- زاد إيران - المحرر
- 683 Views
كتب: سيد نيما موسوي
تُعد حركة الثاني من خرداد “حركة الإصلاح الإيرانية” 1997، واحدة من أوائل الحركات الاجتماعية الحديثة في منطقة الشرق الأوسط التي قامت على دعم الطبقة الوسطى، ففي هذه الانتخابات، تمكن محمد خاتمي من هزيمة منافسه علي أكبر ناطق نوري بعد أن حصد أكثر من 20 مليون صوت، لتتحوّل هذه اللحظة إلى أول حركة جماهيرية كبرى في الشرق الأوسط ترتكز على الطبقة الوسطى، ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا الفوز بالطبقة الوسطى وحدها، إذ شاركت فيه أيضا شرائح واسعة من الفئات الساخطة والمهمّشة في المجتمع.
جاء هذا التحوّل في سياق إقليمي كانت تحكمه جمهوريات مدى الحياة في آسيا الوسطى، فيما كانت الأنظمة العربية ذات الطابع البونابرتي تهيمن على العراق وسوريا ومصر، أما في تركيا وباكستان، فقد شهدت الساحة السياسية انقلابات عسكرية، الأولى ضد نجم الدين أربكان، وتلتها أخرى بعد أشهر قليلة ضد نواز شريف.
في خضم هذا المشهد، خاضت إيران تجربة فريدة من نوعها لما يمكن وصفه بـ”الديمقراطية الموجّهة”، جمعت بين العملية الانتخابية وبين الحفاظ على الخصوصيات الدينية والثقافية للمجتمع الإيراني.

كما أُشير أعلاه، فإن ما يميز حدث “الثاني من خرداد” هو التحالف غير الرسمي بين طبقات وشرائح اجتماعية متباينة، كان لها الدور الأبرز في بلورة هذه الظاهرة. وكان العنصر الأهم في هذا التحالف هو شخصية محمد خاتمي نفسه؛ إذ مثّل من جهة رمزا لليسار الإيراني في ثمانينيات القرن الماضي، وهو التيار الذي تراجع بعد مرحلة مير حسين موسوي.
جذب خطاب خاتمي الطبقات الفقيرة والمهمّشة، التي ضاقت ذرعا بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية في عهد أكبر هاشمي رفسنجاني، وشكّلت احتجاجات مشهد وقزوين في أوائل التسعينيات تجسيدا حيا لحالة الغضب والضيق تلك.
من ناحية أخرى، كان محمد خاتمي يُعد رمزا للعودة إلى القيم الثقافية للثورة الإيرانية عام 1979، فقد رأى كثير من الإسلاميين أن السياسات الثقافية لأكبر هاشمي رفسنجاني تميل نحو التسيّب والانفلات، إذ أدى التغير في وضع الحجاب، وتزايد انتشار المشروبات الكحولية والمخدرات، إلى تغيّر المشهد الاجتماعي في إيران بين عقد الثمانينيات والتسعينيات. وللمفارقة، فإن شخصيات سياسية راديكالية، مثل محمد كوثري زادة وروح الله حسينيان، كانوا من بين الداعمين لخاتمي في انتخابات 1997.

بل إن الأمر وصل إلى أن خاتمي حصل على أعلى نسبة أصوات في مدينة محلاتي، وهي المنطقة التي يقطنها كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، وحتى في الحوزة العلمية بـ “المدرسة الفيضية” في قم، المعقل التقليدي للتيار المحافظ، خرج خاتمي فائزا.
منذ أواخر الثمانينيات، تعرّض المثقفون والكتّاب الإيرانيون لضغوط كبيرة، وكان اعتقال الكاتب فرج سركوهي في منتصف التسعينيات من أبرز مظاهر هذه الضغوط، ما تسبب بأزمة دبلوماسية بين إيران وأوروبا خلال عهد رفسنجاني.
في ظل هذه الأجواء، وقف العديد من الفنانين والمثقفين – الذين كانت تجمعهم علاقات طيبة مع محمد خاتمي، خصوصا وأنه شغل سابقا منصب وزير الثقافة – إلى جانبه ودعموه. بل إن عددا كبيرا من الكتّاب والمخرجين الإيرانيين أعلنوا تأييدهم لخاتمي في انتخابات عام 1997.

كانت الطبقة الوسطى الجديدة في إيران في حالة صدام مع الطبقة الوسطى التقليدية، أي القطاع التجاري التقليدي “البازار”، فقد كان حزب مؤتلفة نتاجا لتراكم القوة السياسية لدى البازار، بينما مثّل حزب كوادر البناء رمزا للطبقة الوسطى الحديثة، وكان يرى في البازار التقليدي عائقا أمام مصالحه الاقتصادية والثقافية.
وقد تجسّد هذا الصراع في المواجهات التي نشبت بين أصحاب البازار التقليدي وسلسلة متاجر “شهروند” الحديثة التي تأسست في طهران، وكذلك في التنازع بين المساجد التقليدية ومراكز الثقافة التي أُنشئت حديثا في عهد غلام حسين كرباسجي عندما كان عمدة طهران. كانت هذه الصدامات رمزا لصراع بين البرجوازية التقليدية والبرجوازية الحديثة في المجتمع الإيراني، وكان محمد خاتمي يُمثّل البرجوازية الحديثة في مواجهة البازار التقليدي.
في الواقع، ينبغي النظر إلى ظاهرة “الثاني من خرداد” أي “حركة الإصلاح الإيرانية” بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد، لكن للأسف، فإن الأدبيات الأكاديمية في مراكز الأبحاث الغربية اختزلت هذا الحدث وفسّرته بوصفه مجرّد “حركة للطبقة الوسطى”، وهو ما أدى إلى سوء فهم كبير لطبيعة المجتمع الإيراني داخل تلك المراكز البحثية.
وربما كان فوز محمود أحمدي نجاد في انتخابات 2005 وما تلاه من ذهول في وسائل الإعلام العالمية، نتيجة لهذا الفهم السطحي والمبسط الذي تعامل مع انتخابات مايو/أيار 1997 كحدث أحادي البعد، بينما في الحقيقة، كانت تلك الانتخابات ثمرة لمشاركة شرائح وفئات متباينة ومتناقضة، التقت كلها عند نقطة مشتركة اسمها محمد خاتمي.

