- زاد إيران - المحرر
- 649 Views
الترجمان
في بلد يعاني من تضخّم يلتهم القدرة الشرائية للمواطنين، وقيود مالية تقيّد حركة استيراد المواد الخام، تتجه أزمة الدواء في إيران نحو مرحلة حرجة تهدّد استقرار نظامها الصحي.
فبين سياسات التسعير الإجباري، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع ثقة المرضى بالصيدليات، يجد الإيرانيون أنفسهم أمام معادلة معقدة: دواء رخيص في الظاهر، لكنه نادر في الواقع.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّلت صناعة الدواء، التي كانت تُعدّ من مفاخر الإنتاج المحلي الإيراني، إلى ساحة مواجهة بين صانعي السياسات الاقتصادية والجهات الطبية، بعدما أثبتت الأرقام أنّ “الرخص المصطنع” في الأسعار لم يعد يحمي المرضى، بل يهدّد استمرار العلاج ذاته.
فوضى الأسعار وتراجع الثقة
بحسب وكالة أنباء “خبر أونلاين“، فقد شهدت الأسواق الدوائية في الأشهر الأخيرة ظاهرة مقلقة أثارت استياء المرضى والعاملين في القطاع الصحي، تتمثل في بيع الأدوية القديمة بالأسعار الجديدة، أي تلك التي تم شراؤها قبل رفع الأسعار رسميا، لكنها تُباع بعد التعديل بالسعر المحدّث في النظام الإلكتروني.
وفي تصريحات للوكالة قال المتحدث باسم هيئة الغذاء والدواء، محمد هاشمي، إنّ هذا الإجراء “قانوني”؛ لأنّ الأسعار المعلَنة في النظام الإلكتروني هي المرجع الرسمي والموحّد في عموم البلاد. ويضيف: “قد يُسجّل على عبوة الدواء سعر أقل من سعر البيع الفعلي، لأن الدواء من المخزون القديم، لكن عند بيعه تُصدر الفاتورة بالسعر الجديد المعتمد، وهذا لا يُعدّ غلاء في الأسعار، بل نتيجة لتحديث الأسعار في النظام الإلكتروني”.
إلا أنّ هذا التبرير لم يُقنع كثيرين في أوساط المستهلكين، الذين يرون أنّ العملية تمسّ مبدأ العدالة وتضعف ثقتهم بالنظام الصحي.
وحسب ما أفاد به أحد الصيادلة للوكالة فإنّ سياسات التسعير الإلزامي التي تنتهجها منظمة الغذاء والدواء هي السبب الرئيس لهذه الإشكالية، مشيرا إلى أن “الزيادات الطفيفة” في الأسعار لا تعكس الواقع التضخّمي، ما يدفع الصيدليات إلى تخزين الأدوية تحسّبًا لارتفاعات لاحقة.
وبينما تُبرّر الصيدليات هذا السلوك بأنه وسيلة لتعويض خسائرها وتأخّر مستحقاتها من شركات التأمين، يرى الخبراء أنّه يخلق حلقة مفرغة تؤثر سلبا على الجميع، من المرضى إلى شركات التأمين، مرورا بالموزعين والمصانع.
وفي النهاية، يصبح المريض الخاسر الأكبر، إذ يدفع فارق السعر مرتين: مرة من جيبه، ومرة من خلال تراجع جودة الخدمة وثقته بمنظومة الدواء.

صناعة الدواء الحيوي.. بين الكلفة والسقوط
وفي السياق نفسه، سلطت وكالة مهر الإيرانية الضوء على معاناة صناعة التكنولوجيا الحيوية الطبية في إيران، والتي تُعدّ العمود الفقري لعلاج الأمراض المزمنة والسرطانات في البلاد.
فمع ارتفاع سعر الصرف في نظام “نيما” الإيراني بأكثر من 600% خلال خمس سنوات، أصبحت كلفة استيراد المواد الخام والمعدات تضاهي ستة أضعاف ما كانت عليه عام 2019، بينما لم ترتفع أسعار الأدوية المنتجة محليا سوى بنسبة تتراوح بين 15 و25% سنويا.
تصف الوكالة هذه الفجوة بأنها “قنبلة موقوتة”، إذ لم تعد المصانع قادرة على تغطية تكاليفها، مما يدفعها إلى تقليص الإنتاج أو التوقف الجزئي، فإيران، رغم امتلاكها إحدى أكبر أسواق الدواء الحيوي في الشرق الأوسط، تواجه خطر الانطفاء الصناعي التدريجي، وتبدو اليوم جزيرة دواء رخيص وسط محيط من الغلاء العالمي، لكنها جزيرة تغرق ببطء، والمرضى أول من يدفع الثمن.
وتُظهر المقارنات، وفق ما أفادت صحيفة “همشهري“، أنّ دواء بيولوجيا لعلاج الروماتيزم يُباع في إيران مقابل 2.5 دولار، في حين يبلغ سعر نظيره الأجنبي في جنوب أفريقيا نحو 436 دولارا، أي ما يعادل 188 ضعفا، أما دواء التصلب المتعدد (MS) فسعره المحلي 4.5 دولار، بينما يصل في الخارج إلى 220 دولارا، أي بفارق يبلغ 50 ضعفا، وفي مجال علاج العقم، لا يتجاوز سعر المنتج الإيراني 99% من سعر العلامة التجارية الأجنبية.

