- زاد إيران - المحرر
- 438 Views
في ظل إعادة فرض قرارات مجلس الأمن ضد إيران، يميل التفاعل بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والولايات المتحدة، والترويكا الأوروبية مع إيران إلى اعتماد “الغموض الدبلوماسي”، هذا الغموض يُضيف تحديات أمنية للدبلوماسية النووية القائمة على إشارات غير واضحة، خاصة في سياق “سناب باك”، حيث يكتسب الغموض الأمني أهمية كبيرة، مما يعزز التحديات التي تواجه الأمن القومي والقدرات الاستراتيجية لإيران.
زيادة القدرات المعرفية والرقابية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب تراجع نفوذ إيران في المفاوضات النووية، ستُولد تحديات أمنية جديدة لـ طهران في حال علّقت إيران تعاونها مع الوكالة أو طالبت بالانسحاب من اتفاق الضمانات النووية، ستتفاقم عزلتها الدبلوماسية والاستراتيجية، وللتغلب على تحديات إعادة تطبيق قرارات مجلس الأمن ومواجهة القيود المستقبلية، يتعين على إيران اعتماد “آليات الطريق الثالث” القائمة على “سياسة البقاء”.
ويتطلب ذلك إدراج استراتيجيات مثل “التعبئة الدبلوماسية”، و”تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية”، و”تحسين معادلة القوة والمقاومة” ضمن أولوياتها. بينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الحد من قوة إيران السياسية والتكتيكية عبر أدوات وعمليات تتعارض مع استراتيجية البقاء وتعزيز الأمن القومي الإيراني.
منذ أن أطلقت الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) آلية “سناب باك”، معلنة عودة عقوبات الأمم المتحدة القاسية على إيران، كأنها تضغط على زر إعادة تشغيل لفيلم رعب جيوسياسي، بات هذا التحرك، الذي يأتي بعد انقضاء مهلة 60 يوما و”حرب الاثني عشر يوما” الدامية، ليس مجرد ورقة دبلوماسية، بل قنبلة موقوتة تهدد بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. طهران التي أثبتت أنها ليست خائفة من “المواجهة العنيفة”، ترد بـ”توازن الرعب” الذي يجعل الخصوم يترددون: هل يخاطرون بإشعال حريق نووي، أم يتراجعون إلى طاولة المفاوضات تحت شروط جديدة؟
الغموض النووي
في عالم فوضوي يشبه غابة مليئة بالوحوش، تسعى الدول إلى تعزيز أمنها وقوتها النسبية، تفعيل “سناب باك” ليس مجرد إجراء فني؛ إنه تحول جذري يعيد إيران إلى عصر ما قبل اتفاق 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، تخيل لو أن الزمن يعود إلى الوراء: عقوبات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة تعود لتكبل اقتصاد طهران، محاصرة تجارة النفط والتكنولوجيا، ومحددة من مساحة المناورة الدبلوماسية.
الغرب، بقيادة الترويكا، يهدف إلى فرض “وضع راهن جديد”، مستخدما العقوبات كسلاح لإجبار إيران على العودة إلى المفاوضات، لكن هذه المرة مع إضافة قضايا مثل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي في اليمن وسوريا. تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أن إيران قد زادت تخصيب اليورانيوم إلى 60%، مما يقربها من عتبة 90% اللازمة لصناعة القنبلة النووية، كرد فعل مباشر على هذه الضغوط.
