الإيراني لكرة القدم، إن المسؤولين عن الفريق كانوا في بهو الفندق عندما تبين أن اللاعبات قد غادرن المكان. وأوضحت أنهن ربما خرجن من الباب الخلفي للفندق برفقة الشرطة، مشيرة إلى أن الاتحاد الإيراني بدأ على الفور التواصل مع السفارة الإيرانية في أستراليا ومع وزارة الخارجية والجهات المعنية لمعرفة ما جرى.

وأضافت شجاعي أن الاتحاد تواصل أيضا مع عائلات اللاعبات الخمس لمعرفة حقيقة الموقف، مؤكدة أن الجهات الإيرانية كانت تسعى لفهم ما حدث والتعامل معه. كما أشارت إلى أن الفريق كان من المفترض أن يعود إلى إيران عبر دبي، غير أن الترتيبات الخاصة بالسفر تغيرت لاحقا، وأصبح من المتوقع أن تتم العودة عبر ماليزيا وتركيا.
في المقابل بدأت السلطات الأسترالية تتعامل مع القضية بشكل علني بعد انتشار الأخبار في وسائل الإعلام الدولية، حيث أعلن وزير الداخلية الأسترالي توني بيرك أن خمس لاعبات من المنتخب الإيراني للسيدات قد حصلن على تأشيرات إنسانية تتيح لهن البقاء في أستراليا، وأوضح أن الحكومة الأسترالية كانت تتعامل مع الملف بحذر شديد في البداية حفاظا على سلامة اللاعبات.

وقال بيرك إن الحكومة الأسترالية تجنبت الإعلان المبكر عن هذه التطورات حتى لا يتعرض أمن اللاعبات للخطر، وأضاف أن اللاعبات اللواتي تقدمن بطلب البقاء في أستراليا هن رياضيات موهوبات وأشخاص مميزون، وأن أستراليا ستوفر لهن بيئة آمنة يمكنهن أن يشعرن فيها بأنهن في وطن ثان.
ووفق ما أعلنته السلطات الأسترالية لاحقا، فإن قائمة اللاعبات اللواتي تقدمن بطلبات للحصول على تأشيرات إنسانية تضمنت أسماء مثل زهرا قنبري، قائدة المنتخب الإيراني، وزهرا سربالي عليشاه، ومونا حمودي، وعاطفة رمضاني زاده، وفاطمة بسنديده. وقد اعتبر هذا الإعلان تأكيدا رسميا على أن القضية تجاوزت مرحلة الشائعات وأصبحت واقعا.
مع مرور الوقت ظهرت تطورات جديدة في القضية عندما أعلن وزير الداخلية الأسترالي أن لاعبة أخرى وعضوا من الطاقم المساند للمنتخب الإيراني انضما إلى المجموعة التي طلبت البقاء في أستراليا، وبذلك ارتفع عدد أعضاء بعثة المنتخب الذين تقدموا بطلبات للحصول على تأشيرات إنسانية إلى سبعة أشخاص.
غير أن هذه التطورات لم تستمر طويلا، إذ أعلن بيرك لاحقا أن أحد هذين الشخصين قد غير رأيه بعد مشاورات مع زميلاته في الفريق وقرر العودة إلى إيران. وبهذا القرار انخفض عدد الأشخاص الذين سيبقون في أستراليا إلى ستة أعضاء من بعثة المنتخب الإيراني للسيدات.
وأوضح وزير الداخلية الأسترالي أن الأشخاص الستة الذين حصلوا على التأشيرات الإنسانية نقلوا إلى مكان آمن جديد بعد أن تواصل الشخص الذي قرر العودة مع السفارة الإيرانية، الأمر الذي أدى إلى كشف مكان وجودهم. وأكد أن الحكومة الأسترالية تحترم حرية الأفراد في تغيير قراراتهم ولا تمارس أي ضغط عليهم في هذا الشأن.
في الوقت نفسه كانت بقية بعثة المنتخب الإيراني قد غادرت أستراليا متوجهة إلى كوالالمبور في ماليزيا في طريق العودة إلى إيران، وقد أكد الاتحاد الآسيوي لكرة القدم أن اللاعبات يقمن في أحد الفنادق في العاصمة الماليزية، وأنه يقدم لهن الدعم اللازم إلى حين استكمال ترتيبات السفر إلى طهران.
ومع تصاعد القضية دخلت أطراف سياسية دولية على خط الجدل، حيث نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليقا على منصته الاجتماعية تروث سوشال دعا فيه الحكومة الأسترالية إلى منح اللجوء للاعبات الإيرانيات، وكتب ترامب أن إجبار اللاعبات على العودة إلى إيران سيكون خطأ فادحا»، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لاستقبالهن إذا لم تقم أستراليا بذلك.