هجرة الكفاءات وضياع المعرفة
ووفقا لتقرير نشرته وكالة مهر فإنّ أول ضحايا الأزمة هم الخبراء والعاملون المتخصصون في صناعة التكنولوجيا الحيوية، إذ لم تعد الشركات قادرة على دفع أجورهم أو الحفاظ على كوادرها، ومع تراجع الرواتب وغياب الحوافز، بدأت موجة “هجرة صامتة للعقول”، تنقل الخبرة التقنية إلى الخارج وتترك خلفها فراغا علميا يصعب تعويضه.
وحذرت من أنّ إعادة بناء هذا المخزون العلمي ستحتاج إلى سنوات طويلة ومليارات، كان يمكن توفيرها بسياسة تسعير واقعية تضمن استمرار الإنتاج دون التضحية بالكفاءات الوطنية.
صيدليات على حافة الإفلاس
وفي مقابلة أجرتها وكالة “شفقنا“ مع همایون نجفآبادي، عضو لجنة الصحة والعلاج في البرلمان الإيراني، أقرّ النائب بأنّ “العديد من الصيدليات في إيران باتت على حافة الإفلاس”.
وأوضح أن القوانين الحالية “تفتقر إلى الرؤية المستقبلية”، مشيرا إلى أنّ بعض التشريعات مثل قانون تسهيل بيئة الأعمال أضرّت باقتصاد الصيدليات، وأضاف: “في كل شارع نرى ثلاث صيدليات تعمل على مدار الساعة جنبا إلى جنب، وهذه الفوضى أدّت إلى تفشّي الفساد ودفع الحدّ الأدنى من الأجور للموظفين”.
وحول تأثير العقوبات بعد تفعيل آلية “الزناد”، قال نجف آبادي إنّها لا تشمل الدواء بشكل مباشر، لكنها تُلقي بظلالها الثقيلة على عملية الاستيراد عبر تعطيل التحويلات المالية وصعوبة نقل المواد الخام.
وأعرب عن أمله في أن تتمكّن وزارة الصحة من الحدّ من الأثر السلبي لهذه التحديات لضمان استمرار وصول الأدوية، خصوصا أدوية السرطان والأمراض المزمنة، إلى المرضى دون انقطاع.
وأشار كذلك إلى فوضى منح تراخيص الصيدليات، منتقدا السماح لأي شخص بامتلاك صيدلية حتى دون تأهيل علمي كاف، وقال: “اليوم يمكن لأي شخص، حتى لو لم يُكمل التعليم الابتدائي، أن يؤسّس صيدلية، وهذا نهج يجب إصلاحه”.

الطب النووي.. بصيص الأمل في المشهد القاتم
وفي خضمّ هذا المشهد المثقل بالأزمات، يبرز الطب النووي كأحد المجالات القليلة التي تشهد تطورًا نسبيا في إيران.
فبحسب تقرير بثّته وكالة الإذاعة والتلفزيون “صدا و سيما“، أوضح وحيد خليلي، أخصائي الطب النووي، أنّ “الأدوية الإشعاعية” المعروفة أيضا بالراديو أدوية، تُستخدم لتصوير الأعضاء الداخلية وتقديم تشخيص دقيق للأمراض، كما تُسهم في علاج أنواع متعدّدة من السرطان.
ونقلت الوكالة عن أميد آل ياسين، نائب مركز أمير المؤمنين التعليمي في مدينة أراك، قوله إنّ المركز يستقبل يوميا نحو 100 مريض للكشف المبكر عن السرطان، مؤكدا أنّ الطب النووي أصبح أداة فعّالة إلى جانب العلاج الكيماوي والإشعاعي.
وأشار مدير مستشفى آية الله خوانساري في مدينة أراك إلى أنّ مادتي اللوتشيوم والتكنسيوم تُعدّان من أكثر “الراديو أدوية” استخدامًا في علاج سرطانات الغدة الدرقية والبروستاتا والعظام.
ورغم أنّ هذه التقنيات تمنح المرضى أملا جديدا، فإنها تعتمد بدورها على استيراد المواد المشعة والمعدات الدقيقة، وهو ما يجعلها مهددة هي الأخرى إذا استمرت أزمة التمويل والعملة الصعبة.
جدير بالذكر أن الأسباب الاقتصادية تتقاطع مع الإدارية، وتتشابك نتائجها بين المواطن والصيدلي والمصنّع، فمن التسعير الإجباري إلى تضخم التكاليف وهجرة الكفاءات، ومن الإفلاس الصيدلاني إلى تراجع الثقة الشعبية، تبدو أزمة الدواء الإيرانية انعكاسا لأزمة أعمق في إدارة الاقتصاد الصحي، لا يمكن حلّها بقرارات جزئية أو مسكّنات مؤقتة.
ومع أن إيران لا تزال تملك قاعدة صناعية وعلمية متقدمة في المجال الدوائي، إلا أنّ استمرار تجاهل الفجوة بين “السعر الرسمي” و”الكلفة الواقعية” قد يجعل هذا الإنجاز أمرا مستحيلا.