أولويات الأمن القومي: إسرائيل على حافة الهاوية في بيئة ما بعد الحرب
بعد “حرب الاثني عشر يوما”، التي شهدت تبادل صواريخ وغارات جوية، يزداد التوتر، إسرائيل، تحت ضغط داخلي بسبب اتهامات بجرائم حرب في غزة، تتجه نحو تصعيد دبلوماسي وعسكري، مبدأ “بيغن” – منع الأعداء من امتلاك أسلحة دمار شامل – يدفع تل أبيب للنظر في هجمات وقائية على منشآت نووية إيرانية، كما حدث في هجوم 2021 على مفاعل نطنز النووي، لكن إيران ترد بـ”الغموض النووي”، محولة برنامجها إلى درع دفاعي، وكشفت مصادر استخباراتية إسرائيلية عن مخاوف من “طائرات مسيرة إيرانية متقدمة” قادرة على اختراق دفاعات “القبة الحديدية”، مما يهدد “حصانة الجبهة الداخلية”، وفي هذا السياق، يصبح الردع النووي المتبادل أقوى: إيران تثبت أنها مستعدة لـ”مواجهة قاسية وسريعة”، كما في ردودها على هجمات سابقة، محولة أي عدوان إلى كارثة إقليمية.
القوى الشرقية: روسيا والصين كحلفاء استراتيجيين في مواجهة الهيمنة الأمريكية
لا يمكن تجاهل دور موسكو وبكين، اللتين تعارضان “الإكراه الغربي”، روسيا، المشغولة بحرب أوكرانيا، ترى في إيران شريكا لكسر الحصار الغربي، من خلال صفقات أسلحة ونفط؛ الصين، بدورها، تعتمد على النفط الإيراني لاقتصادها الضخم، وتسعى لكسر الحصار عبر مبادرة “حزام واحد وطريق واحد”، وأشارت اجتماعات سرية في بكين إلى أن الصين قد تقدم دعما تكنولوجيا لبرنامج إيران النووي مقابل اتفاقيات تجارية، مما يعزز “مكافحة سياسة الإجبار”.. هذان الحليفان لا يسعيان لتحسين علاقات طهران مع واشنطن، بل يستفيدان من التوتر لتعزيز نفوذهما، محولين الشرق الأوسط إلى ساحة للصراع الكبير.
الخوف الإقليمي: كيف تتحرك دول الخليج وتركيا في ظل التوترات؟
في المقابل فإن دول المنطقة تتحرك بحذر، مدفوعة بالمصالح الذاتية، المملكة العربية السعودية تتبنى “الحذر النشط”: تدعم الضغط الغربي سرا، لكنها تحافظ على حوار مع طهران لتجنب تصعيد في اليمن أو الخليج، خاصة مع أولويتها في استقرار أسواق النفط. تركيا، بفضل تجارتها الواسعة مع إيران (تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا)، تعارض العقوبات علنًا وتسعى لدور وسيط، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي لتعزيز نفوذها. قطر وعمان، بدورهما، تلعبان دور “التيسير”: الدوحة، بفضل علاقاتها الجيدة مع الجميع، قد تستضيف مفاوضات سرية، كما في اتفاقات سابقة، وأشار دبلوماسيون خليجيون إلى مخاوف من “انهيار اقتصادي إقليمي” إذا اندلعت حرب، مما يدفع هذه الدول للضغط على السلام الإقليمي.
أجندة البيت الأبيض الخفية: ترامب يلعب بـ”خوارزمية الرجل المجنون”
بعد انقضاء المهلة، تراجعت واشنطن عن الدبلوماسية المباشرة، مفسحة المجال للترويكا، لكنها تدعم “دبلوماسية منضبطة”، إشارة ستيف ويتكوف مبعوث ترامب لشؤون الشرق الأوسط والعرض الأخير الذي قدمه لوزير خارجية إيران عباس عراقجي في نيويورك يدعوه إلى استئناف المفاوضات، تكشف عن استراتيجية ترامب: “خوارزمية الرجل المجنون“، حيث يتلاعب بالوقت والمخاطر لإجبار الخصوم على التنازلات، ومع اقتراب الانتخابات النصفية في واشنطن، يسعى البيت الأبيض إلى تجنب حرب مباشرة، مستخدما “خطر المواجهة” كأداة ضغط. إيران ترد بـ”الغموض النووي” و”الردع الدفاعي”، محافظة على شروطها، وتشير تسريبات واشنطن إلى أن أمريكا تفضل مفاوضات غير علنية، خاصة مع مخاوف من تصعيد في تايوان أو أوكرانيا إذا انخرطت في الشرق الأوسط.
