- زاد إيران - المحرر
- 404 Views
إذا كانت موازنة العام الجديد تعلن، في خطابها الرسمي، أن معيشة الناس والعدالة الاجتماعية في صلب أولوياتها، فإن اختبار صدقية هذا الخطاب لا يكون عبر الشعارات، بل من خلال قراءة دقيقة لبنود الإنفاق الاجتماعي، الصحة، والتعليم، والرعاية، ودعم الفئات الهشة. هنا تحديدا، تظهر الفجوة الأوضح بين ما تقوله الدولة، وما تتيحه فعليا من موارد.
تأتي هذه الموازنة في سياق اجتماعي بالغ الحساسية، فإيران تدخل عام 1405 مع معدلات تضخم تفوق 40%، وتآكل حاد في القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، وارتفاع كلفة العلاج والتعليم والسكن، وفي مثل هذا السياق، يصبح أي تراجع حقيقي في الإنفاق الاجتماعي، حتى وإن غلف بزيادات اسمية، بمثابة نقل مباشر لكلفة الأزمة من الدولة إلى المجتمع.
كما ذكرنا سابقا ووفق البيانات الرسمية، فيبلغ إجمالي موازنة الحكومة العامة نحو 59 ألفا و500 تريليون ريال، أي ما يعادل 42.8 مليار دولار، ومن داخل هذا الرقم، تتوزع مخصصات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، لكن دون أن تشكل كتلة مهيمنة، أو حتى متناسبة مع حجم التحديات الاجتماعية القائمة.
في قطاع الصحة والعلاج، تشير الأرقام إلى زيادة شكلية فقط في المخصصات بنسبة تقارب 46% مقارنة بالعام السابق، غير أن هذه الزيادة، عند احتساب التضخم، لا تعني هي الأخرى بالضرورة تحسنا فعليا في مستوى الخدمات، فباحتساب معدل التضخم الرسمي، يتبين أن الجزء الأكبر من هذه الزيادة يستهلك في تعويض ارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية وأجور الكوادر، لا في توسيع التغطية الصحية أو تحسين جودة العلاج.

هذا فيما تقدر المخصصات الصحية العامة، وفق ما ورد في البيانات المرافقة للموازنة، بنحو مليارات الدولارات المحدودة عند تحويلها إلى الدولار، وهو ما يضع إيران في مرتبة متأخرة نسبيا من حيث الإنفاق الصحي للفرد مقارنة بدول ذات دخل مماثل، كما أن استمرار الاعتماد على الدفع المباشر من جيب المواطن في تمويل العلاج، يعني أن أي زيادة شكلية في الموازنة لا تنعكس بالضرورة على تخفيف العبء عن الأسر.
أما في ملف الأمراض الخاصة والمزمنة، فتظهر الصورة أكثر قتامة، فقد خصص لدعم المصابين بالأمراض الخاصة ما مجموعه نحو 10.36 ملايين دولار فقط. هذا الرقم، عند توزيعه على ملايين المرضى المحتاجين إلى أدوية مستوردة وعلاج طويل الأمد، يبدو شديد التواضع، بل أقرب إلى الإجراء الرمزي منه إلى سياسة رعاية حقيقية.
يزداد هذا التناقض وضوحا عند مقارنة هذا الرقم بالإنفاق على قطاعات أخرى، فميزانية هيئة الإذاعة والتلفزيون وحدها، على سبيل المثال، تفوق هذا الرقم بأكثر من ثلاثين ضعفا، ما يعكس ترتيبا للأولويات يضع إدارة الخطاب قبل حماية الحياة.
في قطاع التعليم، تبدو الصورة مزدوجة، فمن جهة، أعلنت الحكومة عن زيادات في رواتب المعلمين، وعن رفع سقف الإعفاء الضريبي، بحيث أصبح كل من يتقاضى أقل من 400 مليون ريال شهريا، أي نحو 288 دولارا، معفى من الضريبة، كما خصصت زيادات لدعم الطلاب في المناطق المحرومة، وخصوصا في إقليم سيستان وبلوشستان، حيث ارتفعت مخصصات الطلاب المشمولين بالتغطية التعليمية بنسبة 50%.

غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها الاجتماعية، لا تعالج جوهر أزمة التعليم، المتمثلة في تدهور البنية التحتية للمدارس، ونقص الكوادر، واتساع الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص، فالموازنة لا تظهر تحولا استراتيجيا نحو التعليم بوصفه محركا للتنمية، بل تكتفي بإجراءات تعويضية تهدف إلى احتواء الغضب الاجتماعي، لا إلى إعادة بناء المنظومة.
يظهر هذا التناقض بوضوح كذلك في ملف تغذية الطلاب، فقد خصص لبرنامج التغذية المجانية في المدارس الابتدائية الحكومية، أي توزيع الحليب وغيره من المواد الغذائية، نحو 100 ألف تريليون ريال، أي ما يعادل 71.9 مليون دولار. ورغم أن هذا الرقم يبدو كبيرا نسبيا، إلا أن الحكومة نفسها تعترف بأن أثره العملي محدود، في ظل التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ما يجعل قيمة الوجبة المقدمة للطالب أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب غذائيا.
على أن الموازنة قد عكست توجها أكثر وضوحا نحو دعم التعليم العالي والبحث العلمي مقارنة بقطاعات اجتماعية أخرى، حيث سعت الحكومة إلى الجمع بين تحسين البنية التحتية الجامعية وتخفيف الضغوط المعيشية عن الطلاب وتعزيز القدرات البحثية، ويظهر هذا التوجه من خلال زيادة مخصصات الجامعات ومراكز التعليم العالي إلى نحو 690ألف مليار ريال، أي ما يعادل 4.96 مليارات دولار، بزيادة تقارب 18.5% عن العام السابق، في محاولة لمعالجة الضغوط المالية المتراكمة على المؤسسات الأكاديمية.
في قلب هذا التوجه يبرز صندوق دعم الطلاب بوصفه الأداة الأساسية للسياسة الاجتماعية الجامعية، إذ ارتفعت موازنته إلى 10 آلاف و880 مليار ريال، أي نحو 78.3 مليون دولار، بزيادة 49%، وارتفعت اعتمادات السكن الجامعي والصيانة والترميم بشكل ملحوظ، مع تخصيص 25 ألفا و900 مليار ريال، نحو 186.3 مليون دولار، لسكن الطلاب المتزوجين، في مؤشر على أولوية تخفيف الأعباء المعيشية داخل البيئة الجامعية.

على صعيد البحث العلمي والموارد البشرية، خصصت الحكومة 31 ألفا و300 مليار ريال، نحو 225 مليون دولار، للمؤسسات البحثية، و15 ألفا و170 مليار ريال نحو 109 ملايين دولار، لكليات العلوم والتكنولوجيا، إلى جانب استثمارات في المختبرات والبنية التحتية الأكاديمية. ورغم أن هذه الأرقام لا تمثل قفزة استراتيجية كبرى، فإنها تشير إلى دعم انتقائي محسوب للتعليم العالي، بوصفه أحد المجالات القليلة التي اختارت الدولة تعزيزها نسبيا في ظل سياسات مالية انكماشية عامة.
وفي مجال الرعاية الاجتماعية، تعتمد الدولة بشكل كبير على مؤسسات شبه حكومية، مثل لجنة إغاثة الإمام الخميني، ومنظمة الرعاية الاجتماعية، وقد أعلن عن زيادة مخصصات لجنة الإغاثة بنسبة 33%، وزيادة دعم منظمة الرعاية الاجتماعية بنسبة 39%، غير أن هذه الزيادات، عند تحويلها إلى الدولار، تبقى محدودة للغاية، ولا تكفي لتعويض تآكل قيمة المساعدات النقدية أمام موجة الغلاء.

كما أعلنت الحكومة عن تخصيص دعم شهري للأمهات اللواتي ينجبن أطفالا في عام 2026، بقيمة 20 مليون ريال شهريًا، أي نحو 14.4دولارا فقط، وهو رقم، مهما كانت رمزيته الاجتماعية، لا يشكل دعما حقيقيا للأسرة في ظل كلفة معيشية مرتفعة، بل يبدو أقرب إلى رسالة سياسية تشجيعية، لا إلى سياسة سكانية فعالة.

وفي محاولة لتخفيف الضغط المعيشي، أعلنت الحكومة نيتها تخصيص ما يعادل مليون و700 ألف تريليون ريال من عائدات ضريبة القيمة المضافة لدعم معيشة المواطنين، أي نحو 1.22مليار دولار،غير أن هذا الدعم يبقى غير مباشر، ويعتمد على آليات إعادة توزيع معقدة، في حين يستمر المواطن في دفع ضريبة القيمة المضافة على معظم السلع والخدمات، باستثناء بعض المواد الأساسية.
أما مشروع القسائم التموينية، والذي تعهدت الحكومة بتفعيله لحماية أسعار السلع الأساسية، فيعد اعترافا ضمنيا بفشل آليات السوق والدعم النقدي في حماية الفئات الضعيفة، فعودة هذا النموذج، بعد سنوات من التخلي عنه، تعكس حالة تراجع اقتصادي عميق، تُدار أدواته بعقلية الطوارئ لا بعقلية الإصلاح الهيكلي.

وعند مقارنة إجمالي الإنفاق الاجتماعي بالإنفاق العسكري والأمني، تظهر الفجوة بوضوح، فبينما تقدر المخصصات العسكرية والأمنية بنحو 7.9 مليارات دولار، لا يقترب الإنفاق الصحي، أو دعم المرضى، أو الرعاية الاجتماعية، من هذا المستوى مجتمعا، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول مفهوم الأمن في الرؤية الرسمية، هل يقاس بعدد الصواريخ، أم بقدرة المواطن على العلاج والتعليم والعيش الكريم؟
في المحصلة، تكشف الموازنة أن المواطن حاضر في الخطاب، غائب في الأرقام، فالدولة تحاول، عبر زيادات انتقائية وإعفاءات ضريبية محدودة، احتواء الغضب الاجتماعي دون المساس بجوهر توزيع الموارد، وهي سياسة قد تنجح مؤقتا في تخفيف التوتر، لكنها لا تؤسس لعدالة اجتماعية مستدامة، ولا تعالج الأسباب البنيوية للأزمة.