هذا التصريح أثار ردود فعل واسعة، خاصة في إيران، حيث اعتبره المسؤولون الإيرانيون تدخلا سياسيا في قضية رياضية. وفي هذا السياق أصدر الاتحاد الإيراني لكرة القدم بيانا رسميا انتقد فيه تصريحات ترامب واعتبرها مثالا واضحا على تدخل السياسة في شؤون كرة القدم.
وقال الاتحاد في بيانه إن مثل هذه التصريحات تمثل خرقا لمبادئ الهيئات الدولية لكرة القدم التي تحظر التدخل السياسي في الرياضة. كما دعا الاتحاد المؤسسات الكروية الدولية إلى التدخل لمنع مثل هذه التصريحات التي قد تؤثر على تنظيم البطولات الدولية، خاصة مع اقتراب موعد كأس العالم ٢٠٢٦.

من جانبه خرج مهدي تاج، رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، بتصريحات إعلامية قال فيها إن ما حدث في أستراليا كان نتيجة ما وصفه بجهود تيار معاد لإيران حاول الضغط على اللاعبات لدفعهن إلى طلب اللجوء، مضيفا أن الشرطة الأسترالية وبعض الجهات الأخرى شاركت في هذه الضغوط.

وأوضح تاج أن هذه الضغوط تضمنت دخول مسؤولين حكوميين إلى الفندق الذي يقيم فيه الفريق، وإرسال رسائل مباشرة للاعبات، وحتى محاولة منع حافلة الفريق من المغادرة من خلال تجمع أشخاص أمامها. وذهب إلى حد القول إن بعض المحتجين حاولوا الاستلقاء أمام الحافلة بهدف تعطيلها.
غير أن تاج أكد في الوقت نفسه أن أيا من اللاعبات لم يقم بملء استمارة طلب اللجوء، وأن جميعهن تمكن في النهاية من الصعود إلى الطائرة والعودة إلى إيران بسلام، وقد بدت هذه الرواية مختلفة تماما عن الرواية التي قدمتها السلطات الأسترالية.
حرب الروايات… ونهاية مفتوحة لأزمة لاعبات إيران
هكذا تحولت قضية لاعبات منتخب إيران لكرة القدم للسيدات إلى ما وصفه بعض المراقبين بحرب روايات بين أطراف مختلفة، حيث قدمت كل جهة تفسيرا مختلفا للأحداث. وبينما أكدت الحكومة الأسترالية منح تأشيرات إنسانية لعدد من أعضاء الفريق، نفى الاتحاد الإيراني لكرة القدم حدوث أي حالات لجوء.
وفي خضم هذا الجدل بقيت قصة اللاعبات الإيرانيات مثالًا على التداخل المعقد بين الرياضة والسياسة والإعلام. فقد بدأت القصة بمباراة كرة قدم ونشيد وطني، لكنها انتهت إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية شاركت فيها حكومات ووسائل إعلام ومنظمات رياضية دولية.
وبينما عاد معظم أعضاء المنتخب إلى إيران عبر كوالالمبور، بقيت قضية اللاعبات اللواتي حصلن على تأشيرات إنسانية في أستراليا مفتوحة على احتمالات عديدة، خاصة مع إمكانية تحويل هذه التأشيرات المؤقتة إلى إقامة دائمة في المستقبل. وهكذا تحولت بطولة كرة قدم قارية إلى واحدة من أكثر القصص السياسية والإنسانية إثارة في عالم الرياضة خلال عام ٢٠٢٦.