تداعيات “الزناد”
تُظهر القرارات الأممية المتخذة ضد إيران عودة لسياسة “الضغط القصوى” على طهران، فقد علّقت الدبلوماسية الإيرانية جزئيا تنفيذ قرارات مجلس الأمن لعام 2015، لكنها فشلت في الحفاظ على مكانة إيران الدولية بحلول عام 2025، مما أدى إلى إعادة تفعيل هذه القرارات لتقييد قدرات إيران الاقتصادية والسياسية، وتفرض هذه القرارات والعقوبات المرتبطة بها تحديات اقتصادية وسياسية جديدة على إيران، مما يستلزم منها تبني “دبلوماسية ذكية” لاستعادة مكانتها، كما يدرك المسؤولون الأمريكيون تداعيات العقوبات على إيران، ويسعون لفرض قيود سياسية واقتصادية وإعلامية جديدة، تصريحات المفاوض الأمريكي والمتحدث باسم البيت الأبيض، ستيف ويتكوف تكشف عن نية الولايات المتحدة لتشديد العقوبات، مما يخلق تحديات سياسية واجتماعية جديدة.
في هذا السياق، يتراجع النفوذ الإيراني، مما يتيح للولايات المتحدة تعزيز “الدبلوماسية القسرية” وتأمل الولايات المتحدة وأوروبا أن تؤدي العقوبات الاقتصادية والقيود الاستراتيجية إلى إثارة ضغوط اجتماعية واحتجاجات سياسية داخل إيران، وفي الوقت ذاته، تمهيد الطريق لمفاوضات تلبي المطالب الأمريكية المتعلقة باحتياطيات إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وغيرها من القضايا.
كما يتسم سلوك الولايات المتحدة وأوروبا تجاه إيران بالغموض، حيث ستحد قرارات مجلس الأمن من الحراك الدبلوماسي الإيراني وتدعم العمليات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران، ومن المتوقع أن يعزز ذلك الضغوط السياسية على إيران، بينما قد يؤدي تسليم اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة إلى تصعيد الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد طهران.
هل ماتت الدبلوماسية؟
بعد تفعيل آلية الزناد وعودة العقوبات من جديد تحولت اليوم إلى “دبلوماسية القوة” و”المخاطرة”، الغرب يستخدم العقوبات لتغيير ميزان القوى، حالمًا بإخضاع إيران، بينما طهران تقترب من حافة المواجهة لإجبار الخصوم على التراجع، فشل اجتماع مجلس الأمن في تمديد قرارات فنية يشير إلى انتقال الدبلوماسية إلى فضاء ثنائي. الخطر الأكبر: سوء التقدير يؤدي إلى “خروج عن السيطرة”، مما يشعل حربًا غير مرغوبة، نموذج اتفاق 2015 النووي فشل، لكن الدبلوماسية تبقى وسيلة للحفاظ على المصالح، في بيئة محفوفة بالمخاطر.
3 سيناريوهات محتملة
في الفضاء ما بعد “الزناد”، يتحكم “الوقت” في اللعبة، إيران تستخدمه لتعزيز قدراتها، بينما الغرب يضغط اقتصاديًا.
• اتفاق إدارة المخاطر المؤقت: “لا حرب ولا سلام نووي” – تفاهمات مثل “النفط مقابل إشراف محدود” لكسب الوقت.
• المواجهة غير المدارة: أزمة شاملة تؤدي إلى حرب مباشرة، مع انهيار إقليمي يهدد الجميع.
• التساهل المتفائل: تكاليف المواجهة الباهظة تدفع لتغيير السلوك، مع دور عوامل خفية مثل الضغوط الاقتصادية العالمية.
في النهاية، السلطة الرشيدة في طهران ستضمن المصالح الوطنية، محولة التحديات إلى فرص في عصر الردع المتوازن.

