- زاد إيران - المحرر
- 830 Views
في عالم السياسة الإيرانية، حيث تتقاطع تيارات التيار الأصولي والمحافظ مع القوى الإصلاحية، يبرز سعيد جليلي كشخصية محورية، تجسد الثبات على المواقف الوطنية والسيادة السياسية، رجل دبلوماسية ومفاوض، خاض معارك الدفاع عن إيران في شبابه، ثم تولى قيادة الملف النووي الإيراني لأعوام، ليصبح رمزا للتيار المحافظ الذي يسعى للحفاظ على مصالح الدولة وسيادتها في مواجهة الضغوط الدولية.
الميلاد والتعليم المبكر
وُلد سعيد جليلي في مدينة مشهد عام 1965 في أسرة علمية ومثقفة، حيث كان والده محمد حسن جليلي معلما ومدير مدرسة، خريج اللغة الفرنسية، فيما كانت والدته من أصول أذرية ومن مدينة أردبيل، منذ صغره، تربّى جليلي في بيئة تشجع على التعليم والانضباط، مما ساهم في تشكيل وعيه الوطني والسياسي منذ الشباب.
خلال الحرب الإيرانية‑العراقية، انضم جليلي إلى جبهات القتال كجزء من المجاهدين، وأصيب بشدة وفقد ساقه اليمنى، تجربة غيّرت مسار حياته وأصبحت جزءا من هويته الوطنية، إذ عرف بين مؤيديه بـ«المجاهد الحي» الذي جمع بين الشجاعة والتفاني في خدمة الوطن.
على الصعيد الشخصي، تزوج جليلي في عام 1992 من فاطمة سجادي، طبيبة عامة، ولديهما ابن واحد يُدعى سجاد، الذي يدرس في المدرسة الثانوية، وقد أقامت الأسرة في مدينة كرج حتى عام 2005.

الخلفية الأكاديمية والتنفيذية
إلى جانب مسيرته العسكرية والعائلية، حرص سعيد جليلي على تطوير نفسه أكاديميًا وتوسيع مداركه الفكرية والسياسية، حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة الإمام صادق، وهي إحدى الجامعات الرائدة في إيران المتخصصة في الدراسات الأمنية والعلاقات الدولية، خلال مسيرته الأكاديمية، ركّز جليلي على دراسة استراتيجيات السياسة الخارجية والدبلوماسية، ما مكّنه من الجمع بين المفاهيم النظرية والمعرفة العملية، كما يُدرّس في الجامعة مادة “دبلوماسية النبي محمد صلى الله عليه وسلم”، ما يعكس اهتمامه بربط المبادئ الإسلامية بالقضايا الدبلوماسية والسياسية المعاصرة.
إلى جانب خلفيته الأكاديمية، يمتلك جليلي خبرة تنفيذية واسعة، حيث عمل في مناصب مرتبطة بالشأن الأمني والسياسي، الأمر الذي أعطاه رؤية شاملة لإدارة السياسات الوطنية والإقليمية، كما يتقن اللغتين الإنجليزية والعربية، ما ساعده على التواصل بفاعلية مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، وتعزيز دوره كخبير قادر على الجمع بين الخبرة العملية والمعرفة النظرية، ليصبح شخصية متكاملة على الصعيدين الوطني والإقليمي.

المسيرة والمسؤوليات التنفيذية
خلال فترة قيادته لملف البرنامج النووي الإيراني، صدرت ثلاثة قرارات من مجلس الأمن الدولي ضد إيران بين مارس/آذار 2008 ويونيو/حزيران 2010، والتي أدت إلى إدراج إيران تحت الباب السابع، المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة في القرار رقم 1929، مما اعتُبر بمثابة توصيف إيران كدولة تهدد السلام والأمن الدولي.
إلى جانب مهامه النووية، تقلّد جليلي عدة مناصب تنفيذية مهمة على مدار السنوات، شملت:
- رئيس قسم التفتيش في وزارة الخارجية عام 1991.
- نائب إدارة الشؤون الأمريكية في وزارة الخارجية عام 1997.
- مدير المكتب الحالي للدراسات في مكتب المرشد الأعلى عام 2000.
- نائب وزير الخارجية لشؤون أوروبا وأمريكا عام 2005.
- أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عام 2007.
- ممثل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي عام 2008.
- عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام بعد الانتخابات الرئاسية 2013.
- عضو في المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية منذ 2014.

النشاط الانتخابي والسياسي
انخرط سعيد جليلي في المنافسة الانتخابية للرئاسة الإيرانية عام 2013، حيث ترشّح تحت شعار «الحياة الطيبة»، ليقدم برنامجه الذي ركز على تعزيز السيادة الوطنية والالتزام بالقيم الإسلامية في إدارة الدولة. حصل جليلي في تلك الانتخابات على أكثر من أربعة ملايين صوت، محتلا المركز الثالث، ما أكسبه مكانة بارزة ضمن التيار المحافظ في المشهد السياسي الإيراني.
بعد هذه الدورة، عُيّن جليلي عضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام، ليواصل دوره الاستشاري والسياسي على صعيد اتخاذ القرارات الاستراتيجية العليا في البلاد، وخلال الانتخابات، واجه جليلي انتقادات من تيار محمد باقر قاليباف، إذ اعتبر بعض المحللين أن إصراره على الاستمرار في المنافسة رغم وضعه الحساس في استطلاعات الرأي كان أحد العوامل التي أثرت على نتيجة قاليباف في تلك الانتخابات.
في عام 2017، ومع تشكيل حكومة الظل، حاول جليلي تقديم الدعم للحكومة بقيادة الرئيس حسن روحاني في تنفيذ بعض السياسات، لكنه استمر كأحد أبرز المنتقدين الصارمين للسياسة الخارجية للحكومة، محافظا على موقفه الثابت تجاه القضايا الوطنية والإقليمية، ومؤكدا التزامه بمبادئ التيار المحافظ في مواجهة الضغوط الدولية.

مواقف سعيد جليلي السياسية وتفاعله مع القضايا الراهنة
عُرف سعيد جليلي بمواقفه المحافظة المتشددة، حيث يجمع بين الدفاع الصريح عن البرنامج النووي الإيراني ورفض الاعتماد على التفاوض كحل شامل لكل المشكلات، معتبرا أن الحوار يمثل أداة جزئية فقط لتحقيق أهداف محدودة، كما ينتقد جليلي الحكومات الإصلاحية على ما يراه «إهدارا للفرص الاستراتيجية»، مثل عدم الاستفادة من موقع إيران الجغرافي كمعبر ترانزيت أو تعزيز العلاقات مع القارة الأفريقية.
أكد جليلي عبر حسابه على منصة إكس (تويتر سابقا)، القيم الدينية والوطنية، مسلطا الضوء على «النعم الإلهية» مثل الوحدة والولاية، واستعرض انتقادات قوية للحكومات الإيرانية بشأن ارتفاع التضخم وأزمات الطاقة، داعيا إلى استثمار «الفرص التي منحها الله للأمة» لتعزيز السيادة الاقتصادية والاجتماعية.
حتى عام 2025، شغل جليلي مناصب بارزة في البنية السياسية والأمنية الإيرانية، منها ممثل المرشد الأعلى علي خامنئي في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وعضو في كل من مجمع تشخيص مصلحة النظام والمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، وظل دوره مؤثرا بشكل خاص بعد هدنة الحرب مع إسرائيل في يوليو/تموز 2025، التي شهدت تغييرات أمنية كبيرة، أبرزها إعادة علي لاريجاني إلى رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي كممثل للمرشد الإيراني، بعد إقالة علي أكبر أحمديان من منصبه كأمين عام للمجلس.

في هذا السياق، أعرب جليلي عن استياء شديد من التطورات الأخيرة المتعلقة بالمفاوضات، مستخدما لغة حادة وانتقادات مباشرة، ما أظهر عدم رضاه عن مسار الأحداث، وأثار ردود فعل متباينة بين الأصوليين والإصلاحيين، مؤكّدا بذلك استمرار تأثيره السياسي والرمزي داخل التيار المحافظ.
يبقى سعيد جليلي أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في السياسة الإيرانية، رمزا للتيار المحافظ الذي يجمع بين الثبات على المبادئ الوطنية والقدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مسيرته التي امتدت من ساحات الحرب إلى قيادة الملف النووي والمناصب الاستشارية العليا تعكس خبرته العميقة وفهمه الاستراتيجي للشؤون الوطنية والدولية، والتزامه القوي ومواقفه الثابتة يجعلان منه مثالا فريدا على الشخصية الإيرانية التي تمزج بين الجرأة والحكمة، ومتابعة تطوره السياسي تثير الدهشة والإعجاب.

